آخر الأخبار

توهَم أن الابتعاد عنهم يجعل منه "زعيما قوميا": هل يضحي البشير بـ"الإسلاميين"؟

2019-3-8 | خدمة العصر توهَم أن الابتعاد عنهم يجعل منه

أشارت تقديرات صحافية إلى أن قرارات الرئيس السوداني، عمر البشير، الأخيرة ربما تصب تعكس اضطراب العلاقة بينه وبين الإسلاميين، في خطوات يبدو أنها مدفوعة بتأثيرات خارجية، ورأى محللون في تخلّيه عن حزب "المؤتمر الوطني" الحاكم، خطوة نحو الطلاق بين الطرفين، ويربط آخرون مصير البشير بمستقبل علاقته بالإسلاميين.

وهنا، يمكن الإشارة إلى صراع محورين إقليميين على السودان: الأول تقوده السعودية والإمارات ومصر، والثاني، تقوده دول مثل قطر وتركيا. والبشير بارع في اللعب على التناقضات والنزاعات الإقليمية، لكن هذا قد لا يفيده في الفترة الحاليَة، ومحور الرياض، ربما، ربط مساعداته للبشير بفكّ ارتباطه مع الإسلاميين، ما دفع حاكم السودان إلى تفويض سلطاته في الحزب الحاكم لنائب الحزب الجديد أحمد هارون، وإبعاد بعض الإسلاميين عن السلطة.

ويبدو البشير ماضيا في طريق الانعتاق الكامل من الإسلاميين، وقد بدأ تدريجيا في إبعاد الإسلاميين عن السلطة، باختيار حكام الولايات من المؤسسة العسكرية، ومكَن أصحاب الولاء، وإن كان بعضهم من الإسلاميين، وربما أتى هذا في سياق التمهيد للانفصال، فوفقا لتقديرات أحد السياسيين السودانيين، فإن "بديل الإسلاميين بالنسبة إلى البشير أصبح جاهزاً، وهو المؤسسة العسكرية". وربما شعر الإسلاميون بأن المساندة "أصبحت غير متكافئة، وتضرّ بالبلد، لذلك بدأوا ينسلخون منه، والآن (هناك) معارضة قوية في صفوف الإسلاميين ضد استمراره في السلطة، سواء كانوا سياسيين أو أعضاءً في البرلمان أو صحافيين أو أكاديميين".

ويتوقع الكاتب علي عبد الرحيم علي، أن يكون الإسلاميون "آخر قرابين البشير، وليس سراً أنه ظلّ يلمِز في المجالس باعتبارهم مسؤولين عن الفساد، وأن يديه مغلولتان بحلفه معهم، فهو بالنسبة إليهم عسكري وليس إسلاميا"، ورأى أن تأثيرا خارجيا في الساعة الأخيرة طرأ قبل إجراءاته الأخيرة حال دون انهيار هذا الحلف، ولكن هذا لا يعدو أن يكون مدّاً لأجل محتوم".

وفي هذا السياق، يرى مدير مكتب الراحل حسن الترابي، والقيادي في حزب "المؤتمر الشعبي" المعارض، تاج الدين بانقا، أن الإسلاميين في السودان "لم يصبحوا على قلب رجل واحد. فهناك عدة أحزاب وتيارات إسلامية انشطرت من حزب الرئيس منذ فترة، ولم تعد تربطها علاقة بالبشير، أما الحركة الإسلامية التابعة للمؤتمر الوطني، فقد حصرت دورها في الجانب الدعوي، والآن فكّ البشير ارتباطه بالمؤتمر الوطني، إلا من شعرة معاوية". وأضاف أن لدى الإسلاميين أنفسهم أصبحت لديهم قناعات مختلفة، وأن بعضهم بات لا يرى مشكلة في التعامل مع محاور خارجية تسعى إلى إبعاد الإسلام السياسي عن السلطة.

هذا في الوقت الذي يستبعد فيه آخرون أن يُقدم البشير على إطاحة الإسلاميين في الوقت الراهن، بمبرر أن العلاقة التي تربطهما معقدة، وأن الرئيس يدرك أن إطاحتهم نهائياً ليست مضمونة العواقب، بل تحتاج إلى ترتيب أكبر وبديل أقوى.

وهنا، يرى الكاتب والصحافي خالد التجاني أنه من المبكر حسم مآل علاقة البشير بالإسلاميين، التي "تعتمد بالدرجة الأولى على مستقبل الأوضاع الاقتصادية والاستقرار السياسي واتجاهات السياسية الخارجية".

وقال الباحث السياسي السوداني، عبد الوهاب الأفندي، إن هناك وهما عند البشير، وبعض من بقوا من أنصاره، بأن ابتعاده عن الحزب يجعل منه "زعيماً قومياً". والوهم متبادل بين البشير وحزبه بأن كلا منهما عبءٌ على الآخر، فالبشير يزعم أن الأنظمة الإقليمية، وقوى دولية كثيرة، تفضله على أنصاره من "الإسلاميين"، ويرى أنصاره أن سمعته المتدنية، بسبب ارتباطه بالفساد وجرائم الحرب، تجعل التخلص منه مكسباً سياسيا. 

ورأى أن هذه الأوهام مضرّة بالطرفين، لأن أيا منهما لا يملك رصيداً سياسياً إيجابياً. وقد ضيع البشير فرصة جديدة، أتيحت له لتقديم خدمةٍ للبلاد بالمساعدة في تسهيل الانتقال الديمقراطي، وتعجيل رحيله عن السلطة، وبالتالي تجنيب البلاد مزيدا من الدماء والصراعات. 

وفي الظرف الحالي، يقول "الأفندي"، الوضع الاقتصادي هو العامل الحاسم، حيث إن البلاد تقف على حافة كارثة اقتصادية. وستسوء الأمور أكثر إذا تطاول أمد الاضطراب، ومعه الإنفاق الزائد على الأمن، مع تراجعٍ أكيد في النشاط الاقتصادي، ما قد يؤدي إلى انهيار الدولة وتمزّقها.

وعلى الرغم من أن خطوات النظام الأخيرة تمثل تقدّماً نسبياً، من حيث اعترافها بالأزمة بعد أن كانت تكابر، وإدراكها أن المشكلة سياسية، ولا بد أن تحل بإجراءات سياسية، وليس فقط بتسوّل الدعم الخارجي للتغطية على الأزمة بدلاً من مواجهتها، إلا أن العقلية السائدة ما تزال عقلية المناورة وشراء الوقت.

وأوضح "الأفندي" أن هذا خامس انقلاب يقوم به الرئيس البشير. فقد نفذ في يونيو 1989 انقلاباً خطط له الشيخ حسن الترابي، ثم نفذ في ديسمبر 1999 انقلاباً ضد الترابي، خطط له علي عثمان. وفي نهاية عام 2005، نفذ انقلاباً ضد علي عثمان بدعم جهاتٍ أمنية وعسكرية وشركائه من الأحزاب السياسية المتحالفة، بمن فيها قيادات الحركة الشعبية. وفي عام 2013 نفذ انقلاباً آخر ضد القيادات النافذة في "المؤتمر الوطني"، وأقال علي عثمان من منصبه. وهو الآن ينفذ الانقلاب الخامس، من دون أن يحدث أي تغيير حقيقي في منهج السلطة وتوجهاتها. وعليه الآن أن يقوم بانقلابٍ ضد المنهج، وأن يباشر إجراءات تسليم السلطة لمن يمثل الشعب، وإنْ لم يفعل فإنها سوف "تسقط بس"، بمعنى أن الجيش سيتدخل لمنع الدولة من الانهيار، كما حدث في الصومال وليبيريا وسيراليون.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر