آخر الأخبار

"ستيفن والت": مأساة ترامب الحقيقية ... من يتحمل تكاليف الرئاسة الأمريكية المحطمة؟

2019-3-6 | خدمة العصر

كتب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن والت، أحد أبرز نقاد السياسة الخارجية الأمريكية، أن هناك ميزة في مأساة رئاسة ترامب لا يمكن إنكارها، حتى لو تمكن من تجنب العزل، أو السجن، أو العار المستمر. لماذا؟ لأن ترامب لديه بعض الرؤى الصحيحة والمهمة في مشاكل أمريكا الحاليَة، وكانت لديه فرصة للقيام بشيء ما تجاهها عندما انتُخب، لكن هذه الفرصة أُهدرت، وعيوب ترامب السياسي والإستراتيجي والإنسان هي السبب الرئيسي وراء ذلك.

ما الذي كان فيه ترامب مصيبا؟ في عام 2016، عندما وصف السياسة الخارجية للولايات المتحدة بأنها "كارثة كاملة وشاملة" وألقى باللوم للفشل المتكرر في السياسة الخارجية على النخبة التي لا يمكن المساس بها، والتي لا تخضع للمساءلة، فقد كان على شيء من الصحة. كان على حق في اتهام حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين بإنفاق مبالغ قليلة على الدفاع، وهي شكوى قدمها عديد من الرؤساء السابقين، وعلى صواب في إدانة الجهود المفتوحة والمكلفة في بناء الأمة في أماكن مثل أفغانستان.

كان ترامب وبيرني ساندرز هما المرشحان الوحيدان اللذان أدركا أن العولمة لم تكن تفي بالغرض كما وعدت، ووجدت رسالته صدى لدى الأمريكيين من الطبقة الدنيا والوسطى، إذ كانوا قلقين جدا بشأن فقدان الوظائف ونمو الدخل الثابت، والتراخي في ضوابط الهجرة. كما اعترف ترامب بأن الصين هي المنافس الرئيسي لأمريكا على المدى الطويل، وأن بكين لن توقف ممارساتها التجارية المفترضة إذا ما طالبتها الولايات المتحدة بطريقة مهذبة. وكان ترامب وحيدا في اعترافه بأن شيطنة روسيا تأتي بنتائج عكسية ولا يخدم إلا تقريب موسكو من بكين.

إضافة إلى ذلك، فإن وجهات نظر ترامب حول الشؤون الدولية تشير إلى أنه كان لديه منظور واقعي، أكثر أو أقل، حول السياسة الخارجية التي ربما تكون قد خدمته بشكل جيد، إذا كان قد قصدها فعلاً واستوعب تأثيراتها. وعلى الرغم من أنه لم تكن لديه فكرة أو اطلاع على مثل هذه الأمور، بدا أنه يفهم أن: 1) السياسة الدولية تنافسية بطبيعتها. 2) السياسة الخارجية ليست أعمالا خيرية. 3) تسعى جميع الأمم لتحقيق مصالحها الذاتية. و4) المغامرات الأجنبية التي تتجاوز تكاليفها أرباحها، تبدو غبية.

بعد فوزه الانتخابي المفاجئ، كان ترامب في وضع يمكَنه من رسم مسار أكثر واقعية للبلاد، على أساس بعض -وليس كل- المواقف التي اتخذها في خلال الحملة. سيطر الجمهوريون على مجلسي النواب والشيوخ، وكان الكثير من الجمهور يتقبل سياسة خارجية تصحح تجاوزات وأخطاء ربع القرن الماضي.

ولو أنه جمع فريقاً من ذوي الخبرة وأصر على اتباع رؤيته، لربما كان قد حسَن مكانة أمريكا العالمية وربح عديد من منتقديه الأوائل. ولكن كما هو الحال في مثل هذه المآسي، أدى الغرور، والعناد، وضعف المشورة، وغير ذلك من أوجه القصور في شخصية ترامب إلى خيبات أمل متكررة في الداخل والخارج.

وفيما يتعلق بأوروبا، كان ترامب على حق في القول إن أوروبا يجب أن تكون جادة في الدفاع عن نفسها، وأن تتوقف عن الاعتماد على الحماية الأمريكية. أوروبا أكثر ثراءً، وأكثر سكانًا، وتنفق على شؤون الدفاع أكثر مما تفعله روسيا، وليس هناك سبب مقنع بأن تدافع أمريكما عنها. وبناء على ذلك، كان بوسع ترامب أن يقترح خفضًا تدريجيًا في التزام الولايات المتحدة، على سبيل المثال، في فترة تتراوح بين 5 و10 أعوام، مع توضيح أن أمريكا تريد علاقات ودية مع أوروبا وستواصل التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك. في الواقع، ربما حاول ترامب تجنيد أوروبا في جهد أوسع لكبح صعود الصين.

لكنه، لم يفعل هذا. وبدلاً من ذلك، قام ترامب بإهانة القادة الأوروبيين مرارًا وتكرارًا واحتضن بعض القوى السياسية الأكثر تدميراً في أوروبا. كما زاد ميزانية الدفاع الأمريكية والمساهمة الأمريكية في جهود تأمين أوروبا الشرقية، مما منح أعضاء حلف الناتو الأوروبيين سبباً إضافياً لمواصلة جهودهم. من المؤكد أن بعض أعضاء حلف الناتو قد حافظوا على التزاماتهم في عهد باراك أوباما لزيادة الإنفاق الدفاعي، ولكن ليس بالقدر الكافي لتخفيف اعتمادهم على واشنطن. فيما يتعلق بالناتو، وباختصار، فقد تمكن ترامب من إضعاف العلاقات مع الحلفاء الرئيسيين دون تقليل الأعباء الأمريكية.

في آسيا، أدرك ترامب أن الصين هي المنافس الأساسي لأمريكا على المدى الطويل، وقد حان الوقت للتعامل مع بكين بشأن ممارساتها الاقتصادية. لسوء الحظ، مضى في هذا الهدف بطريقة غير كفؤة. بدأه بالتخلي الأحادي عن الشراكة عبر المحيط الهادئ، وهي صفقة تجارية متعددة الأطراف من شأنها أن تفيد الاقتصاد الأمريكي بعدة طرق وتعزيز موقعها الإستراتيجي في آسيا.

وبدلاً من اصطفاف أعضاء آخرين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في جبهة موحدة ضد سياسة الصين التجارية والاستثمارية، هدد ترامب بشن حروب تجارية مع عديد منهم في وقت واحد. وفي الأسابيع الأخيرة، ألحقت رغبة ترامب شبه العامة باتفاق مع بكين، تقويض فريق التفاوض الخاص به، مما يجعل إحراز تقدم ذي مغزى في هذه القضايا أقل احتمالا.

كما إن ترامب مسؤول بشكل منفرد عن النهج الأمريكي الفاشل تجاه كوريا الشمالية. مما لا شك فيه أن الترسانة النووية لكوريا الشمالية هي مشكلة قد تتحدى المخطط ت الأكثر دهاءً، لكن معالجة ترامب لها كانت أقرب إلى التفكير بالتمني ونقيض الواقعية المضطربة. أصر الخبراء داخل وخارج الحكومة الأمريكية على أن بيونجيانج لن تتنازل عن قدراتها النووية التي طورتها بشق الأنفس، والتي يعتبرها الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والنظام الأساسي ضمانا لبقائهم.

إلا أن ترامب خدع نفسه في اعتقاده بأن سحره الشخصي ومهاراته التي ادعاها في إبرام الصفقات، سيقنع كيم بطريقة ما بفعل شيء لم يكن من مصلحته. لم يفوت ترامب فرصة لتحقيق تقدم ملموس، وفقط، حتى وإن كان التقدم محدودًا في هذه القضية المزعجة، ولكن تعثره أعطى شركاء أمريكا الآسيويين سببًا آخر لمساءلة حكمه وكفاءته.

 في منطقة "الشرق الأوسط"، كانت سياسات ترامب بعيدة كل البعد عما يمكن أن تمليه الواقعية. وبدلاً من تعظيم نفوذ الولايات المتحدة وتأثيرها بإقامة علاقات عمل واقعية مع أكبر عدد ممكن من الدول (مثلما تفعل الصين وروسيا)، سمح لنفسه بأن يُخدع من الحكام المستبدين، وكرر الأخطاء نفسها التي أعاقت سياسة الولايات المتحدة في المنطقة لفترة طويلة.

فبدلاً من التمسك بالاتفاق النووي مع إيران والعمل مع الدول الخمس الأخرى والبلدان الأخرى للحد من الأنشطة الإقليمية الإيرانية، ابتعد عن الصفقة ولم يحصل على شيء في المقابل. وسلم عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية إلى صهره (كوشنير) غير المؤهل، وغض الطرف عن سلوك الأمير السعودي محمد بن سلمان الذي كان يتصرف بطيش على نحو متزايد.

وحتى عندما تكون رغباته صحيحة، كما هو الحال عندما أعلن أنه سيسحب القوات الأمريكية من سوريا،  فقد كان صورة تشبه "هاملت" من التردد (هاملت قصة مأساوية)، وملاحظاته التلقائية حول استخدام القواعد في العراق لمراقبة إيران أفسدت العلاقات الأمريكية مع بغداد مع عدم وجود غرض جيد. وبعد أن وعد بالخروج من عملية "بناء الدولة"، أرسل المزيد من القوات إلى أفغانستان (مثلما فعل أوباما).

ثم هناك روسيا. بالعودة إلى عام 2016، أدرك ترامب أن تسوية الخلافات الأمريكية الحاليَة مع روسيا ستكون مفيدة لأوروبا، مفيدة لروسيا، وجيدة للولايات المتحدة أيضًا. لكن بدلاً من مواجهة روسيا بشأن أخطائها، بما في ذلك تدخلها المحتمل في الانتخابات الأمريكية، وبدء حوار جاد لحل قضايا مثل أوكرانيا والهجمات الإلكترونية ومراقبة الأسلحة، عزز سلوك ترامب، من موقع رئاسته، الشكوك حول علاقاته مع موسكو (والرئيس الروسي فلاديمير بوتين)، وهذه الشكوك تدور حول آخر شخص يمكنه حتى محاولة العمل مع روسيا، لأن أي جهد جاد للقيام بذلك سيقود المنتقدين إلى اتهامه بأنهم تحت سيطرة بوتين.

وأخيراً، إذا كان جوهر الواقعية هو التعامل مع العالم "كما هو حقاً" (بدلاً مما نود أن يكون عليها)، فإن ترامب هو أكثر من خرافي.

إنها حقا مأساة. على عكس أوباما (الذي يحسده ترامب في شعبيته وكرامته)، دخل ترامب المكتب البيضاوي على أمل تصفية بعض الالتزامات الأمريكية في الخارج وتجاوز المسؤولية (تخفيف العبء) إلى حلفاء محليين في أوروبا والشرق الأوسط، والتركيز على الصين، والقيام ببعض ما يتطلبه بناء الأمة في بلده.

أتذكر عندما كان يتحدث عن برنامج بنية تحتية كبيرة، وهو أمر من شأنه توفير الوظائف لكثير من العمال وإعداد الولايات المتحدة للتنافس على نحو أكثر فعالية فيما تبقى من هذا القرن؟ للأسف، المبنى الوحيد الذي يتحدث عنه الآن هو جدار لا معنى له لا يريده معظم الشعب الأمريكي، ولن يجعل البلد أكثر أمانًا، وربما لن يتم بناؤه. بعد أكثر من عامين من ولايته الأولى، يعتبر "الإنجاز" الأكثر بروزاً في السياسة الخارجية لترامب هو الانخفاض المطرد والحاد في السمعة العالمية لأمريكا.

وهذه هي المأساة الحقيقية. لأنه ما لم تتسبب مشاكله القانونية، في نهاية المطاف، في سقوطه، فإن ترامب ربما يعيش بقية حياته في راحة، وتحيط به حاشيته، وهي من النوع الذي كان يرعاه طول حياته. والبقية منا هي التي ستدفع، في نهاية المطاف، فاتورة هذا القطار المحطم من الرئاسة.

 

** رابط المقال الأصلي: https://foreignpolicy.com/2019/03/05/the-tragedy-of-trumps-foreign-policy/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر