آخر الأخبار

وجهة نظر: الهامش السوداني وابتكار الثورة

2019-3-4 | وجهة نظر: الهامش السوداني وابتكار الثورة

بقلم: مصطفى شلش / مركز الأبحاث "جيوبوليتيكا"

من مدينة عَطْبَرَة الواقعة في ولاية نهر النيل بالسودان، والتي تبعد عن العاصمة الخرطوم حوالي 310 كيلو متر، انطلقت تظاهرات شعبية ضخمة ضد نظام المشير عمر البشير. وأُحرقا عدة مقرات لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في عطبرة والدامر وبربر. تستمر المظاهرات في السودان وتتصاعد المطالب الشعبية والحزبية والنقابية ويستمر النظام المدعوم عربيًا بتلقي المساعدات وتصعيد البطش الأمني، في وقت بدأ فيه عديد من شركائه من التيار الإسلامي السياسي القفز من المركب الذي يبدو أنه ثُقب، ولكن يظل الوضع مفتوحا على كل الاحتمالات، ولا يتطلب الحياد أو التنظير النخبوي الفارغ ولكن الدعم النظري الصالح للممارسة على الأرض السودانية والتضامن والدفع بعجلة الحراك الثوري إلى أقصى مداها.

* مزجٌ أول: الهامش وابتكار الثورة

في نظر الفيلسوف الشيوعي، الماوي آلان باديو، الثورة لا تعني حشد وخروج الناس إلى الشارع، أو عمليات كر وفر بين الأمن والمتظاهرين وحرق مقار للأحزاب والمؤسسات الحاكمة، ولا حتى تغيير السياسات، فهذا كله لا يرقى لمسمى ثورة بل قد يكون انقلاباً أو اصلاحاً أو لا شئ. فالثورة لدى باديو ترتبط بظهور "الفعل السياسي المبتكر"، وهذا الفعل المبتكر يعد المعيار المركزي لقياس مدى فاعلية الحراك الثوري، والعامل الأساسي للحفاظ على دينامية الثورة حتى نجاح كل أهدافها. ويتجسد الفعل السياسي المُبتكر في الاحتجاجات السودانية في "التناغم/التلاحم" بين قوى الهامش الثورية وقوى المركز التقليدية المتجسدة في الأحزاب والحركات المعارضة والنقابات العمالية والمهنية، وسرعة استجابة قوى المركز والتنسيق بين فصيلين مختلفين تمامًا من الناحية الطبقية، وقد يكون في الأهداف أيضًا على المدى البعيد.

فالتظاهرات السودانية جاءت هذه المرة من الهامش من أقصى الشمال، وليس من العاصمة الخرطوم، حيث النخب السياسية والأحزاب وتمركز القوة الأمنية الكبيرة الباطشة للنظام تحسبًا لأي حراك سياسي/ثوري داخل العاصمة، وهذا ما دفع رئيس جهاز الأمن السوداني "صلاح قوش" في تصريحات للصحف السودانية بعد يوم واحد من انطلاق التظاهرات بإعلان أنها مظاهرات عفوية، وفردية وليست برعاية أحزاب المعارضة التقليدية.

فالوضع الاحتجاجي الجديد والمبتكر مربك وفجائي وقوي، إإذ الهامش أو ما يمكننا أن نطلق عليه الكتلة الحرجة الصامتة البعيدة عن العاصمة والبعيدة عن النظام السياسي بأكمله، لا تستهويه اللعبة السياسية، وهذا ليس بالضرورة نتيجة الفقر، وفقط، لكن هناك بُعد ثقافي راجع لصمت أبناء الهامش، فهم الأغلبية التي لا تعبر عنها قنوات إعلامية أو صحف يومية، وتعاملها مع مؤسسات الدولة يمكن أن نصفه بشبه المعدوم، كما يملك الهامش نوعا خاصا من الفكر والفنون والتراث قد لا يتقاطع مع الفكر والفنون والثقافة النخبوية للنظام أو لمعارضته.

لهذا، طبقًا لفكر "صلاح قوش" الأمني، قلل من أهمية التظاهرات، فالهامش في الحالات المعتادة خارج المسرح السياسي والاجتماعي ولا يكون طرفًا مع الطبقات الوسطى، نخبوية الطابع، والتي تفكر بشكل أبوي وتبني وجودها بوصفها الوكيل الحصري في التعبير عن حقوق الهامش، إلى جانب اصطناعها واجباً أخلاقياً وهميًا تُعيَن نفسها من خلاله مُشرعا ومخططا لمستقبل الجميع، بالطريقة التي تناسب طابعها النخبوي، وتخدم مصالحها.

ولهذا، بدا النظام الاجتماعي/السياسي السوداني الأوليغارشي مطمئنًا جدًا لعقود مضت تجاه ذلك الهامش الذي لا يعرف السياسة، ومطمئن إلى قدرة أجهزة الأمن التي تحاصر العاصمة وقدرتها على السيطرة على أي تهديد تقليدي من قوى المركز السياسية. لكن الحقيقة، أنه لا أحد، مهما كان قويا، قادر على منع الانفجار الذي دائمًا ما سيعلن عن موت نظام قديم، وفي الوقت ذاته ولادة نظام الجديد.

وما نجده إلى الآن في الوضع السوداني، ونأمل أن يستمر، هو أن الهامش يتولى مهمة تحريك المركز هذه المرة وليس العكس، فالحشد الجماهيري في الشارع وفي مدن الهوامش بعيدًا عن الخرطوم، خصوصًا، إلى جانب عطبرة في مدن بربر والدامر ودنقلا وكريمة  شمالًا، والقضارف وبورتسودان وكسلا شرقًا، والأبيض والرهد غربًا، ساعد في البداية النقابات المهنية الكبرى مثل الأطباء والمهندسين والمحامين والصحافيين وحتى أساتذة الجامعات والمنضوية تحت "تجمع المهنيين السودانيين" للدعوة للتجمع في قلب الخرطوم من أجل الاحتجاج على سياسات الحكومة الاقتصادية.

لكن ضغط وتفجر التظاهرات في مدن الهامش وعدم توقفها رغم بطش نظام البشير الشديد، والذي تسبب طبقًا لمنظمة العفو الدولية في مقتل 37 شخصا في خلال أسبوع، جعل الأحزاب والحركات المعارضة وتجمع المهنيين يرفعا من سقف مطالبهما -مرة ثانية- إلى الرغبة في تنحي الرئيس البشير، وإسقاط النظام بأكمله. قوة التظاهرات في الهامش دفعت بالأحداث مرة ثالثة إلى مزيد من الدينامية المقرونة بتوسع لعملية الابتكار السياسي الثوري، حيث اجتمعت الأحزاب والتحركات السياسية والنقابات العمالية في مقر الحزب الشيوعي السوداني بالخرطوم واتفقت على تحييد الاختلافات الإيديولوجية والرؤى السياسية والتركيز على هدف واحد هو "إسقاط النظام"، والعمل على بلورة بديل توافقي لملء الفراغ السياسي بعد تنحي البشير عبر تشكيل مجلس رئاسي انتقالي وحكومة تكنوقراط انتقالية تعمل على بناء نظام جديد يضمن التعددية من أجل حياة سياسية ديمقراطية.

المطالب والأفكار وطرح المبادرات في السودان تأتي هذه المرة من خارج البنى المؤسسية التقليدية التي كان يُفترض فها أنها تمارس العمل السياسي أو المعارضة ويحاصرها نظام البشير أو يعقد معها الصفقات. وهذا كان معتادًا في العصر الحديث، وفي ظل الديكتاتوريات التي دائمًا ما تكون مهمة أحزاب المعارضة المشاركة غب البناء التمثيلي  للسلطة ليس أكثر، وهذا ما تم القضاء عليه تمامًا في انفجار مدن الهامش السوداني الثوري، وهو ما يجعلنا أمام حركة جماهيرية، مدنية، ثورية فريدة من نوعها عن أي حراك سوداني شعبي سابق كان فيه للعسكر أو التيار الإسلامي السياسي حضور، مثل الإطاحة بنظام الديكتاتور الفريق إبراهيم عبود عام 1964، والحركة التصحيحية في 19 يوليو 1971 الفاشلة، والتي انتهت بمذبحة للشيوعيين السودانيين، والإطاحة بحكم الديكتاتور المشير جعفر نميري عام 1985.

* مزجٌ ثاني: شعارات الثورة أهم من الثورة

سطع من مدن الهامش وتظاهرتها شعار "حرية، سلام، عدالة"، ويشبه الشعار الشيوعي البلشفي أثناء ثورة أكتوبر 1917 "الخبز والسلام والأرض للجميع"، لكن الشعار السوداني بعيد كل البعد عن الفكر السياسي لرافعي الشعار الثاني، بل على العكس، فإن السودانيين هذه المرة أكثر ذكاءً من شيوعيي 1971، فالشعار "حرية، سلام، عدالة" مسيس ويحمل في طياته آمال وتطلعات جيل كامل، كما يحمل بعدين فيهما قدر كبير من الوعي السياسي هما:

الأول: طمأنة للطبقة الوسطى النخبوية والأوليغارشية العليا في البلاد، والتي قد تستهويها حريات أكبر ونظام سياسي أقل فسادًا للحفاظ على أعمالها طالما ضمنت السلام وعدم المساس بمكتسباتها، فلا تتمترس للدفاع عن نظام البشير، أما العدالة، فهي حمَالة أوجه ولن تخيف الطبقات العليا والنخبوية، فهم مثلًا قد يروا أن العدل يكفل لهم أنهم أصحاب رأس المال مهما كان طابعه ماديا أو رمزيا، ولهذا حقهم العادل هو حصد الأرباح من وراء هذا.

الثاني: يبتعد الشعار عن أي رمزية دينية أو طائفية أو عرقية أو حتى سياسية معينة ومحددة، وبالتالي يفوَت على النظام أي محاولة لشيطنة الحراك الثوري على الأرض، فيبدو أن قوى الهامش السياسية قد تعلمت مما سبق وقت حدوث حركة 19 يوليو 1971 للإطاحة بجعفر النميري، والذي لجأ إلى حملة إعلامية ذات طابع مكارثي استندت إلى الدين والقيم الاجتماعية السودانية ضد الشيوعيين السودانيين والتشكيك في وطنيتهم، وهذا سهل كثيرًا القضاء على الحركة العسكرية وظهيرها الحزبي وقتها، وكان الحزب الشيوعي السوداني الذي طال الإعدام والسجن أغلب قياداته، وأعدم وقتها واحد من أهم شيوعي إفريقيا ومفكريها، وهو عبد الخالق محجوب، والذي وصفه جعفر النميري بكونه "يُدعى عبد الخالق وهو لا يعرف الخالق" في كلمة متلفزة بعد القضاء على الحركة التصحيحية والاستعداد لإعدام رموزها.

وبالفعل، هذا ما يحاول نظام البشير فعله الآن، فتارة يتحدث عن مؤامرة صهيونية للقضاء على السودان وتارة يتحدث عن عناصر من إقليم دارفور تريد أن تخرب السودان. على الرغم أن حرق المقرات الحزبية للمؤتمر الوطني الحاكم في مدن عطبرة والدامر وبربر، وهي تعد من معاقل حركة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية الأخرى ويقل في مكونها الاجتماعي ساكنو إقليم دارفور١.

الشعار الثاني المرفوع من الجماهير الثورية وهو "الثورة خيار الشعب"، يمكنني أن أصفه بالإشكالي، أو الرومانسي الفارغ. وبلغة أكثر علمية وأقل حدة في النقد، الشعار يقع في نطاق مفهوم الـ empty ،signifier1 أي -طبقًا لمعجم إكسفورد- مجرد كلمات تستخدم على نطاق واسع لكنها تبقى غامضة، ومتغيرة للغاية، وغير محددة، ولا تملك أي دلالة. وإن صار لها دلالة تكون مثار خلاف بين الأشخاص، وحتى وإن بدا ظاهريًا أن لها مؤيدين كثر.

وعلى هذا الأساس العلمي الفلسفي، نجد أنفسنا أمام إشكالية حول كلمة "الشعب" الفضفاضة، ولكن نجد الحل في ما طرحه "إدموند بيرك"، المفكر والسياسي الأيرلندي، وأحد رواد الفكر المحافظ الحديث، حيث يتساءل في كتابه "تأملات حول الثورة في فرنسا 1790": "ما هو هذا الشعب؟ من يعرفه ويحدد مصالحه؟ هل رأيتم يوماً رجلاً يمشي في الشارع اسمه الشعب؟” ساخرًا مما رآه مثالية من اليعاقبة الفرنسيين وحديثهم عن الشعب مصدرا للسلطات والتشريع.

فالمفيد من طرح النظرة الرجعية (المحافظة) لـ بيرك بشكل ثوري هو التحذير من استخدام مصطلحات فضفاضة والتدقيق في كل ما يصدر عن الحراك الثوري من شعارات. فإن لم يكن أبناء الثورة واعيين لما يرفعوه من شعارات ويقدموه من نظريات وتعريفات ثورية وواقعية في الآن ذاته سنقع فيما يسميه "بيرك" "تمثلًا فاقعاً لمفهوم ميتافيزيقي خطير"، أي سنصنع فراغًا ماديًا يمكن للثورة المضادة استغلاله، أو أصحاب المصالح، فالجميع يمكن أن يطلق على نفسه شعب، وينقلب على أبناء الثورة للفوز بمكتسبات سقوط الحكم في السودان أو بقائه حتى، وكل هذا باسم "الشعب يريد...".

* مزجٌ ثالث: خاتمة

في حديثي إلى أحد أصدقائي وهو ناشط شبابي من الحزب الشيوعي السوداني، أكد لي –بشكل من الدعابة والسعادة الثورية- أن ما كنت أنادي به دائمًا بعد فشل الثورة المصرية يتحقق على الأرض السودانية، أي ضرورة وجود "راديكالية للفعل الثوري"، وهذا لا يعني العنف أو التدمير كما يتخيل البعض، ولكن يعني أن تكون الصفوف الثورية مُستعدة دائمًا ومنفتحة على كل الاحتمالات وتقلل من الخلافات التي تفتح الثغرات التي قد يعبر منها الفكر المُتخاذل الإصلاحي والثورة المضادة، وأن تلتحم الطبقة الوسطى النخبوية الطابع في كثير من الأحيان، بالهامش الفقير والصامت ولكنه الواعي والقادر ورأس حربة أي حراك ثوري.

بالإضافة إلى ضرورة إدراك أهمية محتوى الخطاب الثوري في كسب الجماهير لصفوف الثورة، حيث نجد أن الرجعي (المحافظ) إدموند بيرك، يقول مثلًا: ما هي الفائدة من مناقشة الحق المجرد للإنسان بالحصول على الطعام أو الدواء، بدلا من مناقشة كيفية تأمينهما له؟ ومن هذا المنطلق، أفضل أن أطلب مساعدة المزارع أو الطبيب بدلاً من البروفيسور في الميتافيزيقيا. أي فيما معناه لو فسرناه بشكل ثوري لصالحنا، يحتم على الثورة وشبابها أن يكونوا على قدر المسؤولية الشعبية، وأن يضعوا نصب أعينهم حاجات ومتطلبات الشعب الحقيقة والمادية ولا يخذلوه بجر الحراك الثوري لنقاشات جانبية لا طائل منها. هذا إلى جانب ضرورة الاستمرار في الابتكار السياسي والمناورة على الأرض في السودان وفي غيرها من الدول التي تم خنق أي حراك سياسي أو ثقافي قد يؤدي إلى تغيير إصلاحي أو تدريجي كما يتخيل الليبراليون والنخب العربية. –معظمهم حتى لا أتهم بالتعميم، ولا أعرف ما معنى هذا الاتهام أصلًا-.

يبدو أن كل هذا يدركه الشعب السوداني حاليًا ولا يسعنا إلا التأكيد عليه، ولفت الانتباه لما نراه من قصور نتيجة بعدنا عن المشهد، والذي يعطينا رؤية أوضح نوعًا ما، وهذا فعل تضامني وليس تنظيرا نخبويا. وعلى كل حال، ليتأكد الجميع أننا أمام طلائع شبابية سودانية ثورية يبدو أنها تعلمت الدرس جيدًا من تراكم الخبرات والحراك الشعبي على مدى عقود، بالإضافة لإدراكهم أسباب فشل الثورة في الجارة مصر 2011، إلى جانب معرفتهم لحدود قدرتهم الواقعية وتحديد تطلعاتهم، وحتمًا سيصنعون مستقبلهم لا محالة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر