"جوزيف ناي": لن تتفوق الصين على أمريكا في الوقت القريب

2019-2-19 | خدمة العصر

كتب الباحث والمفكر السياسي الأمريكي، جوزيف ناي، أستاذ العلوم السياسية وعميد سابق لمدرسة جون كينيدي الحكومية في جامعة هارفارد، أن المخاوف المبالغ فيها بشأن تنامي القوة الصينية تؤدي إلى نتائج عكسية.

وقال إن وراء حرب الرئيس دونالد ترامب التجارية مع الصين تكمن قضية أعمق. كثيرون في واشنطن، من الجمهوريين والديمقراطيين، يخشون من أن يؤدي صعود الصين إلى نهاية الحقبة الأمريكية. هذا الخوف المبالغ فيه يمكن أن يصبح في حد ذاته سبباً للصراع:

أولا، إن التحدي الاقتصادي الحالي للصين ليس خطيرا كما هو مقترح. "تعادل القوة الشرائية"، هذه النظرية التي تُستخدم عادة لاقتراح أن الاقتصاد الصيني أصبح أكبر من الاقتصاد الأمريكي في عام 2014، هي مقياس للاقتصاديين لمقارنة تقديرات الرفاهية، ولكن. هذا غير مناسب لقياس القوة.

أثناء رحلتي الأخيرة إلى بكين، أخبرني العديد من رجال الأعمال أنهم يعتقدون أن النمو الحقيقي كان أقل من نصف الرقم الرسمي. لذلك، بينما يتوقع العديد من الاقتصاديين أن تتجاوز الصين، في نهاية المطاف، الولايات المتحدة باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم، فإن التاريخ المقدر يتراوح بين 2030 و2040، ويعتمد على معدلات النمو الصينية المستقبلية، التي تظهرها الأرقام الرسمية أنها في تباطؤ.

بيد أن القوة الاقتصادية ليست المقياس الوحيد للأهمية الجغرافية السياسية. الصين أيضا وراء الولايات المتحدة في المؤشرات العسكرية والقوة الناعمة. الإنفاق العسكري الأمريكي هو ثلاثة أضعاف الإنفاق العسكري للصين. وبينما تزايدت القدرات العسكرية الصينية في السنوات الأخيرة، يستنتج المحللون الذين ينظرون بعناية إلى التوازن العسكري أن الصين لن تكون قادرة على استبعاد الولايات المتحدة من غرب المحيط الهادي. وفي الوقت نفسه، يصنف مؤشر "القوة الناعمة 30"، الذي تصدره شركة بورتلاندز، الصين في المرتبة 27، وتحتل الولايات المتحدة المراكز الأربعة الأولى.

لا يوجد بلد، بما في ذلك الصين، على وشك استغلال مكان الولايات المتحدة في العالم من حيث القوة الكلية. روسيا في تدهور ديمغرافي وتعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة. لا تزال الهند والبرازيل، وكل منهما ذات اقتصاد بقيمة 2 تريليون دولار، من البلدان النامية. وبينما يوجد تحالف تكتيكي بين روسيا والصين، فمن غير المحتمل وجود تحالف حقيقي بين المتسلطين مثلما كان موجودًا في الخمسينيات. وهكذا، فبينما يعني النمو الاقتصادي الآسيوي السريع تحولاً في المنطقة، فإن القوة الصينية داخل آسيا توازنها اليابان والهند وأستراليا وغيرها من الدول. وستظل الولايات المتحدة حاسمة في هذا التوازن.

هناك خوف آخر مبالغ فيه، وهو أنه مع نمو قوة الصين، فلن يُسهم هذا في نظام دولي لم تساعد على تشكيله، وفي هذا السياق، وصفت إدارة ترامب الصين بأنها قوة معدَلة . لكن هذا من المبالغة في تقدير مشكلة "لم يخترع هنا". لقد استفادت الصين من النظام الدولي بعد عام 1945 وساهمت فيه. وهي الآن ثاني أكبر ممول لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وشاركت في مبادرات الأمم المتحدة المتعلقة بفيروس إيبولا وتغير المناخ. كما استفادت الصين بشكل كبير من المؤسسات الاقتصادية، مثل منظمة التجارة العالمية. من ناحية أخرى، لم تمارس المعاملة بالمثل رغم أنها تعتمد اقتصاد السوق، ورفضت قرار محكمة الأمم المتحدة لعام 2016 بشأن مطالبها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.

وعموما، لا يشير السلوك الصيني إلى أنه يحاول إسقاط نظام عالمي يستفيد منه، ولكنه يسعى إلى زيادة تأثيره فيه. ومع ذلك، يمكن أن يتغير هذا مع نمو القوة الصينية.

وبعبارة أخرى، بينما رد الفعل له ما يبرره ضد التلاعب الصيني بالنظام التجاري والنقل القسري للملكية الفكرية، فإن المخاوف المبالغ فيها قد تكون مدمرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن المقارنات مع بداية القرن العشرين مضللة. كانت ألمانيا صاعدة قد اجتازت بريطانيا في الإنتاج الصناعي قبل عام 1914.

ومع ذلك، فإن نمو القوة الصينية يعني أن النظام العالمي الليبرالي الأمريكي يجب أن يتغير، وأن إنتاج المنافع العامة العالمية سيكون بحاجة إلى المشاركة. وبسبب هذا أقترح التغييرات التالية:

أولاً، سيكون من الحكمة استبعاد المصطلحين "الليبراليين" و"الأمريكيين" والإشارة بدلاً من ذلك إلى آفاق "نظام دولي مفتوح وقائم على القواعد". وبينما قد لا تحلَ الصين محلَ الولايات المتحدة، فإن نمو الاقتصاديات الصينية والهندية وغيرها يعني أن حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي سوف تتقلص حتمًا.

ثانيا، في وقت تبدو فيه القيادة الأمريكية مهمة، فإن النجاح في معالجة مجموعة من القضايا العابرة للأوطان سيتطلب تعاون الآخرين. لن يكون كافياً التفكير بمنطق سلطة الولايات المتحدة على الآخرين. يجب أن نبدأ التفكير من حيث القدرة على تحقيق الأهداف المشتركة، والتي تتطلب تقاسم السلطة.

على سبيل المثال، تستفيد الولايات المتحدة إذا نجحت الصين في تحسين كفاءتها في مجال الطاقة وتنبعث منها كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون. في عالم اليوم، تعد الشبكات والترابط مصدرًا هامًا للقوة. وتأتي، حاليَا، الولايات المتحدة أولاً في ترتيب الدول في معهد "لوي" من حيث عدد السفارات والقنصليات والبعثات. لدى واشنطن أيضا أكثر من 60 معاهدة حلفاء، ولدى الصين القليل منها.

إن إضعاف ترامب للتحالفات هو جرح بذاته يشكل تهديدًا كبيرًا للمصالح الأمريكية كما هو الشأن مع نهوض الصين. إذا كانت الولايات المتحدة ستحافظ على تحالفاتها، فإن الاحتمالات ضئيلة في قدرة الصين على طردها من غرب المحيط الهادي، هذا فضلا عن السيطرة على العالم.

 

** رابط المقال الأصلي: https://www.ft.com/content/7f700ab4-306d-11e9-80d2-7b637a9e1ba1

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر