آخر الأخبار

"الجهاد السني" يتجه إلى بناء النفوذ المحلي بعيدا عن "عالمية" الصراع

2019-2-15 | خدمة العصر

رأى الباحث السوري، حسن حسن، في مقاله نشرته مجلة "ذا أتلانتيك" أن "الجهاديين" لن يركزوا في المستقبل على تصدير العنف إلى الغرب، ولكن على بناء النفوذ في مجتمعاتهم.

لعقود من الزمان، تميزت الجهادية السنية بالعنف المسلح العابر للحدود، والتفجيرات الانتحارية والتكفير. هذه الأركان الثلاثة لم تشعل غضب حكومات الولايات المتحدة وأوروبا فحسب، بل أوقف العديد من الجهاديين المستهدفين، وتحديدا السنة الذين يعيشون في العالم الإسلامي. ومع ذلك، هناك إشارات إلى أن الجهاديين السنة يغيرون أساليبهم، ويبتعدون عن الهوس العالمي الذي بلغ مداه في هجوم القاعدة على مركز التجارة العالمي، وتوجهوا نحو التجذر المحلي.

يحدث هذا التحول في بلدان مختلفة، بما في ذلك أفغانستان واليمن ومالي. توفر جبهة النصرة، فرع القاعدة في سوريا، مثالاً توضيحيًا على كيفية تغير التهديد الجهادي في جميع أنحاء المنطقة.

في عام 2016، وضعت جبهة النصرة دليلاً تدريبياً مطولاً لمجنديها الجدد. في الكتاب المؤلف من 200 صفحة تقريباً، الذي حصل عليه الكاتب، تنتصر المجموعة للجهاد المحلي ومزاياه تفوق الجهاد العالمي، وهي تنصح أتباعها بأن إستراتيجية القاعدة المعلنة المتمثلة في ملاحقة "العدو البعيد" غير منضبطة، وأنه في اللحظة الراهنة، سيكون التركيز على أي شيء آخر غير القتال المحلي "إلهاء غير مقبول".

طيلة الحرب السورية، وضعت المجموعة هذا التصور النظري موضع التنفيذ، حتى إن زعيمها، أبو محمد الجولاني، تعهد في مقابلة مع قناة الجزيرة في مايو 2015 بعدم استخدام سوريا قاعدة انطلاق للجهاديين لمهاجمة الغرب، استناداً إلى أوامر القيادة المركزية للقاعدة. وأنشأت المجموعة مكتبًا سياسيًا وتواصلت مع دول بما في ذلك تركيا لتسويق نفسها شريكا موثوقا، لا يشكل تهديدًا لأي شخص خارج سوريا.

وفي الوقت نفسه، ابتعدت المجموعة عن الدعامتين الأخريين: التفجيرات الانتحارية والتكفير، وهذا جزء من الجهد الأكبر لعدم تنفير السكان المحليين. وقد أصدرت جبهة النصرة، بحسب مصدر من الداخل، تعليمات داخلية تأمر قادتها بالامتناع عن استخدام الهجمات الانتحارية ما أمكن ذلك، وليس في المناطق المدنية، مطلقا. وقد وقعت بعض هذه الهجمات بعيداً عن الخطوط الأمامية.

وعلى نحو مماثل، حظرت جماعة أحرار الشام، وهي جماعة سلفية جهادية قريبة من جبهة النصرة ، التفجيرات الانتحارية في الأيام الأولى من الصراع. الاستخدام الحذر للتفجيرات الانتحارية شائع أيضاً خارج سوريا، بما في ذلك في اليمن وليبيا. ويبدو أن الهجمات الانتحارية بلغت الذروة بعد الغزو الأمريكي للعراق، لكنها انحسرت الآن بشكل كبير، باستثناء تلك التي ينفذها "تنظيم الدولة".

والتكفير هو أيضاً في حالة تراجع، إذ إن الجماعات الجهادية مضت في خذ الاصطفاف العملي مع المعتدلين نسبيا، بدلاً من فرض الانقسام كلما برز خلاف ديني.

وبعيداً عن سوريا، بدا فرع القاعدة في اليمن أيضاً ألصق ببيئته المحلية في أعقاب الانتفاضة المناهضة للحكومة في عام 2011 والحرب التي شنتها المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين في عام 2015. وفي عام 2017، أخبرت المجموعة صحيفة نرويجية أنها تخلت عن العمليات الدولية وتوقفت عن تجنيد مقاتلين أجانب، وكان هذا جزءا من اتفاق مع زعماء قبليين ودينيين محليين.

يمكن للمرء بسهولة إنكار هذه التغييرات باعتبارها محدودة أو مؤقتة، ولكن هناك سببان للاعتقاد بأنها تمثل اتجاها حقيقيا:

أولاً، تطور النهج المحلي للجهاديين السُنّيين في أعقاب الاضطرابات الجغرافية السياسية في عام 2011. وأغرقت الانتفاضات الشعبية في أنحاء المنطقة الجهاديين في عمق الصراعات المحلية. وكان على الجماعات الجهادية أن تستجيب بسرعة للأحداث المتغيرة، وهو ما يعني أنها لا تستطيع دائما أن ترفع تقاريرها إلى المنظرين أو القادة الجهاديين الذين يعيشون في أماكن أخرى.

كان ذلك تغييرًا جذريًا عن الطريقة التي اعتاد الجهاديون العمل بها، في الغالب حركة طليعية قادها المتطرفون العقائديون الذين أرادوا ملاحقة "رأس الأفعى"، كما وصف أسامة بن لادن وآخرون الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين.

قد يبدو ظهور "تنظيم الدولة" في عامي 2013 و2014 وكأنه مثال مضاد للتوجه التصحيحي؛ في الواقع، تسببت راديكالية الجماعة وطموحها العالمي في شيء من ردة الفعل بين الجهاديين السنة الآخرين، الذين سعوا إلى تمييز أنفسهم عن المتشددين من خلال الاعتدال النسبي والمحلي. ومع صعود "داعش" إلى السلطة. وفي وقت لاحق بعد انهيارها، واصلت مجموعات سنية أخرى إستراتيجيتها المحلية، مما يشير إلى أنها نابعة من قناعات عميقة، ولم تكن سطحية أو مجرد تكتيكية.

في السنوات القليلة الماضية، بدأ الجهاديون السنّة يتحدثون عن تحالفات عابرة للأيديولوجية في دول مثل سوريا وليبيا، ووصفها بأنها نماذج "تصحيحية" أو "إصلاحية". إنهم يدعون إلى الابتعاد عن "جهاد النخبة" الذي يزدري الجماهير، والتحول نحو "جهاد الشعب" الذي يحترم المجتمعات المحلية ويحمل همومها وقضاياها.

ثانياً، تبنى المسلحون الشيعة الموالون لإيران هذه الطريقة منذ عقود قليلة، من العالمية إلى الانغماس أكثر في المحلية، زكانت الجماعات الشيعية رائدة، قبل ثلاثة عقود، في تدبير الهجمات المسلحة عابرة للحدود والتفجيرات الانتحارية. وفي الثمانينيات، على النقيض من ذلك، لم يفجر مسلح سني واحد نفسه حتى في ذروة الجهاد في أفغانستان. وسيستغرق المسلحون السنة عقدا آخر لاحتضان التفجير الانتحاري، الذي فعلوه تحديدا لأنهم اعتقدوا أنه كان أساس نجاح المجموعات الشيعية في طرد القوات الأجنبية من لبنان وفي الحرب العراقية الإيرانية. (رمضان شلح، القائد السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ، قال لصحيفة "الحياة" في عام 2003 إن هذا التكتيك "استُعير" من الشيعة).

لكن مع مرور الوقت، تخلت الجماعات المسلحة الشيعية عن التفجيرات الانتحارية، التي اعتادوا على رؤيتها بأنها تأتي بنتائج عكسية. كما تحولت مجموعات مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وغالبية الميليشيات الشيعية في العراق من العنف المسلح العابر للوطن إلى نهج أكثر محلية، بالتسلل ومن ثم السيطرة على السياسة المحلية. لقد مكنت هذه الإستراتيجية الجماعات الجهادية الشيعية من النمو والسيطرة في بلدان متعددة، حتى عندما يكون الشيعة أقلية. (مع ملاحظة أن التحويل لم يكتمل، فإيران تستخدم، بشكل مشهور، الجماعات الجهادية وكلاء لها في دول أخرى).

لذلك، يبدو هذا وكأنه نمط: الجهاديون الشيعة يتبنون التفجيرات الانتحارية. الجهاديون السنة يحذون حذوهم. الشيعة يرفضون التفجيرات الانتحارية ويتجهون نحو إستراتيجية محلية. أتباع السنة يحذون حذوها. لقد تمسك الشيعة بالنهج المحلي، وهناك أسباب كثيرة تجعلهم يتوقعون أن يفعل السُنة الشيء نفسه.

لن يركز الجهاديون الجدد على تصدير العنف إلى الغرب، بل على التسلل إلى المجتمعات المحلية وبناء التأثير. يمكن أن تهيمن الجماعات الجهادية السنية، على طريقة حزب الله، على المشهد المسلح المستقبلي، تلك التي لديها التصميم على خوض حرب طويلة، لكنها منغمسة في الصراعات المحلية.

ومن المرجح أن يواصل الجهاديون السنة تعديل أساليبهم لتعميق حضورهم في المنطقة، كما فعل نظراؤهم الشيعة من قبل.

** رابط المقال الأصلي: https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2019/02/sunni-jihad-turns-away-transnational-terrorism/582745


تم غلق التعليقات على هذا الخبر