آخر الأخبار

بغض النظر عن وضع المفاوضات المعقدة جدا مع الأتراك: سيصبح واضحا قريبا أن الوجود الأمريكي في سوريا قد انتهى

2019-2-14 | خدمة العصر بغض النظر عن وضع المفاوضات المعقدة جدا مع الأتراك: سيصبح واضحا قريبا أن الوجود الأمريكي في سوريا قد انتهى

 ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" ووكالة "رويترز"، في الأسبوع الماضي، أن الجيش الأمريكي سيبدأ في سحب القوات من شمال شرق سوريا بنهاية شهر أبريل "موعدا مرنا" لمغادرة معظم (إن لم يكن جميع) القوات المتمركزة. وفي موازاة ذلك، يشارك السفير جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، في مفاوضات مع تركيا و"قوات سوريا الديمقراطية" (SDF)، وهي القوة الشريكة التي يقودها الأكراد والتي تحملت وطأة الحرب البرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد مقاتلي "تنظيم الدولة"، في محاولة لإدارة الانسحاب الأمريكي.

والتحدي، وفقا لما كتبه المحلل آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية، هو أن الجيش الأمريكي قد يبدأ انسحابه من سوريا قبل أن يتوصل إلى اتفاق مع تركيا وقوات "قسد" حول منطقة آمنة. ومن المرجح، يقول الكاتب، أن يُسرَع بدء الانسحاب الأمريكي من الجهود الدبلوماسية غير الأمريكية لملء الفراغ الذي خلفه التحالف. ومع ذلك، لا يبدو أن الأهداف الدبلوماسية الأمريكية مُصمَمة لضمان الحصول على الحد الأدنى من المصالح الأمريكية، إذ يخاطرون بانسحاب فوضوي دون الاتفاق على القضايا الرئيسية مع مختلف الجهات المعنية في شمال شرق سورية.

* "مناطق" الخلاف:

تتفق أنقرة والأكراد السوريون وواشنطن على أن نوعًا ما من المناطق الآمنة أفضل من الانسحاب الأمريكي الفوضوي الذي يفسح المجال للاشتباكات العنيفة بين عدد لا يحصى من الجهات الفاعلة المختلفة التي تسعى للسيطرة على شمال شرق سوريا. ومع ذلك، فإن كل طرف لديه أفكار مختلفة جذريًا حول ما ينبغي أن تبدو عليه المنطقة الآمنة.

امتنعت الحكومة التركية عن التفاوض مع الولايات المتحدة حول المنطقة، وذلك لأن موقف أنقرة هو أن أي منطقة ستحتاج إلى إزالة وحدات حماية الشعب الكردية السورية (YPG)، وأن الجيش التركي يجب أن يدير ويضمن الأمن في المناطق.

وتمسكت تركيا بهذا الموقف لأن وحدات حماية الشعب هي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهي جماعة متمردة ناشطة في تركيا منذ عام 1984، والتي صنفتها الولايات المتحدة وأوروبا مجموعة إرهابية. ووحدات حماية الشعب الكردية هي أيضاً المكون الرئيسي لقوات "قسد".

لقد عارضت قوات سوريا الديمقراطية / قوات حماية الشعب أي مشاركة لتركيا في منطقة آمنة، وعرضت بدلاً من ذلك نزع سلاحها على طول الحدود (على الرغم من عدم تعريف نزع السلاح)، وإدخال قوات محلية مقبولة لتأمين المنطقة، وتقديم الولايات المتحدة الضمانات الأمنية. سعت الولايات المتحدة، من جانبها، بدورها إلى تقسيم الاختلاف. وعرضت خطة تعتمد على قيام القوات الفرنسية والبريطانية، المنتشرة الآن في البلاد لدعم العمليات القتالية الأمريكية، بمراقبة والإبلاغ عن وضع المنطقة الآمنة، في وقت تقوم فيه القوات الجوية للولايات المتحدة بدوريات وتمنع التحرك الجوي والبري للقوات المعادية، وستقوم القوات التركية بدوريات في المناطق الريفية.

من الواضح تماما أن أنقرة رفضت هذا الوضع، بحجة أنه لا يمكن أن تقبل بمنطقة آمنة لا تسيطر عليها تركيا، حيث لن يُتعامل مع الوحدات الكردية بشكل فعال في منطقة عمق 30 كم تمتد إلى الحدود مع العراق. أنقرة على استعداد لقبول منطقة فيها بصمة عسكرية صغيرة نسبياً، طالما أن وكلاءها من الأغلبية العرب المفضلين، لديهم سلطة الحكم، وهو الأنموذج الذي استخدمته تركيا في شمال حلب في المناطق التي تسيطر عليها بشكل غير مباشر، جزءل من عملية درع الفرات.

وقد واصلت الولايات المتحدة وتركيا إجراء المحادثات، وشكلوا مؤخرًا فريق عمل من المناطق الآمنة للإسراع في المفاوضات. كما سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إنشاء قناة منفصلة ومباشرة مع الرئيس ترامب للخروج من المأزق الدبلوماسي وتأمين الموافقة على الخطط المدعومة من تركيا في الشمال الشرقي. ومع ذلك، وللتباين الواسع بين الموقفين التفاوضيين، سيكون من الحكمة بالنسبة للولايات المتحدة أن تخطط للفشل الدبلوماسي، وأن تستبعد السيناريوهات المحتملة التي قد تواجهها قولا "قسد" قريباً.

**

وعلى النقيض من الولايات المتحدة، تمتلك أنقرة قناة دبلوماسية وعسكرية مباشرة وقوية مع روسيا في سوريا. وقد سعت الحكومة التركية إلى استخدام موسكو لتعزيز مصالحها الخاصة، والتي حصرتها أنقرة حول قضيتين أساسيتين: 1) منع الملاذ الآمن لوحدات حماية الشعب الكردية. و2) عودة اللاجئين السوريين في تركيا إلى المناطق التي تسيطر عليها أنقرة في شمال سوريا. في شمال شرق سوريا، تفضل تركيا التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، طالما أن الشروط -أكثر أو أقل- تتماشى مع الطلب التركي لإدارة وحراسة كامل المنطقة الآمنة. ومع ذلك، ولأن لدى أنقرة مثل هذه المصالح الضيقة الآن في سوريا، فإن تركيا ستكون مستعدة لتحمل عودة قوات النظام إلى عتبة أي منطقة آمنة.

وهذا يتناقض مع موقف الولايات المتحدة، التي تقول إن النظام / روسيا يجب ألا يتحركوا نحو شرق نهر الفرات. وبالنسبة لأنقرة، فإن النظام الذي يتحرك عبر النهر لا يثير القلق إذا ما سيطر الجيش التركي على المنطقة الآمنة، ويمكن الاعتماد على روسيا لإبقاء النظام تحت المراقبة على طول الخط الأمامي للقوات.

ويشبه هذا الترتيب الوضع في مدينة الباب، وهي بلدة تسيطر عليها تركيا في شمال حلب، حيث يشترك النظام والمعارضة المدعومة من تركيا في حدود مستقرة نسبيًا جنوب المدينة. وليس من الواضح، كيف أن تعهد الولايات المتحدة بالدفاع عن المنطقة الآمنة بالطائرات الأمريكية من الروس يتناسب مع تعهد الرئيس ترامب بإزالة جميع القوات الأمريكية من البلاد، أو إذا وافقت أنقرة على شروط الولايات المتحدة، بما لا يخدم مصالح روسيا.

إذا فشلت المفاوضات بين الولايات المتحدة وتركيا، يمكن لتركيا أيضا محاولة العمل مع روسيا للتوصل إلى اتفاق على منطقة عازلة ضيقة، تماشيا مع شروط اتفاق أضنة، وهو بروتوكول وقعته تركيا مع النظام السوري في عام 1998 وتم تحديثه بعد ذلك في 2010: أنهى اتفاق أضنة دعم النظام السوري لحزب العمال الكردستاني وألزم دمشق بضمان عدم تمكين الجماعة من استخدام أراضيها لتنظيم أو تدريب المسلحين.

تحتفظ أنقرة، في ملحق منفصل، بحق استخدام القوة العسكرية لمسافة تصل إلى 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية. في هذا الوضع، يمكن للجيش التركي أن يحتل قطعة صغيرة من الأرض، والتي ستضم عددا من المدن ذات الأغلبية الكردية التي تسيطر عليها، حاليَا، وحدات حماية الشعب الكردية.

ثم يقوم النظام السوري بإعادة ملء المناطق التي تخليها الولايات المتحدة، لتتصادم مباشرة مع الأكراد السوريين. في خضم هذه الفوضى، يمكن لتركيا أن تحاول الاستفادة من صدامات قوات النظام، والانتقال إلى مدينة منبج، التي لطالما رغبت أنقرة في السيطرة عليها بسبب موقعها وأهميتها السياسية (تفاوضت الولايات المتحدة وتركيا حول وضع هذه المدينة منذ 2015)، ولكن مُنعت من الدخول بسبب الوجود العسكري الأمريكي.

كما يمكن لقوات "قسد" التوصل إلى اتفاق منفصل مع دمشق، يستند إلى ضمانة روسية شاملة لمنع التوغل التركي. ولكي ينجح ذلك، قد يتعين على "قوات سوريا الديمقراطية" أن تحلَ نفسها ومن ثم تُدمج في القوات المسلحة السورية، أو، على أقل تقدير، إدراج قوات "قسد" في سلسلة القيادة العسكرية.

وهذا الاحتمال يعني أن موسكو تستخدم اتفاقية أضنة لأغراضها الخاصة، مجادلة بأن عودة قوات النظام ستضمن ألا يشكل حزب العمال الكردستاني / الوحدات الكردية تهديداً لتركيا. وهذا من شأنه تفادي التداخل التركي، لأن روسيا لن تعطي الإذن للقيام بعملية عبر الحدود.

وحتى الآن، صادقت روسيا على تدخلين تركيين هما "درع الفرات" و"فرع الزيتون"، لكنها وضعت خطوطاً حمراء واضحة على نطاق وحجم كل عملية. في حالة الأولى، وقفت روسيا ضد التوغل التركي في منبج، وفي حالة عفرين، أغلقت المجال الجوي لمدة خمسة أيام (إيقاف العمليات القتالية التركية) بعد سقوط طائرة روسية في إدلب.

وهكذا، يمكن لروسيا استخدام النفوذ لمنع تركيا إذا اتخذت القرار السياسي للقيام بذلك، ولكن هذا من شأنه أيضا أن يؤدي إلى تقويض العلاقات السياسية الروسية-التركية المزدهرة والإخفاق في الجهود الروسية لاستخدام أنقرة للمساعدة في تسهيل إنهاء الصراع. كما هي القاعدة في سوريا، لا توجد إجابات سهلة، وأي تحرك روسي تجاه أنقرة (والعكس بالعكس) سيكون له تكلفة سياسية من شأنها أن تؤثر في مناطق النزاع الأخرى.

**

مع اقتراب موعد أبريل، بدت الولايات المتحدة في سباق مع الوقت للتوصل إلى اتفاق مع تركيا وقوات سوريا الديمقراطية. بالإضافة إلى ذلك، سيصبح واضحًا قريبًا أن القوات الأمريكية المقاتلة ستغادر. من الصعب إخفاء قوافل عسكرية أمريكية كبيرة تسير باتجاه الشرق نحو الحدود السورية العراقية. واحتمال أن يتجاوز الانسحاب أي اتفاقية بوساطة أمريكية، يجب أن يُسرَع الجهود لتحديد المصالح الأمريكية بدقة. وسيكون للجيش الأمريكي مصلحة دائمة في الضغط على "تنظيم الدولة"، وهي مهمة تتطلب نوعًا من الاتصال مع "قوات سوريا الديمقراطية" لضمان استمرار عيون وآذان المحليين لتزويد قوة المهام الخاصة التي تتعقب مواقع قيادة "داعش".

بالإضافة إلى ذلك، في غياب اتفاق أوسع قد تفقد الولايات المتحدة حرية العمل في شمال شرق سوريا. ومن المؤكد أن روسيا والنظام سيحاولان تأكيد سيادتهما، وذلك باستخدام حظر الطيران أداة دبلوماسية للإشارة إلى أن دمشق تسيطر على كامل البلد.

ولهذا السبب، يتعين على الولايات المتحدة أن تنفتح على روسيا والانخراط في مناقشات حول عمليات مكافحة الإرهاب في المستقبل. قد يكون من المقبول محاولة التحايل الدبلوماسي على موسكو، لكن مع مغادرة الولايات المتحدة، وبشار الأسد في وضع جيد للحكم في المستقبل المنظور، فإن بعض أساليب التعايش (حتى لو كان ترتيبًا محصورا أو بروتوكولًا للضربات ذات القيمة العالية) ينبغي أن تُثار في محادثات ثنائية مباشرة، تبدأ النقاش حول مستقبل الأكراد السوريين وكيفية التوصل إلى إجماع مشترك حول كيفية المساعدة في إنهاء الحرب في سوريا.

عندما يصبح خروج الولايات المتحدة حقيقة، ستبدأ الأطراف المختلفة المؤثرة في الصراع السوري في اتخاذ خطوات لتعظيم مصالحهم الخاصة. كان إعلان الرئيس ترامب -قبل التشاور مع أي شخص في حكومته- لسحب القوات قد حرم الدبلوماسيين الأمريكيين من النفوذ اللازم لهذه المفاوضات المشحونة والصعبة. الانسحاب سوف يؤدي إلى تآكل الموقف الدبلوماسي الأمريكي.

يتمثل الإجراء الأكثر تعقلاً في التركيز على ما يمكن أن تحققه الولايات المتحدة قبل شهر أبريل، وألا تركز على الوصول إلى ترتيب شبه مستحيل يوازن بين مصالح اثنين من الأطراف المعادية، وهما قوات سوريا الديمقراطية وتركيا. الولايات المتحدة ببساطة ليس لديها وقت. على أقل تقدير، ينبغي أن تربط موسكو بهذه المحادثات وتتعامل مع المصالح الأساسية الأمريكية التي تتمحور حول أفضل السبل لاستهداف قيادة داعش المختبئة في الصحراء السورية.

ما يمكن تأكيده أن هذا ليس نتيجة مرضية للحرب الأمريكية في سوريا. وسوف يصبح من الواضح تماما أن وجود الولايات المتحدة في سوريا قد انتهى، بغض النظر عن وضع المفاوضات الجارية والمعقدة جدا.

** رابط المقال الأصلي: https://www.fpri.org/article/2019/02/planning-for-failure-the-u-s-withdrawal-from-syria/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر