آخر الأخبار

"جوزيف ناي": هل المدَ "الشعبوي" الأمريكي في تراجع؟

2019-2-11 | خدمة العصر

كتب جوزيف ناي، الباحث الإستراتيجي الأمريكي والأستاذ بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "هل انتهى القرن الأمريكي؟"، أن الدعم القوي للهجرة والعولمة في الولايات المتحدة لا يتناغم مع الرأي القائل بأن "الشعبوية" مشكلة. في الواقع، يبقى المصطلح غامضًا ولا يفسر سوى القليل جدًا، ولا سيَما الآن، عندما يبدو أن الدعم للقوى السياسية التي يحاول وصفها  (مصطلح الشعبوية) يتضاءل.

وقال الكاتب إن السياسات المختلة في بريطانيا، ورد فعل الانتخابات النصفية ضد الرئيس الأمريكي ترامب، تولدان أفكارا ثانية حول المد الشعبي الذي يجتاح ديمقراطيات العالم في السنوات الأخيرة. في الواقع، تأخرت الأفكار الثانية  وطال انتظارها.

"الشعبوية" مصطلح غامض يصدق على العديد من أنواع الأحزاب والحركات السياسية المختلفة، لكن القاسم المشترك هو الاستياء من النخب القوية. في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 شهدت الأحزاب السياسية الأمريكية الرئيسية ردود فعل شعبية تجاه العولمة والاتفاقيات التجارية، حتى إن بعض المراقبين قد عزوا انتخاب ترامب للرد الشعبوي على النظام الدولي الليبرالي في العقود السبعة الماضية. لكن هذا التحليل تبسيطي جدا. وأفرطوا في تحديد العوامل التي صنعت هذا الحدث، لكن السياسة الخارجية ليست العامل الرئيسي.

الشعبوية ليست جديدة، وهي أمريكية مثل فطيرة التفاح. بعض ردود الفعل الشعبي، على سبيل المثال، رئاسة أندرو جاكسون في ثلاثينيات القرن التاسع عشر أو العصر التقدمي في بداية القرن العشرين، أدت إلى إصلاحات تقوية الديمقراطية. وقد شدّد آخرون، مثل حزب مكافحة المهاجر وكذا المناهض للكاثوليكية في خمسينيات القرن التاسع عشر أو السيناتور جو ماكارثي والحاكم جورج والاس في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، على كره الأجانب والاستبعاد. وتشمل الموجة الأخيرة من الشعبوية الأمريكية كلا الأمرين.

جذور ردود الفعل الشعبوية اقتصادية وثقافية على السواء، وهي موضوع أبحاث مهمة في العلوم الاجتماعية. وقد وجدت "بيبا نوريس" من جامعة هارفارد، ورونالد إنجلهارت من جامعة ميشيغان، أن العوامل الثقافية التي عكست انتخابات عام 2016 كانت بالغة الأهمية. كان الناخبون الذين فقدوا وظائفهم بسبب المنافسة الأجنبية يميلون إلى دعم ترامب، ومثلهم جماعات مثل كبار السن البيض الذين فقدوا مكانتهم في الحروب الثقافية التي يعود تاريخها إلى السبعينيات من القرن الماضي، وكانت تتضمن قيمًا متغيرة تتعلق بالعرق والجنس والتفضيل الجنسي.

وقد أظهر آلان أبراموفيتش من جامعة إيموري أن الاستياء العرقي كان أقوى مؤشر منفرد لاختيار ترامب بين الناخبين الجمهوريين الأساسيين. لكن التفسيرات الاقتصادية والثقافية ليست حصرية. ربط ترامب هذه القضايا صراحة من خلال القول بأن المهاجرين غير الشرعيين كانوا يستولون على وظائف من المواطنين الأمريكيين. كانت رمزية بناء جدار على طول الحدود الجنوبية لأمريكا بمثابة شعار مفيد لتوحيد قاعدته الانتخابية حول هذه القضايا. لهذا السبب يجد صعوبة في التخلي عنها.

حتى لو لم تكن هناك عولمة اقتصادية أو نظام دولي ليبرالي، وحتى لو لم يكن هناك ركود كبير بعد عام 2008، لكانت التغيرات الثقافية والديمغرافية المحلية في الولايات المتحدة قد أوجدت درجة من النزعة الشعبية. شهدت أمريكا هذا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.

جاء 15 مليون مهاجر إلى الولايات المتحدة في العشرين سنة الأولى من هذا القرن، وأزعج العديد من الأمريكيي، خوفا من الاجتياح. في أوائل العشرينيات من القرن العشرين، عادت حركة "كو كلوكس كلان" (تؤمن بتفوق البيض) إلى الظهور ودفعت لإقرار قانون الأصول القومية لعام 1924، الداعي إلى "منع عرق الشمال من الغرق"، و"الحفاظ على أمريكا المبجلة القديمة والأكثر تجانسًا".

وبالمثل، فإن انتخاب دونالد ترامب في عام 2016 عكست (أكثر من كونها تسببت) الانشقاقات العرقية والإيديولوجية والثقافية العميقة التي كانت تتطور ردا على الحركات المدنية والتحررية للمرأة في الستينيات والسبعينيات. ومن المرجح أن تستمر الشعوبية في الولايات المتحدة، حيث يتم فقدان الوظائف في مجال "الروبوتات" كما في التجارة ، والتغيير الثقافي لا يزال يثير الانقسام.

والدرس المستفاد من النخب السياسية التي تدعم العولمة والاقتصاد المفتوح هو أنها ستضطر إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لقضايا عدم المساواة الاقتصادية، فضلاً عن المساعدة في التكيف مع أولئك الذين يعطلهم التغيير، سواء المحلي أو الأجنبي. وتتحسن المواقف تجاه الهجرة مع تحسن الاقتصاد، لكنها تظل قضية ثقافية عاطفية. في منتصف عام 2010، عندما بلغت آثار الركود الكبير ذروتها، وجد مسح أجرته مؤسسة بيو أن 39٪ من الأمريكيين البالغين يعتقدون أن المهاجرين كانوا يدعمون البلاد، و50٪ اعتبروهم عبئًا.

وبحلول عام 2015، قال 51٪ إن المهاجرين إنهم يدعمون البلاد، ورأى 41٪ أنهم عبء. والهجرة هي مصدر الميزة النسبية لأمريكا، لكن يتعين على القادة السياسيين أن يثبتوا أنهم يستطيعون إدارة الحدود الوطنية -المادية والثقافية على السواء- إذا أرادوا صد الهجمات الوطنية، لا سيَما في أوقات وأماكن الضغط الاقتصادي.

ومع ذلك، لا ينبغي للمرء أن يقرأ الكثير عن الاتجاهات طويلة الأجل في الرأي العام الأمريكي في الخطابة الساخنة لانتخابات عام 2016 أو استخدام ترامب اللامع لوسائل الإعلام الاجتماعية للتلاعب بجدول الأعمال الإخباري واستغلال الانقسام الثقافي. وفي الوقت الذي فاز فيه ترامب بالمجمع الانتخابي، خسر ثلاثة ملايين صوتا في التصويت الشعبي.

ووفقاً لاستطلاع أيلول 2016، فإن 65٪ من الأمريكيين يعتقدون أن العولمة هي في الغالب جيدة للولايات المتحدة، على الرغم من مخاوفهم بشأن الوظائف. وبينما تكون الاستطلاعات دائمًا عرضة للتبدل من خلال تغيير صياغة الأسئلة وترتيبها، فإن التسمية "الانعزالية" ليست وصفًا دقيقًا للمواقف الأمريكية الحاليَة.

منذ عام 1974، سأل مجلس شيكاغو للشؤون العالمية من الأميركيين سنويًا ما إذا كان على الولايات المتحدة أن يكون لها حضور نشط في الشؤون الدولية أم البقاء خارجها. في خلال تلك الفترة كان ما يقرب ثلث الجمهور من الانعزاليين على الدوام، في عودة قوية إلى تقاليد القرن التاسع عشر. وقد وصل هذا العدد إلى 41٪ في عام 2014، ولكن على عكس الأسطورة الشعبية، لم يكن عام 2016 نقطة عالية من العزلة في مرحلة ما بعد عام 1945.

وفي وقت الانتخابات، قال 64٪ من المستجوبين إنهم يفضلون المشاركة النشطة في الشؤون العالمية، وقد ارتفع هذا العدد إلى 70٪ في استطلاع عام 2018، وهو أعلى مستوى مسجل منذ عام 2002 (بسبب هجمات 9 / 11).

 

** رابط المقال الأصلي: https://www.project-syndicate.org/commentary/populist-wave-in-retreat-by-joseph-s--nye-2019-02


تم غلق التعليقات على هذا الخبر