تركيا وذهب فنزويلا: خدمة لإيران أم نشاط تجاري جديد لآل أردوغان؟

2019-2-10 | تركيا وذهب فنزويلا: خدمة لإيران أم نشاط تجاري جديد لآل أردوغان؟

بقلم: رامي القباطي / كاتب ومدون عربي

قامت فنزويلا بسبب وضعها الاقتصادي الصعب ومخافة من العقوبات الاقتصادية الغربية، ومن ضمنها تلك التي فرضتها أمريكا على القطاع النفطي، ببيع جزء من احتياطات بنكها المركزي من الذهب. 

‏احتياطي الذهب الفنزويلي يبلغ بحسب وكالة "رويترز" 132 طن (بعد أن كان يبلغ 150 طنا في يناير 2018)، موزعة بين البنك المركزي في البلاد والبنك المركزي البريطاني.

وقد رفض، مؤخرا، البنك المركزي البريطاني، من جهته، طلب فنزويلا إعادة ذهبها المقدر بـ14 طنا (بقيمه 1.56 مليار دولار) بدعوى عدم اعتراف بريطانيا بنظام الرئيس مادورو.

وقامت‏ شركة إماراتية (نور القابضة) بشراء 3 طنا من الذهب من أصل 29 طنا تعتزم فنزويلا بيعها للإمارات حتى نهاية فبراير الحالي مقابل أموال باليورو. وفي العام الماضي، قامت فنزويلا ببيع كميات من ذهب تقدر قيمتها بـ900 مليون دولار لتركيا.

وسلط موقع "بلومبرغ" الضوء على بيع فنزويلا الذهب لتركيا الذي بدأ بعد زيارة الرئيس الفنزويلي لتركيا في أكتوبر 2017، وظهور فجائي لشركة اسمها "ساردس" في يناير 2018 التي قامت في البدء بشراء ذهب من فنزويلا بقمية تعادل 41 مليون دولار، وصفها الموقع بأنها أكبر صفقه تجاريه بين البلدين منذ 50 عاما.

في الشهر التالي، قامت الشركة بشراء كمية من الذهب من فنزويلا تعادل 100 مليون دولار. ومع إرسال ترامب لمبعوث في نوفمبر الماضي حذر تركيا من هذه التصرفات، وكانت شركة "ساردس" قد نقلت كميات من الذهب تبلغ قيمتها 900 مليون دولار....الطريف في الأمر أن رأس مال الشركة يبلغ مليون دولار. 

موقع "بلومبرغ" رأى في هذه التصرفات إشارات أخرى تُظهر بُعد تركيا عن حلفائها التقليديين، أمريكا وأوروبا، واقترابها من أنظمة سلطوية، مثل الصين وروسيا وإيران، وخصوصا بعد الخذلان الأمريكي لأردوغان بشأن تسليم فتح الله جولن، المتهم الرئيس بتدبير محاوله انقلاب 2016، والتعامل مع المليشيات الكردية المسلحة.

 وظهر هذا جليا بعد قيام رئيس مجلس النواب الفنزويلي، جوايدو، بإعلان نفسه رئيسا بالوكالة، واعتراف دول أوربية عدة مع الولايات المتحدة به رئيسا، فيما اختارت تركيا الوقوف خلف مادورو شأنها شأن روسيا والصين. ولا يُعرف تماما سر مساندة أردوغان لمادورو، فالأمر لا يمكن اعتباره اقتصاديا كون الميزان التجاري بين البلدين ضئيل.

قد يكون السبب الاصطفاف مع المحور الروسي الصيني، كما قد موجها للتسويق الداخلي "ضد الهمجية الأمريكية"، فالعلاقات الأمريكية التركية انكمشت من علاقة جيدة في عدة محاور إلى محور اقتصادي تجاري، تلوح به أمريكا دوما للضغط على أنقره إذا ما فكرت في مهاجمة الأكراد. وآخر تهديد ترافق مع إعلان انسحاب أمريكا من سوريا الذي اشترطت فيه أمريكا ضمانات تركية بعدم التعرض للأكراد وإلا ستواجه عقوبات اقتصادية، بل إن شركة "ساردس" توقفت في نوفمبر الماضي عن شراء الذهب الفنزويلي بعد ضغوط أمريكية، إلا أن نظام أردوغان وجد طريقة أخرى. 

في ديسمبر الفائت، زار أردوغان كراكاس، وقدم أحمد اهلاتشي، رئيس أكبر مصفاة تركية لتنقية الذهب، للرئيس الفنزويلي. في يناير الماضي، زار نائب رئيس فنزويلا السابق وأحد المقربين من مادورو، طارق العسيمي، المصفاة التركية الواقعة في مدينة كوروم وسط البلاد. 

وفي هذا، أشارت وسائل الإعلام التركية إلى عزم فنزويلا معالجة ذهبها في هذه المصفاة. ويبدو أن ذلك لم يحدث لتخوف رئيس المصفاة من العقوبات الأمريكية التي قد تطال المصفاة. ورافق "اهلاتشي" وفد رسمي تركي كان في زيارة للعاصمة الأمريكية، واشنطن، والتقى الوفد بمسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية، وحذره من مغبة التعامل مع ما أسماه ذهب "العيسمي" الدموي. وبدلا عن ذلك، قام العيسمي بدراسة البدائل التقنيه التي يمكن جلبها إلى فنزويلا لغرض معالجة الذهب. 

وزار المسؤول، ذاته، في وزارة الخزانة الأمريكية أنقرة، ولم يكن الهدف مناقشه ذهب فنزويلا ولكن إيران. مسؤولان أمريكان أعربا لشبكة "بلومبيرغ" عن اعتقدهما بوجود رابط بين إيران وذهب فنزويلا، ولكن حسب التقرير لا يوجد دليل دامغ على ذلك بعدُ.

 عوائد مبيعات النفط الإيراني لتركيا تظل حبيسة -بسبب العقوبات الأمريكية على إيران- حسابات البنك المركزي التركي. وللتحايل على ذلك، يعود مجددا الأسلوب القديم الذي اعتمدته إيران دوما، وهو استخدام الذهب لإنجاز المعاملات التجارية. مسؤول تركي أدانته محكمة في مدينة نيويورك لتورطه في تسهيل هذا الأمر، ورفضت تركيا الإدانة بدعوى تلفيق الأدلة، وأنها غير ملزمة بإتباع العقوبات الأمريكية أحادية الجانب مع شريك تجاري هام مثل إيران.

البيانات المتوفرة الرسمية ورفض المسؤولين الأتراك التعليق على وجهة الذهب الفنزويلي حال وصوله إلى تركيا، دفعا للتحقق من الأمر، استنادا لما أوردته شبكة "بلومبيرغ". 

ويُذكر أن الإدارة التركية مردودها من عمليات بيع الذهب الفنزويلي ضئيل مقارنة بالحفاظ على علاقات  إستراتيجية جيدة مع أمريكا. وقد سبق لملفات "بنما" أن كشفت في سلسلة مقالات الغطاء عن العمل التجاري الخفي الذي تمارسه عائلة اردوغان، وخصوصا ابنه بلال وصهره وزير الاقتصاد، ومقربون من أردوغان، أمثال رئيس البرلمان ورئيس الوزراء الأسبق، بنعلي، من الاتجار بالنفط وغسيل الأموال.

فهل الاتجار بالذهب الفنزويلي خدمه لإيران أم نشاط مالي جديد لعائلة اردوغان؟ سيتضح هذا عندما تتوفر معلومات عن شركه "ساردس"، برأس مال لا يتجاوز مليون دولار، اشترت كميات من الذهب تقترب من مليار دولار!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر