لماذا الصراع الآن: إذا لم يكن النفط أو الديمقراطية، فما الذي يدفع الأمريكيين للإطاحة برئيس فنزويلا؟

2019-2-6 | خدمة العصر لماذا الصراع الآن: إذا لم يكن النفط أو الديمقراطية، فما الذي يدفع الأمريكيين للإطاحة برئيس فنزويلا؟

رأى الأستاذ اليخاندرو فيلاسكو، المؤرخ والمتخصص في السياسة الفنزويلية والأستاذ المشارك في التاريخ الأميركي اللاتينية في جامعة نيويورك، أن إدارة ترامب تريد إعادة ترسيخ نفوذ الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، لكن نهجها "مل شيء أو لا شيء" يقوض إمكانية التحول السلمي.

يجسد المثل الإفريقي القلق المتزايد بشأن المواجهة الجغرافية السياسية بين القوى العالمية حول فنزويلا: "عندما تتقاتل الأفيال، فالعشب هو الذي يعاني".

كما هو الحال في معظم الصراعات بالوكالة، فنزويلا هي غنيمة في جائزة أكبر. بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها تمثل فرصة للسيطرة على السياسات في المنطقة، وتهميش النفوذ الروسي، وضمان أن تكتفي الصين بالمقعد الخلفي. في المعركة بين الأفيال، الفنزويليون هم الذين سيخسرون.

لكنَ الفنزويليين خسروا الكثير. لقد عانوا لسنوات في ظل السقوط الحر للاقتصاد وحكومة في حالة من الفوضى. إن حجم الأزمة مذهل: معدل تضخم تجاوز 1 مليون في المائة، وانكماش اقتصادي تاريخي، وانخفاض في إنتاج النفط، وهجرة جماعية لأكثر من ثلاثة ملايين شخصا.

واليوم، يتمثل الخطر في أن المخاوف الجغرافية السياسية تهمل محنة الفنزويليين اليومية، وقد يزداد الوضع سوءاً. من خلال متابعة تغيير النظام فجأة، اعتمادا على نهج: "كل شيء أو لا شيء" ضد نيكولاس مادورو لمصلحة زعيم المعارضة، خوان غوايدو، حوَلت الولايات المتحدة أزمة إقليمية إلى صراع عالمي على السلطة. لماذا الآن؟

البعض يقول النفط. تقع البلاد على رأس أكبر احتياطي من النفط الخام في العالم، وهو أقرب إلى الولايات المتحدة من معظم الموردين الرئيسيين الآخرين. وقد تفاخر السناتور "ماركو روبيو" من فلوريدا وجون بولتون، مستشار الرئيس ترامب للأمن القومي، بأن رئاسة "غوايدو" ستعني تحقيق مكاسب كبيرة لشركات النفط الأمريكية.

ولكن حتى في ذروة التوترات عندما كان هوغو شافيز رئيساً لفنزويلا، لم تتوقف، قط، شحنات النفط إلى الولايات المتحدة. حتى الآن، تواصل شركات مثل Chevron وHalliburton العمل في البلاد. قبل إعلان العقوبات الأسبوع الماضي على شركة النفط المملوكة للدولة، Petróleos de Venezuela، أو PDVSA، تلقت فنزويلا ما يصل إلى 8 دولارات من كل 10 دولارات في مبيعات النفط من الولايات المتحدة. الحقيقة هي أن فنزويلا تعتمد على الولايات المتحدة أكثر من العكس.

ويدعي البعض أن الديمقراطية دفعت إدارة ترامب للتدخل. ولكن عندما سرق رئيس الهندوراس "خوان أورلاندو هيرنانديز" الانتخابات في عام 2017، عرضت الولايات المتحدة عليه الدعم الكامل. وعلى نحو مماثل، دعم وزير الخارجية، مايك بومبيو، بشكل ضمني رئيس غواتيمالا، جيمي موراليس، عندما ألغى لجنة مكافحة الفساد التي أمرت بها الأمم المتحدة، في خطوة اعتبرت على نطاق واسع معادية للديمقراطية.

وأي شخص يدعي تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان سيدين تعيين إليوت أبرامز مبعوثا خاصا لفنزويلا. وقد وُثَق تدخله في العمليات السرية ودعم فرق الموت في أمريكا الوسطى في الثمانينيات من القرن الماضي بشكل جيد.

إذا لم يكن النفط أو الديمقراطية، فما الذي يدفع المسؤولين الأمريكيين للإطاحة بالمدَ التشافيزي، وما هي التأثيرات الأكبر والعواقب على فنزويلا وأمريكا اللاتينية؟ بالنسبة للولايات المتحدة، فإن تغيير النظام في فنزويلا يعني استعادة القيادة على "الفناء الخلفي"، كما وصف وزير الخارجية السابق، جون كيري، أمريكا اللاتينية في عام 2013، بعد ما يقرب من 20 عامًا من التهميش.

أدى تشافيز اليمين الدستورية، لأول مرة، رئيسا للبلاد في 2 فبراير 1999. وقد انتخب، جزئياً، على وعد بعكس سياسات التقشف التي تقودها الولايات المتحدة، وسياسات التجارة الحرة والخصخصة التي جلبت عدم المساواة والفقر إلى الملايين في جميع أنحاء المنطقة. وبينما كان شافيز يسلط الضوء على معاناتهم، ساعد على صعود مجموعة جديدة من القادة الذين يرغبون، على المستوى الإقليمي، في ترسيخ قدر أكبر من الاستقلال السياسي عن الولايات المتحدة.

ومع فوز الحكومات اليسارية بالرئاسة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، استخدموا الارتفاع الحاد في أسعار السلع لتوزيع الثروة وخفض الفقر. كما شكلوا شراكات إستراتيجية لمواجهة نفوذ الولايات المتحدة في شؤون نصف الكرة الغربي، وفتح العلاقات والاستثمارات الكبرى مع الصين وروسيا المزدهرتين آنذاك. وعندما ساعدت البرازيل في إحباط اتفاقية "منطقة التجارة الحرة في الأمريكتين" في عام 2005، أثبتت أن عصر نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة قد انتهى. لقد فقدت واشنطن القدرة على وضع جدول الأعمال.

لكن المدَ تحول مرة أخرى. لقد أدى الفساد وسوء الإدارة والإنهاك من قبل الحكومات اليسارية إلى قيام حكومات أكثر انسجاما مع سياسات الولايات المتحدة التجارية والمصالح السياسية. في الأرجنتين والبرازيل وشيلي وكولومبيا وبيرو، يعكف القادة الجدد على عكس سياسات المد والجزر التي تفكك المنطقة بعيداً عن نفوذ الولايات المتحدة وباتجاه الأسواق والتحالفات الأخرى.

لم تكن واشنطن تعمل على هندسة هذا التحول، لكنها تقف على أهبة الاستعداد لأخذ زمام الأمور. وقد ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، في الأسبوع الماضي، أن مسؤولي إدارة ترامب سعوا منذ فترة طويلة لاستهداف كوبا ووقف التقدم الصيني والروسي في المنطقة. وتغيير النظام في فنزويلا سيحقق كلا الأمرين. ففي فنزويلا، كان النفوذ الصيني والروسي في أمريكا اللاتينية أقوى، لتصل إليه المليارات من النقد أو الائتمان أو المبيعات، خاصة الأسلحة والتكنولوجيا. واعتمدت كوبا على النفط والخدمات الفنزويلية لتخفيض العقوبات من جانب إدارة ترامب. وكان هناك نصر رمزي كان في فنزويلا، حيث بدأ التحول الإقليمي بعيداً عن نفوذ الولايات المتحدة قبل عقدين من الزمن.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الوقت هو جوهر المسألة. إذ إن توطيد النفوذ (الأمريكي) والسيطرة على أمريكا اللاتينية يعتمد على تغيير النظام في فنزويلا، ولكن بسرعة. كل يوم يحافظ فيه مادورو على السلطة يعطي روسيا والصين المزيد من النفوذ للتأثير في الوضع، بما لا يبعدهما كلية من فنزويلا أو المنطقة، ولا تفقد ما استثمرته أيضا، ويتيح لهما فرصا مستقبلية.

لكن مثل هذه النتيجة من شأنها أن تقوض القوة التي تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ترسيخها، دافعة بدلاً من ذلك إلى إستراتيجية تستلزم أن الفائز يأخذ كل شيء، وتتطلب التصعيد السريع، بغض النظر عن التكاليف. وفي هذا، يرى الكاتب أن إستراتيجية الفوز بالأغلبية تقوض آفاق الانتقال السلمي في فنزويلا.

هناك بدائل. ظهرت نداءات للتفاوض من أجل انتخابات حرة ونزيهة من أمريكا اللاتينية وأوروبا. في الماضي، استخدم مادورو المفاوضات للمماطلة والتشبث بالسلطة، لكن المشهد قد تغير الآن.

ومع اهتمام العالم بفنزويلا، لن يجد مادورو وداعموه في الداخل والخارج أي مجال للمراوغة. ستسمح الانتخابات الجديدة للفنزويليين بتحديد مستقبلهم بشروطهم الخاصة، مما يمهد الطريق ليس لرئاسة مشروعة على المدى القصير، وفقط، ولكن أيضا لانتقال أكثر استقرارًا على المدى الطويل. وخلاف هذا، فإن الشعب هو الذي سيعاني..

** رابط المقال الأصلي: https://www.nytimes.com/2019/02/05/opinion/venezuela-guaido-trump-united-states.html


تم غلق التعليقات على هذا الخبر