آخر الأخبار

"بوليتيكو": بولتون يعيش حلمه داخل غرفة القرار

2019-2-4 | خدمة العصر

قد صُوِّر مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب، جون بولتون، على أنه مخلوق خطير على المسرح العالمي. ولكن الآن، يجد نفسه في مهمة غير اعتيادية: شخص بالغ في غرفة القرار، كما كتبت "إليز لابوت" في صحيفة "بوليتيكو" السياسية الأمريكية.

في منتصف شهر يناير، تلقى جون بولتون، مستشار الأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، مكالمة من رئيسه. "هل رأيت التغريدة؟"، سأل الرئيس بولتون.

وقبل ذلك ببضع دقائق، هدد ترامب بشكل غير مباشر بـبتدمير تركيا اقتصادياً" إذا تحدى تحذيراته بعدم مهاجمة المقاتلين الأكراد في سوريا المتحالفين مع الولايات المتحدة. رأى بولتون التغريدة قبل إجراء المكالمة، رغم أنه لم يكن يعلم أنها قادمة. ما هو اعتيادي، أن أي تهديد من رئيس أمريكي لحلف في الناتو من قبل رئيس أمريكي، من شأنه أن يزعج أيَا من كبار مساعدي البيت الأبيض، لكن بالنسبة لبولتون، كان ذلك يعني دفاعا. وقد عاد لتوه من رحلة مضطربة إلى تركيا، والتي اتهم في خلالها بخسارة التعاون التركي ضد "داعش" وتقويض خطط ترامب لانسحاب القوات من سوريا. وبعض خبراء السياسة الخارجية كانوا يتهامسون حول أمر مستشار الأمن القومي الثالث لترامب، فربما قد لا يصل حتى إلى عام واحد من فترة ولايته، وهي لعبة مألوفة في واشنطن في عهد ترامب.

ولكن خلال الأشهر التسعة التي أمضاها في منصبه، تعلم بولتون أن يتوقع ما هو غير متوقع من الرئيس ترامب. قبل بضعة أسابيع فقط، في منتصف ديسمبر، صدم الرئيس فريقه للأمن القومي -ودفع باستقالة وزير دفاعه ماتيس- بدعوته المفاجئة إلى الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من سوريا.

كان هذا الإعلان بمثابة ضربة لبولتون، الذي سبق له أن وضع إستراتيجية بشأن سوريا تُبقي على القوات الأمريكية في البلاد إلى أجل غير مسمى، كما لو أنها حصن ضد إيران. بعد وقت قصير من مفاجأة ترامب، توجه بولتون إلى إسرائيل وتركيا في جولة مسح. رسالته: لن يغادر جنود الولايات المتحدة البالغ عددهم 2000 جنديا إلا بعد تلبية الشروط الأساسية، بما في ذلك هزيمة كاملة لـ"تنظيم الدولة".

 

وفجأة، تبنى الرجل الذي كان ينظر إليه من قبل نخب السياسة الخارجية في واشنطن على أنه محفز خطير لاندفاع الرئيس الأسوأ، هوية جديدة مدهشة: الشخص البالغ في الغرفة. إنها مهمة غير مألوفة لبولتون، الذي صنع اسمه في واشنطن على أنه صقر متجول معروف بسيادته بازدرائه للقوانين الدولية ودعواته للقيام بعمل عسكري في أماكن مثل إيران وكوريا الشمالية.

بعد بضعة أيام من عودته، وتغريدة ترامب المهددة، التقت الكاتبة بولتون في مكتبه في الجناح الغربي من البيت الأبيض. كثير مما تحدثوا به بصراحة غير قابل للتسجيل، لكنه أعطى انطباعا بالارتياح في عمله، غير مكترث بالنقد ومتكيف مع التحديات والحدود التي ينطوي عليها العمل في فريق ترامب في وظيفة أحلامه.

يتهم الإعلام بولتون بأنه يعمل لتحقيق أغراض متعارضة مع رغبات الرئيس، وخاصة في مسألة الانسحاب من سوريا. وتعجب بولتون من فكرة أنه يمكن أن يكون غبيا إلى الحد الذي يقوض فيه سياسة ترامب في سوريا. قال لي: "أنا مستشار الأمن القومي...أنا لست صانع القرار الوطني. ويمنحني امتياز الوجود هنا، المجال لتقديم النصيحة للرئيس، كما هو الحال مع مستشارين كبار آخرين، ولإخباره بما نوصي به. لكن، في النهاية، هو الشخص الذي يتخذ القرار.

بالنسبة إلى منتقديه –ونقاده كثر في واشنطن- فإن بولتون عامل تمكين. كان سلفه، الجنرال ماكماستر، رجل المؤسسة، حاول دون جدوى احتواء الرئيس ودوافعه لتقويض النظام العالمي الغربي. ولكن بولتون، غالبًا ما يكون أحد المشجعين، ويستفيد أحيانًا من غرائز ترامب التحطيمية.

الرئيس ترامب، على سبيل المثال، اشتكى لمدة 18 شهرا بعد توليه منصبه من الاتفاق النووي الإيراني. مكماستر، المدعوم من قبل مسؤولين آخرين قد غادروا، مثل وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون ووزير الدفاع السابق جيمس ماتيس -وأطلق عليها اسم "محور الكبار" من قبل منتقدي ترامب في السياسة الخارجية- تمكنوا من ثنيه عن مغادرة الاتفاق مع إيران في عهد أوباما. بعد شهر واحد، فقط، من استبدال بولتون لـ"ماكماستر"، قام ترامب بالانسحاب، من جانب واحد، من الصفقة، مما أثار قلق أقرب حلفاء أميركا الأوروبيين.

لقد كان واضحا أن إصرارها على النظام الإيراني هو أحد الإنجازات التي تحققت في حياة بولتون المهنية، والذي احتفى به في صورة معلقة على حائط مكتبه. وهي هدية من إيفانكا ترامب، عبارة عن رسم كاريكاتوري في صحيفة "وول ستريت جورنال" نُشر بعد فترة وجيزة من خروج ترامب من الصفقة النووية. ويظهر ترامب، مع وجود بولتون خلفه مباشرة، على رقعة شطرنج ضد الرئيس الإيراني حسن روحاني والمرشد خامنئي.

وبعد 30 عاما من النشاط السياسي، أصبحت أحادية بولتون الشرسة، التي طالما نُظر إليها من نخب السياسة الخارجية في واشنطن من كلا الحزبين، على أنها خطرة، هي القلب النابض، اليوم، للسياسة الخارجية الأمريكية في ظل ترامب.

وقال ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي لجورج بوش وزميل سابق لبولتون: "إنه يستمتع بكونه مدافعًا عن الأشياء التي يعتقد أنه يضعها في خدمة هذا الرئيس". وهذا ما يقلق منتقدي بولتون. وقال بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي للرئيس باراك أوباما: "تحدث أمور كثيرة دون تدخل الرئيس، ويجلس مستشار الأمن القومي على رأس كل تلك السياسة". ويضيف: "بولتون شخص له نظرة أيديولوجية لا تصدق، ربما أكثر من أي مستشار للأمن القومي أتذكره. القلق الذي أواجهه هو أنه يستخدم فوضى هذه الإدارة والرئيس الذي لا يمانع في دفع جدول أعماله الأيديولوجي من خلال إدارة أعماله على الوكالات. القضايا الأصغر قد لا تكون مهمة، ولكن في قضية مثل إيران، هناك احتمال أن يتصاعد الموقف بسرعة كبيرة".

لكن الانفعال المستمر بشأن سياسة ترامب في سوريا هو تذكير بأن بولتون ليس متناغما تماما مع الرئيس. في كثير من الأحيان، يقوم بولتون بتوجيه حكم على أساس ما يعتقد أنه الاتجاه الذي يريد ترامب الذهاب إليه، ويطلب المغفرة بدلاً من الإذن.

يقول ديفيد روثكوبف، المسؤول السابق في إدارة كلينتون: "قد يعتقد بولتون أنه مكيافيلي يسحب أوتار السلطة، لكن على جون بولتون أن يعرف أن ترامب يمكنه إجراء مكالمة أخرى مع أردوغان، وينتهي الأمر على هذا".

إحدى العلامات التي تشير إلى أن بولتون يستعد للعودة إلى المعركة الانتخابية هو مقدار السفر غير المعتاد الذي يقوم به. في الرحلات الأخيرة إلى أماكن مثل روسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، بدا في بعض الأحيان أكثر دبلوماسية من مستشار البيت الأبيض.

في رحلة الكاتبة، في أواخر ديسمبر، مع بولتون إلى إسرائيل وتركيا، سافروا في الطائرة الحكومية 757 التي استخدمها نائب الرئيس. لأول مرة في فترة ولايته، اصطحب معه بولتون مجموعة من المراسلين معه. كان ذلك مفاجئاً: فهو معروف بازدرائه لمراسلي واشنطن الذين يغطون عمله من خلال عدسة سياسية. لكن على متن طائرته، كان بولتون هادئاً وصريحاً مع الصحافيين السبعة الذين كانوا على متنه، بما في ذلك صديقه القديم، الكاتب المحافظ هيو هيويت.

في واشنطن، يستيقظ بولتون في الساعة 3:30 كل صباح، ويبدأ عمله في المكتب حوالي الساعة السادسة صباحاً، ويحضر جلسة الإحاطة الإعلامية اليومية للرئيس، وغالباً ما يعمل لمدة 12 إلى 15 ساعة. ويقول مساعدوه إنه لم يأخذ إجازة في الأشهر التسعة منذ انضمامه إلى البيت الأبيض.

"الرجل يعمل دائما. دائما"، قال صديقه "هيويت"، مضيفا: "إن قدرته على العمل المركّز تشبه قدرته على الحصول على المعلومات: ويبدو أنها بلا حدود". قد يعمل بجد، ولكنَ منتقديه يقولون إن أسلوبه في عمله هو كسر خطير للتقاليد، ويتهمونه بتقويض عملية صنع السياسة التقليدية التي تلتقي فيها جميع الوكالات لمناقشة الخيارات المتاحة أمام الرئيس.

وقد اشتكى العديد من المسؤولين من أن اجتماعات "المسؤولين" لمسؤولي مجلس الوزراء واجتماعات "النواب" في البيت الأبيض، التي كانت تحدث بشكل منتظم، هي الآن نادرة. ويجادل مسؤولو البيت الأبيض بأن بولتون حاول أن يقطع الرتابة البيروقراطية التي أنتجتها الاجتماعات اللانهائية وجعل عملية صنع القرار أكثر "فاعلية"، وهو طلب يقولون إنه جاء من ماتيس ومن وزير الخارجية مايك بومبيو.

لكن المسؤولين في الإدارة الأمريكية يقولون إن الانخفاض في "اجتماعات كل الأيدي" لتوضيح القضايا الرئيسية، مثل كيفية التعامل مع لقاءات الرئيس ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد ترك الوكالات في الظلام بشأن القرارات النهائية، وأدى إلى الارتباك.

ما لا يقوله منتقدوه هو أن بولتون لا يعرف كيف تسير أذرع السلطة. تواجه كل إدارة شكاوى حول اتخاذ قرارات مركزية جدا في مجلس الأمن القومي. لكن معرفة بولتون بالبيروقراطية الحكومية، إلى جانب الرئيس الذي لا يبدي اهتماما كبيرا بالنقاط الأكثر أهمية في صنع القرار السياسي، مكنه هذا وذاك من توحيد السلطة إلى مستوى غير مسبوق.

وقال بولتون: "لا توجد طريقة صحيحة واحدة" لتقديم المشورة للرئيس. هناك الكثير من الطرق المختلفة. يعتمد هذا على شخصية الرئيس. لدى الرؤساء المختلفين طرق مختلفة للقيام بالأمور. وإذا كنت تصر على صيغة معينة بالطريقة الصحيحة الوحيد، فإن هذا مدعاة لتهميشك".

اعتمد "ماكماستر" سياسة أكثر تقليدية، وهي عملية بطيئة الحركة يقوم فيها خبراء الموضوع من الدرجة الدنيا بتقديم أوراق ومذكرات قرارات وتوصيات لرؤسائهم لترشح للرئيس. لكن العديد من المسؤولين في إدارة ترامب، بما في ذلك بولتون، اعتبروها غير فعالة ومصممة لتقييد الرئيس. والآن، يقول بولتون، إنه وبضعة أعضاء آخرين في مجلس الوزراء غالباً ما يلتقون مع ترامب في المكتب البيضاوي، إذ "إن هناك تبادلاً حراً للأفكار".

ومع ذلك، فإن هذه النسخة المركزية من صنع السياسة في البيت الأبيض تخيف العديد من المتخصصين في السياسة الخارجية الذين يعتبرون ترامب جاهلا بشكل خطير ومتهور، ويخشون من أن يؤدي المزيد من تقليص عملية الأمن القومي المتداولة إلى اتخاذ قرارات رهيبة، وفي أسوأ الحالات، يفضي إلة نزاع عسكري غير مرغوب فيه مع خصم مثل إيران أو كوريا الشمالية.

نقل أحد كبار المسؤولين الإداريين الذين تعاملوا مع سياسة سوريا، أن فكرة إنشاء "مطبخ لمجلس وزراء" يضم مستشارين رئاسيين محددين لا تنجح إلا إذا أعطيت أولئك المكلفين بتنفيذ السياسة تعليمات واضحة، وهو أمر قال المسؤول إنه لم يحدث. وحتى عندما يتم تسليم التعليمات، أضاف المسؤول، فإن ترامب غالباً ما يناقضها.

ويشتهر بولتون بقيامه بتعبئة الإدارة لمصلحة حلفائه، وتهميش أو ترويض منتقديه، الذين يصر على أنهم غير منسجمين مع الرئيس. وهو لا يعتذر عن سمعته في سعيه لتحقيق أهداف سياسته. وحتى الدبلوماسيين والمسؤولين الأمريكيين الذين لا يوافقون بشدة على آراء بولتون لا يقللون من فعاليته.

***

في علاقة عدائية متبادلة مع وسائل الإعلام، لدى بولتون الكثير من القواسم المشتركة مع رئيسه. وفي هذا، قال هادلي: "كل رئيس يحتاج إلى فريق وعملية تتوافق مع قيادة الرئيس وأسلوبه في اتخاذ القرارات". مستدركا: "وبالنسبة لأسلوب الرئيس الفريد هذا، فإن جون، مستشارا للأمن، القومي ربما يكون مناسبًا تمامًا لهذا الرئيس". كما يشترك بولتون وترامب في وجهات النظر العالمية المتداخلة بشكل كبير. كلاهما لديه شكوك فطرية تجاه المؤسسات متعددة الأطراف، وريان فيها آليات لتثبيت الهيمنة الأمريكية، وقد رخص ترامب لبولتون مهاجمة المعاهدات والمنظمات الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية.

لقد وجد بولتون، وهو محارب قديم من أيام الحرب الباردة، وسيلة لمطابقة شكوكه العميقة تجاه الكرملين مع شكوك رئيسه في الدبلوماسية التقليدية. لقد كان سعيدًا جدا بالسفر جواً إلى موسكو ليخبر بوتين شخصياً أن ترامب سوف ينسحب من معاهدة القوات النووية متوسطة المدى، وهي اتفاقية أسلحة لعام 1987 تحظر جميع الصواريخ الباليستية والقذائف التي تطلق من الأرض مع مدى يتراوح بين 3000 إلى 3500 ميلا. وأعلن بومبيو رسمياً انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة يوم الجمعة، مستشهداً بالمخالفات الروسية، وهي خطوة اتخذتها مؤسسة السياسة الخارجية مع التنبيه.

يتحدث بولتون وبومبو بعضهم إلى بعض كثيرا، ويشتركان في وجهات نظر متشددة، ولا سيَما بشأن إيران. لكن يُقال إنهم يحمون، بقدر متساو، علاقاتهم مع الرئيس. لا يبعد مكتبه إلا قليلا عن المكتب البيضاوي، يتمتع بولتون بكثير من الوقت مع ترامب. ويقول مسؤولو وزارة الخارجية إن بومبيو نادراً ما يأخذ مساعديه إلى اجتماعاته في البيت الأبيض، معتزا بوقته الخاص مع رئيسه. وبينما يرى بومبيو، أن مستقبله السياسي مرتبط بترامب، فإن بولتون مهتم أكثر باستخدام الوظيفة لتشكيل العالم وفقا لرؤيته.

** لقراءة المقال كاملا: https://www.politico.com/magazine/story/2019/02/04/john-bolton-living-his-dream-224546


تم غلق التعليقات على هذا الخبر