هل تمنح طالبان لأمريكا ما تريده: هزيمة دون إذلال؟

2019-2-2 | خدمة العصر هل تمنح طالبان لأمريكا ما تريده: هزيمة دون إذلال؟

أعلن المبعوث الأمريكي الخاص للمصالحة في أفغانستان، زلماي خليل زاد، يوم الاثنين الماضي، أنه بعد ستة أيام من المفاوضات، أنجز تقدما في اتفاق سلام مع طالبان، وهو أمر استعصى على الدبلوماسيين الأمريكيين لأكثر من عقد من الزمان. إذ تعهدت طالبان بعدم السماح لأي منظمة بتنفيذ هجوم مسلح دولي من أراضي أفغانستان، مقابل انسحاب كامل للقوات الأجنبية من البلاد.

وقد أثارت هذه الأخبار دهشة الدبلوماسيين الأمريكيين الذين حاولوا وفشلوا في التفاوض مع طالبان في الماضي. وفي هذا، نقلت مجلة "نيو يوركر" عن "دان فيلدمان، الذي عمل ممثلل خاصا لإدارة أوباما في أفغانستان وباكستان، قوله: "أعتقد أن هذه بداية عملية ذات مصداقية للمرة الأولى منذ عشر سنوات".

وتمثل هذه اللحظة، وفقا لتحليل المجلة، فرصة لترامب من أجل تحقيق إنجاز سياسي خارجي بارز من شأنه أن يستهوي قاعدته ويحقق شيئًا يستمتع به: التفوق على باراك أوباما وجورج بوش. كما إنه سيضع حداً للنزاع الذي أصبح مسلخاً للجنود والشرطة الأفغان.

لقد تضافرت مجموعة من العوامل -بعضها كان مآلا، وبعضها نتيجة لدعوات ترامب المتكررة لانسحاب أمريكي من الصراع، لإيجاد هذه الفرصة. وأوضح ريك أولسون، وهو دبلوماسي أمريكي متقاعد كان قد تفاوض مع طالبان في عهد إدارة أوباما: "إن الأشهر القليلة القادمة حاسمة".

ويقول الدبلوماسيون إن أضمن طريقة لاستفادة الرئيس من هذه الفرصة هي أن يتبنّى ما هو، بالنسبة إليه، نهجًا غير معهود: ضبط النفس. ربما يُحسب لترامب رغبته في المخاطرة، وفقا لتحليل مجلة "نيو يوركر"، وقد رفض، على ما يبدو، مخاوف إدارة بوش وأوباما من أن التخلي عن أفغانستان قد يدفع البلاد إلى أن تصبح مرة أخرى قاعدة للهجمات المسلحة على الولايات المتحدة. ولكن لكي تستمر محادثات السلام بنجاح، عليه أن يقاوم تغريدة المطلب باتفاق فوري أو أن يهدد علانية الانسحاب الأحادي للقوات الأمريكية.

ونقلت المجلة عن كل من فيلدمان وأولسون أن هناك فرصة حقيقية للسلام. وقال (الدبلوماسي الأمريكي) أولسون إن العامل الأساسي الذي تغير هو وضع الجيش الأمريكي. لم يعد الجنرالات الأميركيون يجادلون بأنهم بحاجة إلى مزيد من الوقت لممارسة الضغط العسكري على طالبان. وأوضح "أولسون" أن "هذا شيء لم يكونوا مستعدين فعله في عهد أوباما". وأضاف أن وزارة الدفاع قد حولت تركيزها إلى التهديدات الإستراتيجية التي تمثلها الصين وروسيا وغيرهما: "لقد انتقل العالم، ولهذا يفكر البنتاغون، الآن، في القوى العظمى المنافسة".

في الوقت الحاليَ، يتبنى القادة في المنطقة المحادثات. بعد سنوات من إحباط الجهود الأمريكية، قام الجيش الباكستاني مؤخرا، بناء على طلب من الولايات المتحدة، بإطلاق سراح الملا عبد الغني بارادار، أحد مؤسسي حركة طالبان، وسمح له بقيادة محادثات السلام مع الدبلوماسيين الأمريكيين في قطر. وفي الوقت نفسه، ترى إيران وروسيا والصين فرصة لتحقيق هدف طويل الأمد: إخراج القوات الأمريكية من الفناء الخلفي. كما إن طالبان، التي تحوز قوة عسكرية ولكنها لا تتمتع بشعبية في مدن أفغانستان، قد تراه فرصة كذلك.

ويحذر دبلوماسيون سابقون من أن الرسائل المربكة والمتناقضة من ترامب سوف تعرقل المحادثات. وقد قال مسؤولو البنتاغون هذا الأسبوع إنهم لم يتلقوا أي أوامر بسحب سبعة آلاف جندي من أفغانستان. وفي هذا، يقول "فيلدمان"، إن ترامب بإعلانه عن رغبته في سحب جميع القوات الأمريكية، يضعف أيدي المفاوضين الأمريكيين. إذ قد تخلص طالبان، في الواقع، إلى أنهم قد ينتظرون ببساطة انسحاب القوات الأمريكية ومن ثم السيطرة على البلاد.

**

وفي السياق ذاته، رأى الباحث "أناتول ليفن"، أستاذ في قسم دراسات الحرب في كينجز كوليدج بلندن وكبير زملاء مؤسسة أمريكا الجديدة، أن حركة طلبان مستعدة لمنح أمريكا ما تريد: الهزيمة دون إذلال. فالمصلحة المهمة الأولى للولايات المتحدة سهلة التحقيق: اتفاق طالبان بعدم استضافة الجهاديين الدوليين، وبذل أقصى ما في وسعهم لمنع استخدام أفغانستان مرة أخرى قاعدة لإطلاق عمليات ضد الغرب بشكل عام والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

وكتب أنه يمكن للمرء أن يكون واثقاً من أن طالبان لن توافق على ذلك فحسب، بل ستتابع أيضاً الاتفاق. الأمر ليس لأن مؤيدي طالبان ومحاوريها، في التصريحات العامة والمحادثات الخاصة، قد اعترفوا على نطاق عالمي تقريباً بأن استضافة القاعدة في الفترة التي سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان خطأ فادحًا كلفهم حكم أفغانستان، ليس هذا وفقط، ولكن أيضا لأن حركة طالبان تخوض الآن معركة مريرة مع مقاتلي "داعش" للسيطرة على أجزاء من أفغانستان. وكان موقف طالبان المعادي لـ"تنظيم الدولة" لدولة تنظيم "الدولة الإسلامية" (بالإضافة إلى الاستعداد الحذر للانهيار المحتمل للنظام المدعوم من قبل الولايات المتحدة في كابول) إلى قيام روسيا والصين بإجراء محادثات مع طالبان.

أخيراً، وبينما دعم الجيش الباكستاني حركة طالبان الأفغانية ضد النفوذ الهندي في أفغانستان، فإنه ليس من مصلحته، مطلقا، أن تتكرر أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أعقبها من كوارث على باكستان.

والمصلحة الحقيقية الثانية للولايات المتحدة في هذه العملية هو ما يسمى في واشنطن بـ"المصداقية"، التي تعرف بشكل أفضل باسمها الأقدم والأكثر صدقاً: "هيبة"، وفي هذه الحالة (أفغانستان)، تجنب هزيمة واضحة ومهينة من شأنها تقويض الاحترام لقوة الولايات المتحدة وتشجيع أعداء الولايات المتحدة في أماكن أخرى.

وينقل الباحث "أناتول ليفن" عن جنرال أمريكي قبل عقد من الزمان، أنه يستطع هو وزملاؤه أن يقولوا كيف سيكون شكل النصر في أفغانستان ، لكن بإمكانهم جميعاً أن يقولوا كيف ستبدو الهزيمة، ربما مثل سايغون في عام 1975. في حالة أفغانستان، فإن هذا على الأرجح لن يتخذ شكل النصر المطلق لحركة طالبان بل انهيار الدولة الأفغانية، يليه انتصار طالبان على مناطق واسعة وحرب أهلية عميقة ودائمة مع القوى العرقية الأخرى.

وبصرف النظر عن "الهيبة" والمكانة، هناك أيضًا مصلحة أمريكية ملموسة في منع مثل هذه النتيجة. مثل هذه الحرب الأهلية واسعة النطاق من شأنها أن تؤدي إلى زيادة تدفق اللاجئين الأفغان بشكل كبير إلى أوروبا. وانطلاقا مما حدث بسبب أزمة اللاجئين السوريين، فإن هذا يمكن أن يوجه ضربة قاضية للديمقراطية الليبرالية في أوروبا، وستسحق ردة الفعل القومية الأوروبية الناتجة عن ذلك صورة الديمقراطية الغربية في العالم، غير أن منعها يتطلب الاتفاق مع تركيا وإيران وتنازلات كبيرة لهما، مما يقوض موقع أميركا الجغرافي السياسي في المنطقة، وفقا لما أورده الكاتب في مقال نشره في مجلة "فورين بوليسي".

وبالتالي، فإن السؤال الرئيسي هو ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق مع طالبان بشأن السيطرة على الدولة الأفغانية، وإذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق، هل سيُتمسك به. والقضية الرئيسية هنا ليس الثقافة أو الأيديولوجية، ولكنها السلطة.

لدى أفغانستان بالفعل دستور إسلامي يمكن تعديله ليبدو أكثر إسلاميا. ولكن السلطة هي القضية المركزية، إذ إن طالبان ستطالب حتمًا إما بحكومة مركزية قوية سيكون لها فيها النصيب الأكبر أو حكومة محايدة (ربما بموجب دستور برلماني جديد) بقليل من السلطة الحقيقية.

ومهما يحدث، فإنهم سيطالبون بالسيطرة، بحكم الأمر الواقع (ولو أنه ليس بالضرورة صريحًا ورسمياً، على مناطق الدعم الأساسية في قندهار الكبرى، وبكتيا الكبرى، وقندوز، بما في ذلك السيطرة العسكرية الفعلية من جانب قوات طالبان المدمجة في الجيش الوطني الأفغاني والشرطة الوطنية الأفغانية.

وبالحكم على سجلهم في التسعينيات، فإن طالبان ستسمح لمعظم المعارضين العاديين في هذه المناطق بالعودة إلى الوطن بسلام. وسيتعين على القادة المتشددين المناهضين لطالبان المغادرة أو القتال. وبالتالي، فإن القضية هي ما إذا كان يمكن التوصل إلى اتفاق تقاسم السلطة بين النظام الأفغاني الحالية وطالبان، وإذا تم التوصل إليه، ما إذا كانت ستلتزم على الأقل بما يكفي لسحب الولايات المتحدة دون إذلال. وإذا انهارت صفقة كهذه بعد بضع سنوات، فإن ذلك سيكون أمراً مرعباً لأفغانستان، لكن الجمهور الأمريكي كان سينسى كل شيء عن أفغانستان بحلول ذلك الوقت، ولا شك أن المؤسسة الأمريكية ستجد شخصاً آخر يتحمل مسؤولية فشل الولايات المتحدة.

وهنا، يشعر الخبراء بالقلق من أنه من دون الدعم الأمريكي، ستواجه الحكومة الأفغانية صعوبة في منع طالبان من السيطرة على الأراضي الرئيسية. في تقرير جديد للكونجرس صدر في 31 يناير، أشار المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان إلى أن تأثير الحكومة الأفغانية في السكان انخفض في الربع الأخير. إذ اعتبارًا من 31 أكتوبر 2018، سيطرت حكومة كابول على 53.8٪ من إجمالي عدد المقاطعات، وهو ما يمثل انخفاضًا في سبع مقاطعات تسيطر عليها الحكومة مقارنة بالربع الأخير وثمانية محافظات منذ الفترة نفسها من عام 2017. ووفقًا للتقرير، فإن 12.3 بالمائة من المناطق الأفغانية هي الآن تحت سيطرة المتمردين أو النفوذ، و33.9 في المائة يتم التنافس عليها.

لذا، في الوقت الحالي، يبدو من المستحيل على كابول الموافقة على مثل هذه الشروط. وتستطيع واشنطن، قطعا، إجبارها بالتهديد بالانسحاب الأحادي، ولكنها بهذا قد استبعدت قدرتها على أي ضغط على طالبان. وهنا، يرى الباحث "أناتول ليفن" أن تقييد سلوك طالبان بعد انسحاب الولايات المتحدة ليس مهمة الولايات المتحدة في الواقع، بل مهمة الدول المجاورة لأفغانستان، باكستان وإيران والصين وروسيا والهند، وبالتالي يجب أن تُشرك مركزيًا في عملية السلام. ولكن العلاقات الأمريكية الحاليَة مع روسيا والصين لا تسمح بذلك، ولا توجد علاقات مباشرة مع الولايات المتحدة على الإطلاق. وهناك حاجة أيضا إلى مساعدة صينية للتأثير في باكستان لئلا تسعى إلى استخدام أفغانستان قاعدة للعمل الموجه ضد الهند.

هناك شيء واحد يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة للصين وروسيا وإيران مقابل مساعدتها، ويجب عليها التخلي عنه، على أي حال، لكونه جزءا من أي اتفاق مع طالبان: يجب التخلي عن أي فكرة عن وجود قواعد أمريكية طويلة الأمد في أفغانستان، والتي تخشى الصين وروسيا وإيران من استخدامها في تهديدها. هذا أمر لا بد لطالبان من المطالبة به، ويجب على الولايات المتحدة أن تجد أنه من السهل تقديمه. ولموقعها الجغرافي وعدم استقرار أفغانستان على المدى الطويل، سيكون من الحماقة من الناحية الإستراتيجية ترك القوات الأمريكية هناك بشكل دائم. وبغض النظر عن أي شيء آخر، فهي ليست تهديدًا حقيقيًا لإيران، بل على العكس، ربما تعتبر هدفا محتملا ممتازا للهجمات المدعومة من إيران.

وأما روسيا، فسوف ترغب وتتطلع إلى الحضور المؤثر في شؤون أفغانستان حال انسحاب القوات الأمريكية. ولاحظ مراقبون أنه في الآونة الأخيرة، تحاول موسكو استعادة نفوذها بهدوء، وتوطيد علاقات أوثق مع طالبان وباكستان، وهي لاعبة إقليمية رئيسية أخرى. ويقول الخبراء إن روسيا تنظر إلى المشاركة في الصراع الأفغاني كطريقة أخرى لتقويض الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على المسرح العالمي، وخاصة في المناطق التي ترى موسكو أنها جزء من دائرة نفوذها.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر