آخر الأخبار

عودة "داعش" ليس مرتبطا بالانسحاب (3/3): القوات الأمريكية ستغادر سوريا عاجلا وليس آجلا

2019-2-1 | خدمة العصر عودة

في الجزء الثالث والأخير من مقاله الطويل عن الانسحاب الأمريكي من سوريا، كتب الباحث والخبير في الشأن السوري، آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية أن قرار ترامب المفاجئ بسحب القوات الأمريكية في سوريا متوقعًا. وليس مفترضا أن يكون انسحاب القوات الأمريكية غير منظم، أو أن يُطلق عواقب جنونية للجهات المناوئة لملء الفراغ الأمني في شمال شرق سورية. وبدلاً من ذلك، وبينما كان القتال ضد "تنظيم الدولة" يتلاشى، بدا أن لدى الولايات المتحدة حافزا للبدء في استكشاف طرق للتفاوض على إنهاء النزاع بشروط كانت على استعداد لقبولها.

وللقيام بذلك، كان هذا يتطلب الإجابة بوضوح عن سؤال لم يُجب عنه بعد: ما هو الحل السياسي الذي ترغب الولايات المتحدة في قبوله في سوريا؟ أشارت إدارة ترامب مرارًا وتكرارًا إلى أن هدف السياسة الأمريكية ليس إسقاط النظام السوري. بعد توليه منصبه، أنهت إدارة ترامب برنامج التسلح السري لوكالة المخابرات المركزية، وقُطع تمويل وزارة الخارجية للمجالس المحلية في الشمال الغربي.

كان استياء الرَئيس مما يعتبره مضيعة للمال الأمريكي أمراً واضحاً جدا، وقد أكثر من القول إن على الدول الأخرى تحمل التكلفة المالية للعمليات القتالية في الولايات المتحدة. ومع ذلك، وضع طاقمه خطة تدعو إلى جهد أوسع بكثير في سوريا، يعتمد بشكل كامل على الالتزامات المفتوحة للوجود الأمريكي على الأرض.

كما إن الجهود الدبلوماسية الأمريكية في سوريا منفصلة عن تفاعلات الصراع الأوسع، وتقوم على افتراضات خاطئة حول مصالح الأطراف الخارجية الأخرى التي تقاتل على الأرض. ذهب الروسي إلى الحرب نيابة عن حليفه، بشار الأسد، وقاوم بثبات أي جهد لإخراجه من السلطة. واستخدمت موسكو القوة العسكرية لمصلحتها، وأطلقت محادثات سياسية، بالتعاون مع إيران وتركيا، لحل النزاع وفقا لشروط يمكن أن تقبلها. بالنسبة لتركيا، فإن الصراع السوري يدور الآن حول منع التمكين الكردي وإعادة توطين اللاجئين في الأراضي السورية التي تسيطر عليها الآن.

لقد أعاقت الولايات المتحدة هذه السياسة، وبالتالي دفعت بمقاومة شرسة من أنقرة، وخاصة عندما أعلن مستشارو الرئيس في سبتمبر 2018 أن الولايات المتحدة لن تنسحب. وردا على ذلك، هددت تركيا قوات الولايات المتحدة وعمَقت التعاون مع موسكو. والآن، تتشارك أنقرة وموسكو في مسار تفاوضي منفصل، مستقل عن الولايات المتحدة، إذا فشلت كل من واشنطن وأنقرة في التوصل إلى اتفاق.

وكان من الممكن أن تمنع سياسة أمريكية أكثر إحاطة ترتكز على تقييم واضح لمصالح الأطراف الأخرى المعنية وتوجيهات الرئيس، هذا الانسحاب العشوائي. والانسحاب سوف يؤدي حتما إلى التمكين الدبلوماسي لروسيا في سوريا. وبصفتها أقوى ممثل في البلاد، تتمتع موسكو الآن برفاهية العمل من خلال نظام دمشق لإملاء النتائج بما يتماشى مع مصالحها الخاصة. ولم يكن من الضروري أن تكون على هذا النحو.

في مارس 2018، أعلن الرئيس ترامب عن نيته الانسحاب وأعطى فريقه ستة أشهر للتوصل إلى خطة للخروج. كان من الممكن أن يسعى نهج مُحدَد يركز على الدبلوماسية إلى تعويض الكثير من المخاوف التي يعبّر عنها الكاتبان "زلين" و"ليفيت"، بما في ذلك: بعض مظاهر الضمانات الأمنية لللوكلاء أمريكا على الأرض، والحوار المباشر الرفيع المستوى للتفاوض على حل سياسي متفق عليه بين الطرفين. والحديث عن الوجود الإيراني.

بدلاً من ذلك، تقترح الولايات المتحدة وروسيا الآن، على تركيا، خطتين متناقضتين، يمكنها الاختيار بينهما، مع العلم أن القوات الأمريكية ستغادر سوريا عاجلاً وليس آجلاً. هذا وضع مرعب للولايات المتحدة، وقد حرم الدبلوماسيين الأمريكيين من النفوذ، حيث إنهم يسعون إلى تنفيذ انسحاب سريع.

بينما تتطلع الولايات المتحدة إلى تجاوز الحرب في سوريا، من الضروري تحدي الافتراضات الرئيسية التي خضعت للتحليل حول الصراع وخطر الإرهاب. وهذا يشمل نظرة حقيقية وفعالة للقدرة الأمريكية على هزيمة التمرد المحلي المنتشر في الدول الضعيفة، حيث الحكومة المركزية غير قادرة على السيطرة على أراضيها. ستبقى داعش في سوريا والعراق. وسوف تستمر في تنفيذ الهجمات. هذا أمر لا ينبغي أن يكون معيارًا لنجاح العمل العسكري الأمريكي، والعودة إلى هجمات داعش في المستقبل القريب ليس مرتبطا بالولايات المتحدة وفقط.

بدلاً من ذلك، فإن هجمات تنظيم "داعش" مستقبلا في العراق وسورية يجب أن تكون نداء للاستيقاظ حول قوة هذا التمرد، وكيف أن الحملات العسكرية الناجحة، مثل الحروب الأخيرة في العراق وسوريا، لم تعالج هذه المشكلة المزعجة، بشكل كافٍ.

يجب أيضا تحدي الرواية عن إيران. إن سياسة إيران الأكثر تماسكًا ستعترف بأن الوجود الأمريكي في أماكن مثل سوريا والعراق يفرض في الواقع حدودًا على إستراتيجية الضغط القصوى، من حيث أنه يعطي الميلشيات المرتبطة بإيران الفرصة للتصعيد في الوقت أو المكان الذي يختارونه.

لدى الولايات المتحدة الوسائل لمهاجمة إيران، لكنها أشارت إلى أنها لا تريد ذلك، لأن التكاليف السياسية كبيرة جدا والأعباء المالية للإطاحة بحكومة أخرى مرهقة للغاية. ويدرك القادة في إيران هذه الحقيقة جيدا، وبالتالي فهم قادرون على صياغة سياسة مع علمهم بأن هناك حدودا طبيعية للخيارات التصعيدية الأمريكية.

لدى الولايات المتحدة أدوات لمواجهة إيران، بما في ذلك الدبلوماسية، التي ستشجع على التعاون في مجالات المصالح المشتركة، والضغوط القهرية حيث يتنافس الجانبان. ومع ذلك، فإن هذا يتطلب التحدث إلى طهران، وتقديم التنازلات عند الحاجة في مقابل تغيير السياسة الإيرانية. وبدلاً من ذلك، يفرض الضغط الأقصى مطالب على إيران لا يمكن أن تلبيها، الأمر الذي يجعل من الأسهل تجاهل الولايات المتحدة.

الانسحاب من سوريا هو في النهاية تذكير بالحاجة إلى اتخاذ قرارات صعبة حول ما هو في الواقع مصلحة وطنية مهمة، وكيفية الوصول إلى تلك الأهداف من خلال القوة والتسوية. كان هناك طريق لإدارة وتدبير الانسحاب الأمريكي بما يرضي رغبات الرئيس، دون التضحية بالمكاسب الأمريكية في سوريا. وهذا لم يحدث. وبدلاً من ذلك، فإن الولايات المتحدة ستغادر، والخطط التي تُجمع الآن وتُعرض على الحكومات الأجنبية لا تحمل إلا نفوذا قليلا، وردًا أمريكيا غير منظم لرئيس متقلب. الحرب الأمريكية في سوريا أوشكت على النهاية.

وسيستمر جهد روسيا لإعادة بناء البلد وإنهاء الثورة ضد الأسد. ستبقى تركيا مركزة على التهديد الكردي واختيار الحلفاء بما يتماشى مع هذا الهدف السياسي المُحدد. "تنظيم الدولة" المهزوم إقليمياً، سوف يتبدد ويخطط للعودة. وبينما ننتظر جميعا عودة "داعش"، أو منظمة تابعة لها أو متفرعة عنها، فإن الدروس المستخلصة حول إمكانية ضعف القوة الأمريكية يجب أن تُعلمنا كيف نرد في المرة القادمة، وكيف نغادر بمجرد الانتهاء من مهمة عسكرية محددة.

** رابط المقال الأصلي: https://warontherocks.com/2019/01/americas-almost-withdrawal-from-syria/


تم غلق التعليقات على هذا الخبر