آخر الأخبار

تبقى واشنطن وطهران جهات معادية (2/3): منع التصعيد المتبادل.. لماذا تتوخى أمريكا الحذر وتقييد التحرك ضد إيران؟

2019-1-30 | خدمة العصر تبقى واشنطن وطهران جهات معادية (2/3): منع التصعيد المتبادل.. لماذا تتوخى أمريكا الحذر وتقييد التحرك ضد إيران؟

في الجزء الثاني من مقاله الطويل عن الانسحاب الأمريكي من سوريا، كتب الباحث والخبير في الشأن السوري، آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية، أن تركيز واشنطن، قصير النظر، على إيران قد قوض بشدة صياغة سياسة واضحة وقابلة للتطبيق في "الشرق الأوسط". وفي أعقاب إعلان الرئيس عن الانسحاب، كانت البيروقراطية الأمريكية تناقش "كيف" الرحيل.

بعد مناقشة الخيارات التي تتراوح بين تسليم السيطرة على المناطق في الشمال الشرقي إلى تركيا ووكلائها، والمغادرة تاركة "قوات سوريا الديمقراطية" تدافع عن نفسها، تحاول إدارة ترامب التوصل إلى اتفاق مع تركيا حول إنشاء منطقة عازلة بما يتماشى مع خمسة مبادئ. وتؤكد هذه المبادئ عالتزام الولايات المتحدة بفرض الحماية في خلال الانسحاب وتنسيق انسحاب القوات الأمريكية مع تركيا ومواصلة مواجهة إيران وتحقيق نوع من الترتيبات لحماية "قوات سوريا الديمقراطية" من الجيش التركي.

ولكن هذه الأهداف تتناقض مع بعضها البعض. إن القصد التركي هو استخدام التهديد باستخدام القوة العسكرية -وإذا اقتضى الأمر القيام بعمل عسكري مباشر- لدفع الأكراد السوريين بعيداً عن الحدود. في المقابل، يود السفير جيمس جيفري، الممثل الأمريكي الخاص لسوريا، إبقاء الجيش التركي خارج المناطق المأهولة، على أن تقوم القوات الفرنسية والبريطانية بدوريات في المناطق الحضرية، حيث تتولى الطائرات الأمريكية باستطلاع جوي لردع أي هجوم روسي أو سوري.

وقد اعترضت أنقرة على هذا الترتيب، قائلة إنه ينبغي عليها السيطرة على المنطقة العازلة نفسها، دون وجود قوات غربية. في المقابل، أشار الأكراد السوريون إلى أنهم سيقدمون تنازلات، طالما بقيت الولايات المتحدة، لكن من دون التزام أمريكي ثابت، فإن "قوات سوريا الديمقراطية" ستتوصل إلى اتفاق منفصل مع دمشق وموسكو.

تشير هذه الخلافات الحادة، ولا سيَما بين واشنطن وأنقرة، إلى أن الطرفين مستمران في التدافع للتوصل إلى اتفاق حول شمال شرق سوريا، على الرغم من الاتصالات المتكررة التي أجراها ترامب مع أردوغان وتمكين الرجال في البيروقراطية الأمريكية التي تتوق للوصول إلى اتفاق مع أردوغان.

ببساطة: الخطة الأمريكية الحالية تبدو غير قابلة للتنفيذ، وستفشل في الحصول على الدعم من القوة الشريكة لها، أي قوات سوريا الديمقراطية، أو من تركيا، التي ترغب في رؤية حدودها خالية من القوات الكردية المدعومة أمريكيا.

لا تزال الجهود الأمريكية متمسكة بتركيز شامل على إيران وسياسة إدارة ترامب في استخدام الأراضي السورية وتركيا والأكراد السوريين أدوات وظيفية في خدمة سياسة قسرية يطلق عليها "أقصى قدر من الضغط". والفكرة هي أنه إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على التوصل إلى اتفاق مع هذه الأطراف المتعاركة، فإن هذا سيحرم النظام -وبالتالي إيران- من الأرض، وأن هذه المناطق، بالإضافة إلى العقوبات والتهديدات، ستتشكل ضغطًا شديدًا على الأسد والحكومة الإيرانية.

هذا الضغط، في سوريا، لا يزال متمسكا بفكرة أن الولايات المتحدة تستطيع إجبار النظام على تقديم تنازلات ضد مصالحه، على الرغم مما أظهرته السنوات من أدلة تثبت العكس، وكذا الدعم الدبلوماسي المفتوح الذي قدمته روسيا وإيران للأسد. وممارسة أقصى قدر من الضغط على إيران مرتبط، على نطاق أوسع، بتغيير النظام واستخدام الضغط القهري لمحاولة إثارة الانشقاق الاقتصادي الداخلي، مما يؤدي إلى تغيير الحكومة.

قبل أن يأمر ترامب بالانسحاب الأمريكي، كان المطلب الأمريكي الرئيسي هو أن جميع القوات الإيرانية يجب أن تغادر سوريا. ولدعم هذه السياسة، مارس الحد الأقصى من الضغط بفرض عقوبات، والحفاظ على وجود أمريكي صغير في قاعدة نارية في شرق سوريا بالقرب من بلدة تنف لعرقلة الطريق البري من العراق إلى سوريا.

يجادل الكاتب والباحث "ليفيت" بأن انسحاب القوات الأمريكية من شأنه أن يُفشل تحقيق هذا النهج، معتبراً أن إيران ووكلاءها سيتشجعون، ويرون استخدامهم للإرهاب والتدخل العسكري الإقليمي مبررًا إذا تمكنت طهران من تأمين قاعدة عسكرية واستخبارية دائمة في سوريا.

توافق إدارة ترامب على ذلك، وترى أن وجودها في قاعدة "التنف" عامل حاسم في الجهد الأوسع لدفع إيران ومنع الربط البري بين طهران وبيروت. حجة الجسر البري هي، بصراحة تامة، سخيفة. لدى إيران خيارات أخرى لنقل الأسلحة إلى وكلائها. ومع ذلك، فإن الفكرة، الأوسع نطاقاً، القائلة بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى ممارسة الضغط على إيران، واسعة الانتشار، ولكنها تستند إلى مغالطة.

فإذا كان صحيحًا أن غياب قوات الولايات المتحدة سيشجع إيران، يجب أن يكون صحيحًا أيضًا أن الوجود الأمريكي في سوريا (والعراق، لهذا السبب) يردع العمل الإيراني. وهذا لا يصمد أمام الفحص والتدقيق. في الواقع، يبدو أن العكس هو الصحيح: الوجود الأمريكي يُكسب إيران نفوذاً على الولايات المتحدة ويمنح طهران أدوات للضغط على أمريكا.

وهكذا، ولضمان عدم قيام إيران بقتل الأميركيين، فإن الولايات المتحدة تمارس ضبط النفس في الواقع، وهذا خشية أن تخاطر بالتصعيد مع قوة إقليمية، ولا يدعم هذا سوى القليل من صناع القرار والسياسيين. ويشير التاريخ الحديث في العراق وسوريا إلى وجود علاقات ترابط وتقييد متبادل بين أمريكا وإيران.  وهذا التفاعل، بشكل غريب، يحدَ من التصعيد ويقوَض المدافعين عن استخدام أدوات أكثر قهرية للضغط على الحكومة الإيرانية.

وهكذا، فإن الوجود الأمريكي في سوريا والعراق يحدَ، عمليا، من أنواع الضغوط التي يدعو إليها "ليفيت" فيما يتعلق برعاية إيران للإرهاب، وشحنها للأسلحة إلى حلفائها في المنطقة وعمليات الاغتيال في أوروبا والولايات المتحدة.

تعمل الولايات المتحدة وإيران جنبا إلى جنب في العراق، حيث يتنافس كل منهم على كسب النفوذ والتأثير في الحكومة العراقية. في خلال الحرب البرية ضد "تنظيم الدولة"، عمل وكلاء مدعومون من إيران من القواعد نفسها التي كانت تستخدمها القوات الأمريكية. تبقى الولايات المتحدة وإيران جهات معادية، لكن التعايش في العراق والتركيز الضيق على "داعش"، أفضى، هذا وذاك، إلى أن كل طرف امتنع عن التصعيد ضد الآخر.

كانت لدى إيران أيضًا ميزة كونها قادرة على الاحتفاظ، في قائمة الاحتياط، بخيار استهداف الجنود الأمريكيين بشكل مباشر، وهو عمل كان يمكن أن يثير توجيهًا رئاسيًا مماثلاً للانسحاب، أو تحدى القوات الأمريكية بطرق تعزز المكانة الإيرانية في أوساط جمهورها الذي يثمَن الإثخان في الجيش الأمريكي.

وبالتالي، فإن أي تصعيد للولايات المتحدة مع إيران من شأنه أن يؤدي إلى رد مضاد للتصعيد، والعكس صحيح. بالنسبة للولايات المتحدة، عادةً ما كانت المخاطر السياسية المرتبطة بالإصابات في حرب الاختيار في سوريا والعراق سبباً في توخي الحذر وتقييد العمل العرضي ضد الأهداف غير المرتبطة بـ"تنظيم الدولة".

وينطبق الشيء نفسه على إيران، التي تظل مهتمة أكثر بتعميق النفوذ داخل جهاز الأمن العراقي دون مضايقات من القوات الأمريكية. إنه تفاهم متبادل بين الخيارات ويحدَ منها عندما يناقش صناع السياسة كيفية تنفيذ السياسة الغامضة المتمثلة في صدَ إيران.

وأخيرًا، فإن المنطق الذي يستند إليه منع الولايات المتحدة للجسر البري يمثل مشكلة أيضًا. ذلك أن القدرة النظرية لإيران على تزويد الشاحنات براً يمكن أن تفيد النظام. ومن الأرخص إرسال الأسلحة على الشاحنات بدلاً من إرسالها جوا إلى دمشق.

 ومع ذلك، فإن قاعدة "التنف" النارية كانت أيضًا منطقة يمكن أن تستهدفها إيران للضغط على الولايات المتحدة. على سبيل المثال، في يونيو 2017، حلقت طائرة إيرانية من دون طيار فوق موقع للقوات الخاصة الصغيرة وأطلقت صاروخًا على قاعدة صغيرة على حافة منطقة استبعادية بطول 55 كم تعهدت الولايات المتحدة بالدفاع عنها، وهي حقيقة تناقض فكرة أن الوجود الأمريكي يردع العمل الإيراني. ثم أسقطت القوات الجوية الأمريكية طائرة من دون طيار وأصدرت بيانا في محاولة لنزع فتيل التصعيد، قائلة إن الائتلاف لا يسعى إلى محاربة النظام السوري، أو القوات الروسية أو الموالية للنظام المدعومة من إيران، وأن قاعدتها النارية التنف "موقع مؤقت للتحالف.

وذكَرت القيادة العسكرية بقواعد الاشتباك، قائلة إنه يمكن للولايات المتحدة استخدام العنف بشكل قانوني فقط ضد "قوة معادية معلنة" رسميًا، وهي سلطة قانونية مأخوذة حاليًا من الإذن لاستخدام القوة العسكرية (AUMF) و/ أو السلطات الرئاسية، اعتمادًا على من طلب. أما الفاعلون الذين لم يعلنوا رسميا عن معاداتهم، فيجوز أن يكونوا متورطين في الدفاع عن النفس، وهو حق أصيل تحتفظ به قواعد الاشتباك الدائمة. يندرج الدفاع عن النفس ضد الجهات الفاعلة المحيطة هذه في "عمل معادٍ" أو دليل على "نية عدوانية".

ولهذا السبب، كان الجيش الأمريكي حريصًا دائمًا على وصف دوره (أو عدمه) في سياسة الضغط الأقصى المعلنة ذاتياً. في سوريا، أكد الجيش أنه كان يركز على "داعش". ولزيادة الضغط على إيران بشكل خطير، سيتعين تغيير القوانين التي تجيز استخدام العنف، الأمر الذي يتطلب إما التصويت في الكونغرس، أو توجيهًا رئاسيًا.

حتى ذلك الحين، تواجه القوات الأمريكية في العراق وسوريا قيودًا قانونية على التصعيد مع إيران، بغض النظر عن الوجود المادي للولايات المتحدة في البلاد. يمكن لإيران أن تستغل الوجود الأمريكي رافعة ضد الولايات المتحدة من خلال استخدام التكنولوجيا المتدنية ولكن عالية التأثير لمضايقة القوات البرية، وبالتالي استخدام الوجود الأمريكي في القواعد الضعيفة الصغيرة رافعة ضد خصم متفوق.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إعادة الإمداد المستمر عبر الفضاء الجوي للقوات الجوية تقوم أيضًا بدوريات تشير بوضوح إلى أن الوجود الأمريكي لا يمنع إيران من أي شيء، على العكس تماما، حقا. إن الوجود على الأرض هو نقطة ملاحة للطائرة الإيرانية التي تنقل الأسلحة إلى سوريا، وهو تذكير يومي بأن المجال الجوي لا يزال مكتظا بالعديد من القوات الجوية مع إعطاء الدعم للجهات الفاعلة المفضلة...(يتبع)


تم غلق التعليقات على هذا الخبر