صفقة جديدة عبر الأطلسي وقد لا تنجح: بقاء أمريكا في الناتو مقابل حرمان أوروبا الصين من التكنولوجيا المتقدمة

2019-1-25 | خدمة العصر صفقة جديدة عبر الأطلسي وقد لا تنجح: بقاء أمريكا في الناتو مقابل حرمان أوروبا الصين من التكنولوجيا المتقدمة

كتب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن والت، أنه لا يمكن لأوروبا أن تنقذ حلف الناتو إلا إذا وقفت مع واشنطن في صراعها المتنامي مع بكين.

نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أبلغ مساعديه مرارًا وتكرارًا أنه يود سحب الولايات المتحدة من الحلف. وقد أعلنت مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية، على الفور، الاستنفار عند ورود هذه الأنباء، حيث ثرح وكيل وزارة الدفاع السابق، ميشيل فلورنوي، أن مثل هذه الخطوة "ستدمر أكثر من 70 عاماً من العمل المضني عبر إدارات متعددة، الجمهورية والديمقراطية ، لإنشاء ربما أقوى تحالف وأكثره فائدة في التاريخ". وعلى الرغم من أن المنطق الأصلي للناتو تبخر عندما انهار الاتحاد السوفييتي، فإنه لا يزال أكثر الأبقار مقدسة داخل نخبة السياسة الأمريكية.

لكن ترامب ليس المشكلة الحقيقية، على الرغم من أن سلوكه المبتذل والعبثي والخاطئ وغير المبرر قد جعل الوضع الصعب في حالة أسوأ ومن دون فائدة واضحة. فقد بدأت المشكلة الحقيقية بمجرد انهيار الاتحاد السوفييتي، لأنه أزال الأساس المنطقي للالتزام الأمريكي العميق بالأمن الأوروبي.

لنتذكر أن تحالفًا مثل حلف الناتو ليس ناديًا ريفيًا يرغب أعضاؤه في الاجتماع معًا، وفقط، وتناول وجبات لذيذة في القمم السنوية، والحديث عن الشؤون العالمية. ولكنه في جوهره، يعد حلف الناتو التزامًا رسميًا بإرسال مواطني الدولة للقتال، وربما الموت للدفاع عن أعضاء آخرين في الحلف. ولا ينبغي الالتزام بمثل هذا التعهد والحفاظ عليه إلا عندما يكون القيام بذلك أمرا مهما لأمن كل واحد منهم

وعلى هذا، يقول الباحث السياسي، دعنا من كل الخطابة الرنانة حول "القيم المشتركة" و"النظام القائم على القواعد" و"المجتمع عبر الأطلسي"، لأن ذلك غالباً ما يكون مجرد تزيين للنوافذ والواجهة، فالسبب الحقيقي وراء انخراط الولايات المتحدة بعمق في الأمن الأوروبي في الماضي هو الاعتقاد أن من مصلحتها (أمريكا) منع أي دولة منفردة من التحكم في أوروبا والسيطرة على قوتها الصناعية الوفيرة.

فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى والثانية لمنع ألمانيا من تحقيق هذا الهدف، لأن زعماء الولايات المتحدة كانوا يخشون من أن تكون هذه الدولة أقوى من أمريكا، وربما تحاول التدخل في نصف الكرة الغربي بطرق قد تجد أنها غير ملائمة أو خطيرة .

يفسر المنطق نفسه لماذا ساعدت الولايات المتحدة على تشكيل حلف شمال الأطلسي عام 1949 واحتفظت ببضع مئات الآلاف من القوات الأمريكية في أوروبا في خلال معظم فترة الحرب الباردة. وكان الهدف هو منع الاتحاد السوفيتي من غزو أوروبا، واستيعاب إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية، واستخدام هذه القدرة المعززة ضد الولايات المتحدة. إن القيام بمعظم الرفع الثقيل من أجل حماية أوروبا لم يكن عملا من أعمال الإحسان من جانب أميركا، لأن احتواء التوسع السوفييتي كان في مصلحتها الذاتية.

وقال الكاتب إن التحدي الإستراتيجي الأساسي الذي تواجهه منظمة حلف شمال الأطلسي، اليوم، هو أمر بنيوي: ليس هناك مهيمن محتمل في أوروبا اليوم، ومن المحتمل ألا يظهر أي طرف في أي وقت قريب. وبعبارة أخرى، لا يوجد بلد لديه مزيج من السكان والقوة الاقتصادية والقوة العسكرية يمكنه من الاستيلاء على القارة وحكمها وتعبئة كل هذه القوة المحتملة. إن عدد سكان ألمانيا صغير جدا (وهو يتناقص مع الشيخوخة)، وقواتها المسلحة ضعيفة جدا. روسيا ليست هي الحطام الذي كانت عليه في التسعينيات، لكنها لا تزال ظلًا شاحبًا للاتحاد السوفييتي السابق، وآفاقه الاقتصادية الطويلة الأمد ليست مشرقة.

بالإضافة إلى ذلك، يبلغ عدد سكان روسيا حاليا حوالي 140 مليون نسمة (ومن المتوقع أن ينخفض ​​كذلك)، وأما عدد أعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبيين، فيبلغ مجموعهم ما يزيد على 500 مليون نسمة. ناتو أوروبا لديه ناتج محلي إجمالي يزيد عن 15 تريليون دولار. روسيا أقل من تريليوني دولار. وبعبارة أخرى، فإن اقتصاد روسيا أصغر من اقتصاد إيطاليا. ولا تنسوا أن الأعضاء الأوروبيين في حلف الناتو ينفقون ثلاثة إلى أربعة أضعاف ما تنفقه روسيا على الدفاع كل عام.

إنهم لا ينفقونها بشكل فعال، لكن الفكرة القائلة بأن أوروبا لا تملك المال الكافي للدفاع عن نفسها ضد روسيا لا تصمد أمام الفحص الدقيق. هل أحتاج أيضا أن أذكر أن فرنسا والمملكة المتحدة لديهما أيضا أسلحة نووية؟

وانطلاقا من كل هذا، فإنه من غير الواضح لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة أن تُحوَل دفاع أوروبا تدريجيا إلى الأوروبيين. في مواجهة هذه الحقائق المحرجة، يشير المدافعون عن الحلف الأطلسي إلى أن حلفاء أمريكا في الناتو قد أظهروا قيمتهم من خلال القتال مع الولايات المتحدة في أماكن مثل أفغانستان.

لا شك في أنهم ضحوا بأموالهم وحياتهم في هذا الجهد المشترك، ويجب على الأمريكيين أن يكونوا ممتنين لمساهماتهم. لكن دعم الحلفاء لم يكن أبداً ضرورياً: لقد قامت الولايات المتحدة بمعظم العبء الثقيل، وكان بإمكانها خوض الحرب بأكملها لوحدها لو رغبت في ذلك. (من الجدير بالذكر أن إدارة جورج دبليو بوش رفضت العروض الأوروبية للمساعدة خلال الإطاحة الأولى بحركة طالبان، لأنها أدركت أن العمل مع شركائها في حلف الناتو كان سيعيق العملية الأمريكية.)

على النقيض من ذلك، لا يمكن لأي من حلفاء أمريكا في حلف الناتو القيام بأي عمل عسكري جدي من دون دعم كبير من العم سام. لهذا السبب، أصبح حلف الناتو اليوم محميَة أكثر من شريك، ولهذا السبب ظل ترامب يسأل عما إذا كان استمرار الولايات المتحدة في التحالف لا يزال يصب في مصلحة أمريكا. وهو بالكاد أول قائد أمريكي يصدر شكاوى قوية حول عدم استعداد أوروبا لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعها.

 في عام 2011، تنبأ وزير الدفاع السابق، روبرت غيتس، بأن الناتو سيواجه "مستقبلاً قاتماً إن لم يكن كئيبًا" إذا لم يبذل أعضاؤه الأوروبيون مزيدا من الجهد، محذرا من أن هناك شهية وصبرًا متناقضين في الكونجرس الأمريكي –وفي الكيان السياسي الأمريكي الأكبر- لإنفاق أموال كبيرة بشكل متزايد نيابة عن دول يبدو أنها غير راغبة في أن تكون شريكة جادة وقادرة على الدفاع عن نفسها". وقد عبّر الرئيس باراك أوباما عن مخاوف مماثلة في يونيو 2014، حتى عندما سعى إلى إعادة موازنة القوى الأمريكية إلى آسيا.

لا عجب أن الأوروبيين قلقون حقا من أن الولايات المتحدة قد تغادر. لقد انغمس القادة الأمريكيون بفي هذه الفكرة في الماضي (كما في تعديل مانسفيلد لعام 1971)، لكن التهديدات بالانسحاب لم تكن ذات مصداقية أبدًا طالما استمرت الحرب الباردة. ومع ذلك، لا تزال التهديدات قائمة اليوم، والأوروبيون يعرفون ذلك.

وفي الوقت نفسه، لا يزال صعود الصين يجتذب الاهتمام الأمريكي بعيداً عن أوروبا ونحو آسيا، ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن هذا الاتجاه سيتوقف. ومن المرجح أن تكون الصين منافسة أكثر قوة من الاتحاد السوفيتي، لذلك يشتبه المرء في أن استعداد أمريكا لتخصيص موارد كبيرة للدفاع الأوروبي سيستمر في التدهور.

هناك سبب منطقي واحد لاستمرار التزام الولايات المتحدة تجاه أوروبا، على الرغم من أن كلا من الأمريكيين والأوروبيين غالبا ما يترددون في الاعتراف به علانية. وكما أشار جوزيف جوفي في مجلة "فورين بوليسي" قبل بضع سنوات، فإن الوجود الأمريكي في حلف شمال الأطسي (الناتو) عمل منذ فترة طويلة كما لو أنه "مهدئ" لأوروبا. إذ طالما كانت الولايات المتحدة منخرطة بالكامل في أوروبا وفي قلب حلف شمال الأطسي، كانت الخصومات داخل الحلف صامتة، ولم يكن هناك خطر كبير في تحولها إلى منافسة أمنية كاملة. ولكن إذا ما انسحبت الولايات المتحدة، فإن السياسات الخارجية الأوروبية قد يُعاد تأميمها تدريجياً، مما يفتح الباب أمام الشكوك المتجددة، وسباقات التسلح، وربما حتى الحرب في مرحلة ما في المستقبل البعيد.

مثل هذه الآراء تتناقض مع الادعاءات بأن نصف قرن من السلام وإنشاء الاتحاد الأوروبي قد أمكن من تجاوز المنافسات الوطنية القديمة وتشكيل هوية أوروبية جديدة، وجعل الحرب في أوروبا أمرا لا يمكن تصوره. ولكن إذا نظرنا إلى الاتجاهات السياسية في أوروبا اليوم -وعلى وجه الخصوص، عودة ظهور المشاعر القومية القوية في العديد من البلدان- يبدو هذا التفاؤل أقل طمأنة. ومن وجهة نظر أوروبية، فإن إبقاء الولايات المتحدة سيوفر ضمانًا متبقيًا ضد عودة ظهور منافسة القوى الكبرى بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وطمأنة ضد روسيا المنبعثة، على الأقل في المدى القصير إلى المتوسط.

ضع كل هذه العوامل مجتمعة، يمكن للمرء أن يرى الخطوط العريضة المبهمة لصفقة جديدة عبر الأطلسي. وإذا نظرنا إلى المستقبل، فإن الولايات المتحدة سوف تركز في المقام الأول على الصين. وسوف تريد واشنطن من أوروبا أن تتولى مسؤولية دفاعها الخاص عن نفسها حتى تتمكن الولايات المتحدة من تخصيص المزيد من الموارد لآسيا، ولكنها تريد أيضا التأكد من أن تعامل أوروبا الاقتصادي مع الصين لا يساعد بكين على التنافس بفعالية أكبر مع الولايات المتحدة.

وتريد الولايات المتحدة من أوروبا، على وجه الخصوص، حرمان الصين من الوصول إلى التقنيات المتطورة مع التطبيقات والمعدات العسكرية (مثل محركات الديزل والكهرباء التي تدفع حاليا بعض الغواصات الصينية) التي يمكن استخدامها من قبل القوات المسلحة الصينية. ومن جانبهم، يريد الأعضاء الأوروبيون في حلف الناتو أن تبقى الولايات المتحدة جزءاً من الحلف (وفي عالم مثالي، التوقف عن فعل أشياء غبية مثل التخلي عن الاتفاق النووي الإيراني أو اتفاقية باريس المناخية).

هناك صفقة جديدة عبر المحيط الأطلسي. توافق الولايات المتحدة على أن تظل عضوًا رسميًا في حلف الناتو، على الرغم من أن مساهمتها العسكرية ستنخفض تدريجيًا وسيتولى قائد أوروبي في النهاية دور القائد الأعلى للحلفاء في أوروبا. في المقابل، يوافق أعضاء الناتو الأوروبيون على تقييد وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة والامتناع عن بيع السلع التي قد يكون لها تطبيقات عسكرية مباشرة. باختصار، هذا يعني إعادة إنشاء شيء أقرب إلى نظام CoCom القديم الذي حدّ من نقل التكنولوجيا إلى الاتحاد السوفييتي.

ويقول الكاتب إنه غير مقتنع بأي حال من الأحوال أن هذه الفكرة ستنجح، وليس من المؤكد أنها ستكون مرغوبة. كان نظام CoCom في الحرب الباردة مصدراً للاحتكاك الكبير عبر المحيط الأطلسي، وتتطلب الصفقة الجديدة إقناع الأعضاء الأوروبيين في حلف الناتو بالتخلي عن بعض الفرص الاقتصادية المربحة.

لهذه الأسباب وغيرها، يقول "ستيفن والت"، كنت أصر على أن الأعضاء الأوروبيين في حلف الناتو سيكونون مترددين في مساعدة الولايات المتحدة على موازنة الصين، وأن هذه القضية ستصبح في النهاية مصدراً آخر للحقد بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين. فالصين بعيدة كل البعد عن أوروبا، والمنافسة الصينية-الأمريكية ستنفذ في آسيا، حيث لا يوجد لدى أوروبا سبب يذكر للمشاركة.

لكنني لست متأكدا من ذلك الآن، فقد تزايدت المخاوف الأوروبية بشأن الطموحات الصينية في السنوات الأخيرة، وكذلك مخاوفهم بشأن الانسحاب الكلي للولايات المتحدة. وإذا كانت الولايات المتحدة جادة بالفعل بشأن الحد من قوة الصين، فإن انخراط أوروبا في هذا الخط، على الأقل في المجال الاقتصادي، سيكون مرغوبًا فيه بشكل واضح. لهذا قد يوفر هذا الترتيب لمنظمة حلف شمالي الأطلسي (الناتو) مبرراً إستراتيجياً كان يفتقر إليه منذ عام 1992، ويُبقي على استمرار الشراكة عبر الأطلسي لفترة أطول قليلاً. وقد يكون هذا كافياً لإقناع ترامب بالتوقف عن الإساءة لحلف الناتو في كل فرصة تُتاح له، ولكن لن أراهن على ذلك أيضا.

 

** رابط المقال الأصلي: https://foreignpolicy.com/2019/01/22/europes-future-is-as-chinas-enemy/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر