"جوزيف ناي": الخوف من أن يؤدي صعود الصين إلى نهاية الحقبة الأمريكية بين المبالغة والاستخفاف

2019-1-23 | خدمة العصر

كتب الباحث والأستاذ في جامعة هارفارد والعميد السابق لكلية كندي الحكومية وأحد العقول المؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية، جوزيف ناي، أنه من المثير للسخرية أننا نحتفل بالذكرى الأربعين للعلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والصين بحرب الرسوم الجمركية (التعريفة).

ويُرجع البعض هذا إلى خصوصيات الرئيس ترامب، ولكن التوترات ستكون موجودة بغض النظر عمن فاز في انتخابات عام 2016. إذ يشعر العديد من الأمريكيين بأن الصين لم تتصرف بشكل عادل، مع أنها تعتمد اقتصاد السوق في نظام تجاري مفتوح، وكثير منهم خاب أملهم من مغادرة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، لسياسات القائد السابق، دنغ شياو بينغ، الحذرة في الداخل والخارج. وعلى هذا، تزايد الخوف من أن يؤدي صعود الصين إلى نهاية الحقبة الأمريكية.

التاريخ مليء بحالات سوء الفهم حول تغيير موازين القوى. على سبيل المثال، عندما زار نيكسون الصين في عام 1972، أراد تحقيق التوازن مع ما رآه على أنه قوة سوفيتية متنامية. لكنه فسر أيضاً القوة السوفييتية المتنامية باعتبارها انحداراً في القوة الأمريكية، وليس ما كان في الواقع "عودة إلى طبيعتها" من بعد استئثار الحصة الأمريكية المرتفعة بشكل مصطنع للمنتج العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. لقد أعلن (نيكسون) عن تعدد الأقطاب، ولكن ما حدث، عمليا، هو أن انهيار الاتحاد السوفيتي أدى، في نهاية المطاف، إلى بروز العصر الأمريكي الأحادي القطب في نهاية القرن.

واليوم، وفقا لتقديرات الباحث والمفكر الأمريكي، من الخطر، بالقدر نفسه، المبالغة في تقدير القوة الصينية أو التقليل من قيمتها، ولدى واشنطن مجموعة من الحوافز الاقتصادية والسياسية للوقوع في خطر التضخيم والتهوين.

تشكل الصين حوالي ثلثي حجم الاقتصاد الأمريكي، إذا اعتمدنا الدولار مقياسا. ويتوقع العديد من الاقتصاديين أن تتجاوز الصين الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، لكن التاريخ المقدر يختلف من عام 2030 إلى منتصف القرن اعتمادًا على ما يفترضه المرء بشأن معدلات النمو الصيني والأمريكي.

يطرح وزير الخزانة في عهد الرئيس بيل كلينتون، لورنس سومرز، السؤال الرئيسي حول السياسة الخارجية في المستقبل: "هل يمكن للولايات المتحدة أن تتخيل نظاماً اقتصادياً عالمياً قابلاً للحياة في عام 2050، حيث يكون اقتصادها نصف حجم أكبر اقتصاد في العالم؟ هل يمكن لزعيم سياسي أن يعترف بهذه الحقيقة بطريقة تسمح بالمفاوضات حول كيف سيكون شكل هذا العالم؟".

عزا المؤرخ الإغريقي الشهير، ثوسيديديس، شهرة "الحرب البيلوبونزية" إلى سببين: صعود قوة جديدة، والخوف الذي يصنع قوة راسخة. معظم الناس يركزون على النصف الأول من بيانه، لكن الثاني له الأهمية نفسها. يمكن للولايات المتحدة تجنب المخاوف المبالغ فيها التي يمكن أن تفجر حربًا باردة أو ساخنة جديدة. حتى لو تجاوزت الصين يوما ما الحجم الاقتصادي الكلي للولايات المتحدة، فهذا ليس المقياس الوحيد للقوة الجغرافية السياسية.

تحتل الصين مرتبة جيدة وراء الولايات المتحدة في مؤشرات القوة الناعمة، والإنفاق العسكري الأمريكي أربعة أضعاف الإنفاق في الصين. وبينما تزايدت القدرات العسكرية الصينية في السنوات الأخيرة، فإن المحللين الذين ينظرون بتمعن إلى التوازن العسكري، يخلصون إلى أن الصين لن تكون قادرة على استبعاد الولايات المتحدة من غرب المحيط الهادي.

من ناحية أخرى، كانت الولايات المتحدة في يوم من الأيام أكبر دولة تجارية في العالم وأكبر مقرض. واليوم، فإن ما يقرب من 100 دولة تعتبر الصين أكبر شريك تجاري لها، مقارنة بـ57 دولة لديها مثل هذه العلاقة مع الولايات المتحدة. وتعتزم الصين إقراض أكثر من تريليون دولار لمشاريع البنية التحتية من خلال "مبادرة الحزام والطريق" في العقد القادم، في وقت تقوم فيه الولايات المتحدة بخفض المساعدات. وستكتسب الصين قوة اقتصادية من الحجم الكبير لسوقها وكذلك استثماراتها الخارجية ومساعدات التنمية. وبشكل عام، فإنه من المرجح أن تزداد القوة الصينية مقارنة بالولايات المتحدة.

ومع ذلك، ستحتفظ الولايات المتحدة ببعض مزايا القوة على المدى الطويل، والتي من المرجح أن تستمر بغض النظر عن الإجراءات الحالية للصين أو إدارة ترامب. وهذا لجملة امتيازات، منها الجغرافيا. إذ الولايات المتحدة محاطة بالمحيطات والجيران التي يحتمل أن تظل صديقة. وللصين لها حدود مع 14 دولة، ولديها نزاعات حول الأراضي مع الهند واليابان وفيتنام، مما قد يضع حدودًا لقوتها الناعمة.

الطاقة هي ميزة أمريكية أخرى. قبل عقد من الزمان، بدت الولايات المتحدة معتمدة بشكل ميئوس منه على الطاقة المستوردة. وأما الآن، فقد حولت ثورة الصخر الزيتي أمريكا الشمالية من مستورد للطاقة إلى مصدر لها، في الوقت الذي أصبحت فيه الصين أكثر اعتمادًا على واردات الطاقة من منطقة "الشرق الأوسط" والنقل عبر المحيط الهندي.

الولايات المتحدة لديها أيضا مزايا ديمغرافية. وهي البلد المتقدم الرئيسي الوحيد الذي من المتوقع حاليا أن يحتفظ بمكانه (الثالث) في الترتيب الديمغرافي للبلدان. وإذ تباطأ معدل النمو السكاني الأمريكي في السنوات الأخيرة، فإنه ليس ثمة تقلص في عدد السكان كما يحدث لروسيا وأوروبا واليابان. ستفقد الصين قريبا مكانتها السكانية في المرتبة الأولى أمام الهند، وسينخفض ​​عدد سكانها في سن العمل في العقد القادم.

كما تظل أمريكا في طليعة الدول المتطورة في مجال تطوير التكنولوجيات الرئيسية (الحيوية والنانو والمعلومات) التي تشكل محور النمو الاقتصادي لهذا القرن، وتهيمن جامعات الأبحاث الأمريكية على التعليم العالي. وتستثمر الصين بشكل كبير في البحث والتطوير، وتتنافس بشكل جيد في بعض المجالات الآن، لكن أولئك الذين يترقبون نهاية الحقبة الأمريكية يفشلون في النظر في النطاق المتكامل لموارد القوة.

إن الرضا الأمريكي يشكل دومًا خطرًا، ولكن، أيضًا، عدم الثقة والمخاوف المبالغ فيها تؤديان إلى رد الفعل الزائد عن اللزوم. تملك الولايات المتحدة أورقا جيدة، لكن "الهستيريا" قد تمنع أمريكا من اللعب لها بمهارة. وفي هذا السياق، رأى "ناي" أن "تجاهل تحالفاتنا ومؤسساتنا الدولية هو مثال على ذلك. يشيد البعض بالحرب التجارية التي قامت بها إدارة ترامب مع الصين باعتبارها الخطوة الجريئة الأولى لفحص ممارسات الصين المفترسة، لكنهم لا يفسرون لماذا يقترن ذلك بتعريفات جمركية مفروضة على حلفائنا".

وصفت إدارة ترامب الصين بأنها قوة تنقيحية، ولكن خلافاً لألمانيا التي ينتمي إليها هتلر أو الاتحاد السوفيتي لستالين، فإن الصين ليست تهديدًا وجوديًا لنا. ذلك أن فكر "شي جين بينغ" ليس على وشك أن يجتاح العالم. الصين ليست مهتمة بالركل على طاولة الورق، بل بالمطالبة بنصيب أكبر من الأرباح. نحن لا نشارك في حرب باردة جديدة مثل تلك التي كانت موجودة عندما اعترف جيمي كارتر بالصين قبل أربعين عاما. وبينما نتطلع إلى الأربعين سنة القادمة ونمو القوة الصينية، سيتعين على "النظام الدولي الليبرالي" الأمريكي التكيف مع هذا. وسوف نشارك في "التنافس التعاوني" مع الصين ويجب ألا نفقد أي جزء من هذا الوصف، وفقا لما أوصى به الباحث والمفكر الأمريكي "جوزيف ناي".

** رابط المقال الأصلي: https://www.chinausfocus.com/foreign-policy/between-complacency-and-hysteria

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر