فشل كبير للحركة الإسلامية وبطش الأجهزة الأمنية: الجيش السوداني أمام خيارين.. إما النزول للشارع وإما الانحياز للشعب

2019-1-18 | خدمة العصر فشل كبير للحركة الإسلامية وبطش الأجهزة الأمنية: الجيش السوداني أمام خيارين.. إما النزول للشارع وإما الانحياز للشعب

سرعة انتقال الحركة الاحتجاجية الشعبية في السودان من مدينة إلى أخرى لتمتد إلى كل أنحاء البلاد تقريبا في زمن قصير، واستجابة مدن كثيرة لها، علامة إنذار كبيرة لنظام البشير، فهذا التحرك الشعبي لم ينظمه طرف، لا حزب ولا نقابة، ولا غيرهما، الناس خرجت إلى الشارع تلقائيا للتعبير عن سخطها. ومن الواضح أن شحنة الغضب ونفاد الصبر وفقدان الأمل كبيرة. إذ عادة ما تصبر الناس عندما يتوقعون أو ينتظرون حصول شيء، في الأول قالوا الحوار الوطني، ثم قالوا رفع العقوبات، ثم قالوا حكومة جديدة، وفقدت كل هذه الرَقاع والمسكنات فعاليتها، وما عاد هذا مقنعا لعموم الناس، ثم يأتي البشير ويعلن مع حزبه أنه يريد الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة (2020) ويغير الدستور، يعني يظل جاثما على صدر الشعب لفترة أخرى، وهو ما لا يطيقه الناس.

ومما يُلاحظ أن الحركة الاحتجاجية انتقلت من الأطراف إلى العاصمة ومن الهامش إلى المركز، خلافا لما هو معتاد، فأغلب الاحتجاجات السابقة في السودان كانت تنطلق من الخرطوم، وغالبا من أوساط الطلاب، وأما الحركة الشعبية الجاليَة، فانطلقت من "عطبرة"، وهي مدينة عمالية مشهود لأهلها بالصبر وطول النفس، وأهلها يعيشون على الكفاف، ولكن لها تاريخي نضالي طويل، وردة فعل سكانها مع الاحتجاجات كانت عفوية، وبدا أنه قد حان أوان الانتفاضة الشعبية، فلم تهدأ المدينة منذ انطلاق الحركة الشعبية المناهضة لحكم البشير منذ انطلاقتها قبل أربعة أسابيع، ولما بدأت من مدينة عطبرة وما حولها انتقلت إلى كل مدن السودان الكبرى، تقريبا، في خلال أربع وعشرين ساعة.

ولا يزال الجيش في السودان هو أكبر قوة ضاربة في البلاد، ويتوقع مراقبون أن الجيش لا يقف كله وراء البشير، فعلى الأقل قياداته الوسطى ترى أن استمرار البشير في الحكم سيكون عبئا عليهم، وقبل فترة أُطيح بضباط من الجيش، لأنهم كانوا يخططون للإطاحة بالبشير وتغييره، وهنا، يميل بعض المحللين إلى أنه إذا جدَ الجد، فإن قيادات من الجيش ستنحاز إلى خيار الشعب. وتقود الأجهزة الأمنية التي تقف مع البشير حملة القمع والتضييق والتخويف ونشر الرعب، ويراهن عليها دكتاتور السودان في احتواء الوضع وضرب الحركة الاحتجاجية ومنع تصعيدها وتمددها.

لكن إذا صار الوضع، في وقت ما، غير قابل للاحتواء وتضخمت الحركة الشعبية المناهضة لحكم البشير وباتت عصية على المحاصرة والانكماش، هنا، وفقا لتقديرات محللين سودانيين، يصبح الجيش أمام خيارين: إما أن ينزل للشارع ويضرب الناس ويقتل المتظاهرين، وإما أن ينحاز لخيار الشعب ويطيح بالبشير، وهذا أحفظ للبلد وللجيش نفسه.

والنظام، حتى الآن، لم يستخدم إلا ورقة العنف والقمع والاستجابة الجزئية والترقيعية لبعض المطالب، ولم يطرح حتى الآن مبادرة سياسية، ولهذا، ربما قد يطول أمد هذه الاحتجاجات، وربما أيضا يزداد العنف ضد المتظاهرين، وكلما سالت الدماء أكثر ازداد الغضب الشعبي وقد لا يكون بالإمكان، حينها، السيطرة عليه.

ومن الواضح أن نظام البشير، المدعوم من تيار من الإسلاميين، أساء للحركة الإسلامية إساءة بالغة. المتظاهرون يهتفون ضد "الحرامية"، يعني اللصوص، وهم يعنون، من جملة ما يقصدونه، الحركة الإسلامية الداعمة لنظام البشير، فهذا فشل كبير تسببوا فيه، فالحركة الجماهيرية الكبيرة الرافضة للحكم اليوم يجمع بينها عدم الثقة بالإسلاميين، ولم يحدث في تاريخ السودان الحديث أن خرج هذا الحجم من الرأي العام والجماهير وهذا تنوع من الطيف السياسي معارضا ضد نظام الحكم، لا في عهد النميري ولا عبَود، فالاحتجاجات لم تتوقف إلى اليوم، ومر عليها أكثر من أربع أسابيع، وهي في زيادة وليست في نقصان، وفي الوقت نفسه، لا يوجد خط وسط، حتى الآن، جهة موثوق بها مؤثرة 'مثل تجمع المهنيين) تجمع الطرفين وتحاور وتصل إلى حد لهذه القضية، بعيدا عن انفجار الوضع وخروجه عن السيطرة.

وأقصى ما يرجوه البعض، وفقا لتقديرات، هو الوصول إلى عتبة الانتخابات، سواء كانت مبكرة أو في أجلها الزمني المحدد عام 2020. إذ يراهن حزب "المؤتمر الوطني" (لحزب الحاكم والذراع السياسي للحركة الإسلامية)، على أنه من أكثر الأحزاب تنظيماً في الساحة السياسية، بعد أن عمل على إضعاف الأحزاب الموالية له أو ضمها وحشرها في مجموعة أحزاب "الحوار الوطني"، المشاركة في السلطة.

وخيار البشير لم يقبل به المتظاهرون، إذ إن حكومة البشير، كما رأى أحد الباحثين السياسيين من جامعة الخرطوم: "لا تمتلك الشرعية السياسية، لأنها أتت بانقلاب عسكري أولاً، ولأن كل الانتخابات التي أجرتها سابقاً، وآخرها عام 2015، قاطعتها كل الأحزاب السياسية، التي اعتبرتها انتخابات الحزب الواحد وغير نزيهة"، ثم إن "حزب المؤتمر الوطني يسخر إمكانيات الدولة لتقوية وتنظيم نفسه، وقد لا يوجد حل أمام الحكومة، إلا عبر الوصول إلى تسوية سياسية مع تجمع المهنيين، تكون مدعومة من القوات المسلحة". وأضاف الباحث السياسي أن "تجمع المهنيين يتمتع بمصداقية عالية في الداخل، حتى إنه تمكن من تحريك التظاهرات في 12 مدينة، في الوقت ذاته، وهو أمر غير مسبوق". ولكن لا يتوقع مراقبون قبول الحركة الاحتجاجية بأي تسوية سياسية مع الحكومة الحالية في الوقت الراهن. فالشباب المحتج المنتفض "لا يثق بالحكومة ولا بالأحزاب السياسية، سواء المعارضة أو المشاركة في السلطة"، وربما يرى كثير من الثائرين أنه قد فات الأوان لأي خطوة للتهدئة أو التسوية، وأن المطلب الوحيد الآن هو "إسقاط الحكومة".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر