العلاقات السعودية الإسرائيلية (1): من السرية إلى التعامل العلني (1948- 2018)

2019-1-15 | خليل العناني العلاقات السعودية الإسرائيلية (1): من السرية إلى التعامل العلني (1948- 2018)

كتب الباحث الإسرائيلي، إيلي بوديه، أستاذ في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعة العبرية في القدس (وعضو في مجلس إدارة معهد ميتفيف - المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية) مطولة حاول فيه الكشف عن أساس العلاقات السعودية الإسرائيلية وعرضها في سياقها التاريخي الصحيح. ويوضح الكاتب الإسرائيلي أن السياسة السعودية تجاه إسرائيل تمليها باستمرار البراغماتية وليس الأيديولوجية، ولم تختف شكوك إسرائيل تجاه المملكة إلا في حرب لبنان 2006 والربيع العربي.

التقى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي آيزنكوت، نظيره السعودي اللواء فياض بن حميد الرويلي على هامش مؤتمر المنظمات المناهضة للعنف في أكتوبر 2018 في واشنطن العاصمة، في  أول اجتماع علني بين كبار المسؤولين الإسرائيليين والسعوديين. في وقت سابق، في فبراير 2016، ذكرت قناة تلفازية إسرائيلية أن وفدا إسرائيليا زار سراً الرياض. وفي الواقع، أكد كبار المسؤولين الإسرائيليين، وزير الدفاع السابق، موشيه ياعلون، ووزير الطاقة، يوفال شتاينيتس، انعقاد اجتماعات سرية بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

التعاون بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية يبدو، في ظاهر الأمر، غير مفهوم. ومع ذلك، وبالرغم من حالة العداء الرسمي القائمة، لم يتورط الطرفان، على الإطلاق، في أي أعمال عدائية بينهما، ولم يتجاوز العداء خطاب القادة. وكان موقف الملك السعودي المؤسس، عبد العزيز، من الصراع الصهيوني العربي في فلسطين براغماتيا. جهود الوساطة التي بذلها لإنهاء الثورة العربية في فلسطين في الفترة ما بين 1936 و1939 نشأت من

الرغبة في تهدئة البريطانيين وإحباط الطموحات الإقليمية الهاشمية، الذي كان قد أطيح به قبل عقد من الزعامة التقليدية للحجاز، وبالتالي شكل هذا جوهر المملكة العربية السعودية. وهكذا، عندما قامت اللجنة الملكية البريطانية لفلسطين بنشر خطة التقسيم في عام 1937، والمعروفة باسم تقرير بيل، لم يعترض الملك عبد العزيز كثيرا على فكرة قيام دولة يهودية وإنشاء دولة عربية فلسطين تحت سيطرة منافسه الهاشمي، الأمير عبد الله.

وعلى الرغم من تصوراته السلبية تجاه الحركة الصهيونية، فإن تصاعد نجم الملك كان دافعًا للقادة الصهاينة للبحث عن طريقة للتقرب منه. في مارس 1937، زار موشيه شاريت (مبعوث الوكالة اليهودية)

الوفد السعودي في لندن في محاولة لتوجيه رسالة إلى عبد العزيز توضح الموقف الصهيوني، ولكن دون نجاح. وفي محاولة أخرى، ذهب إيلياهو إبشتاين (وكان أول سفير لإسرائيل في أمريكا) إلى بيروت للقاء مستشار عبد العزيز للشؤون الخارجية، فؤاد حمزة، الذي كان إبشتاين يعرفه منذ كان طالبا في الجامعة الأمريكية ببيروت. وهذا التعارف مهد الطريق لاجتماعين في أبريل 1937 بين حمزة وديفيد بن غوريون، رئيس الوكالة اليهودية في ذبك الوقت (وحتى عام 1948، عندما أصبح أول رئيس وزراء لإسرائيل)، والمحادثات سارت بشكل جيد.

وعلى الرغم من عدم وجود رد من عبد العزيز، فإن بن غوريون حاول، بعدها، الوصول إلى الملك من خلال سانت جون فيلبي، وهو مسؤول سابق في الاستخبارات البريطانية وخبير في شبه الجزيرة العربية ومعروف بعلاقاته الوثيقة مع الملك. في اجتماعهم، طرح فيلبي خطة رفضها فورا بن غوريون: فلسطين موحدة (بما في ذلك شرق الأردن) تحت السيطرة السعودية.

وفي أغسطس 1938، اجتماع بن غوريون إلى حافظ وهبه، السفير السعودي في لندن، وقد فشل أيضا في تحقيق النتائج. وفي عام 1939، قدم فيلبي اقتراحا آخر لشيرتوك والمنظمة الصهيونية العالمية الرئيس حاييم وايزمان (الذي أصبح في النهاية الرئيس الأول لإسرائيل): "مقابل للحصول على إعانة تبلغ 20 مليون جنيه، تُدفع لابن سعود، يجب على اليهود السيطرة على غرب فلسطين باستثناء القدس، وهي خطة تنطوي على نقل هائل لسكان فلسطين العرب وتأسيس الوحدة العربية في نهاية المطاف في ظل ملك السعودية، وعُرضت الفكرة على عبد العزيز، لكنه رفض ما يسمى بخطة فيلبي.

في ديسمبر 1945، أيدت المملكة العربية السعودية مقاطعة الجامعة العربية الجديدة الشركات التي تتعامل مع الصهاينة في فلسطين، وبعد عام 1948، سوف تصبح مقاطعة كاملة لإسرائيل. بعد عام 1957، وحتى ناقلات النفط التي رست في حيفا رُفض دخولها إلى السعودية. وقد طلب الولايات المتحدة عدم توظيف اليهود في شركة النفط العربية الأمريكية (أرامكو)، واستمر الالتزام بالمقاطعة حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين.

وعلى الرغم من أن رجال الأعمال اليهود بدأوا دخول المملكة العربية السعودية في منتصف السبعينيات، فإنه لم يُسمح للوفود اليهودية الرسمية بزيارة المملكة إلا بعد اتفاقيات أوسلو في العام 1993.

وبينما عارضت المملكة خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين في عام 1947، التي اقترحت تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين يهودية وعربية، كان الملك أكثر معارضة لأي محاولة من قبل الهاشميين لتوسيع مجال تأثيرهم في العالم العربي. وبالمثل، كان عبد العزيز أقل اهتماما بدولة يهودية من احتمال وجود مؤامرة هاشمية صهيونية سرية لتقسيم فلسطين فيما بينهم.

وعندما اتضح أن الحرب في فلسطين كانت وشيك، بذل عبد العزيز، الذي فضل الحل البريطاني المفروض، قصارى جهده لإحباط قرار جامعة الدول العربية بمقاطعة اقتصادية للقوى الغربية. ولعدم رغبته في البقاء خارج الإجماع العربي، أرسل قوة عسكرية رمزية وضعت تحت القيادة المصرية، لكنها لم تشارك في القتال. وعلى هذا النحو، نجح الملك السعودي في المناورة بين مصالح الدولة والقيود الإقليمية.

كان الصراع العربي الإسرائيلي يخضع لسياسة واقعية خالصة، مما يعني تأمين الدعم من القوى الغربية وإحباط أي خطط للتوسع الهاشمي في العالم العربي. وهذا الإرث سيحتفظ به ويحسنه خلفاء عبد العزيز.

وتوفي الملك عبد العزيز في عام 1953 وخلفه ابنه سعود. ليتضح، بعد فترة قصيرة، أن الزعيم المصري الجديد، جمال عبد الناصر، وقوميته العربية يشكلان تهديدًا للمملكة أكبر مما كان يشكله الهاشميون. وقد وضع هذا الإدراك نهاية للعداء السعودي الهاشمي الذي استمر لأكثر من ذلك من ثلاثة عقود.

وصلت العداوة السعودية المصرية إلى ذروتها عندما تدخلت مصر عسكريا في اليمن لمساعدة ضباط الجيش الذين حرضوا على الانقلاب في سبتمبر1962 وأعلنوا الجمهورية. خشي السعوديون من الهدف النهائي للمصريين، وكان السيطرة على حقولهم النفطية. ومن أجل وقف تقدم المصريين، قدم السعوديون الدعم للملكيين اليمنيين. وكانت إسرائيل أيضًا متورطة في حرب اليمن وإن كانت بشكل سري، ودعموا الملكيين جوا بالذخيرة والمعدات والمواد الغذائية.

وهكذا وضعت الأزمة اليمنية السعودية وإسرائيل في الخندق نفسه لأول مرة، إلى جانب الدول الأخرى التي رأت في الناصرية تهديدًا. وكما كان متوقعا، هذه المصالح المشتركة لم تظهر علانية. وعلى الرغم من أنه من الممكن أن السعوديين كانوا غير مدركين للدعم الإسرائيلي للملكيين اليمنيين، إلا أن هناك تلميحات إلى أن كمال أدهم، رئيس مديرية المخابرات العامة في المملكة العربية السعودية، كان على علم بذلك، إذ كانت إسرائيل تنتهك المجال الجوي السعودي عندما كانت تقدم المساعدة للملكيين، ولكنها غضت الطرف.

ومن المعقول أيضا أن بعض التنسيق غير المباشر تم ترتيبه بين إسرائيل والملك فيصل، الذي أطاح بأخيه سعود في عام 1964. إذ كشفت وثيقة سرية للغاية في أرشيف الكيان الإسرائيلي عن وجود اتصال غير مباشر في عام 1967 بين الملك حسين والملك فيصل وإسرائيل عبر وكلاء بريطانيين، وهذا التنسيق منع الطائرات المصرية في طريقها إلى السعودية من الطيران عبر إسرائيل والمجال الجوي الأردني.

ولم يرسل الملك فيصل قوات لمساعدة مصر أو سوريا أو الأردن في الحرب مع إسرائيل في العام 1967، سواء بسبب الصراع في اليمن أو قصر مدة الحرب. وبعد، أيد قرارات قمة جامعة الدول العربية في تلك السنة في الخرطوم، التي أعربت عن معارضتها للاعتراف أو التفاوض مع إسرائيل، لكنها أعطت الضوء الأخضر للعمل الدبلوماسي. المملكة العربية السعودية لم تعترف رسمياً بقرار الأمم المتحدة 242 لسبب بسيط أنها لم تشارك في الحرب.

لم يرغب فيصل في المخاطرة بانتقاد لا داعي له بدعم علني لقرار اعترف بوجود إسرائيل، على الرغم من أنه رحب على ما يبدو بالقرار في السرَ. لذلك، في فترة ما بعد 1967، انضم السعوديون إلى الإجماع العربي فيما يتعلق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي المحتلة، وعودة الفلسطينيين اﻟﻼﺟﺌﻴﻦ وإﻧﺸﺎء دوﻟﺔ فلسطينية، لكنهم توقفوا، بعد وقت قصير، عن الدعوة لتدمير إسرائيل كما تطالب بها الأصوات العربية القومية.

وكانت هذه السياسة متسقة مع تمويل المملكة العربية السعودية للمنظمات الفلسطينية في ذلك الوقت، حيث قدمت الأموال لمنظمة التحرير الفلسطينية (PLO) وقيادتها، وأكثر اعتدالا ﻓﺘﺢ،  بدلا من اﻟﻔﺼﺎﺋﻞ اﻷﻛﺜﺮ راديكالية، ﻣﺜﻞ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

في هذه الأثناء، هناك تقرير واحد على الأقل من قبل مسؤول استخباراتي إسرائيلي كبير سابق يدعي بشكل خفي أنه في نهاية عام 1969 قدم الملك فيصل رسالة لإسرائيل تعرب عن رغبته في فتح شكل من أشكال الحوار من أجل تعزيز التسوية، ولكن هذا الاتصال لم تتابعه السعودية أو إسرائيل. غير أن البراغماتية الدبلوماسية لم تنعكس في المجال الأيديولوجي.

بالمناسبة، أدت حرب 1967 إلى تعاون اقتصادي غير مباشر بين السعودية وإسرائيل. فمع احتلالها لمرتفعات الجولان، تسيطر إسرائيل الآن على جزء من خط الأنابيب العابر العربي (Tapline)، الذي ينقل النفط من الظهران في السعودية إلى نهر الزهراني في لبنان، وتم بناؤه عمدا في الأربعينيات للتحايل على الأراضي الفلسطينية حسب أوامر الملك عبد العزيز. وقد عُلَق العمل بالخط بسبب الحرب، ولكن تم تجديده في الشهر التالي. وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، سمحت إسرائيل بتدفق النفط السعودي إلى لبنان، من دون أن تطالب بأموال مقابل النفط الذي يتم نقله عبر الأراضي التي تسيطر عليها.

وفي خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، استمر تدفق النفط من شبه الجزيرة العربية على نطاق محدود، ولم ينقطع، مطلقا، تدفقه بالكامل بعد عام 1975، عندما أصبح استخدام ناقلات النفط العملاقة أكثر فعالية من حيث التكلفة بسبب إعادة فتح قناة السويس واندلاع الحرب الأهلية في لبنان، تضاءل استخدام Tapline، ثم توقف تماما في العام 1982. هذه الحادثة غير المعروفة نسبيًا هي مثال آخر للتعاون الإسرائيلي السعودي الذي درة سرا بما يلائم كلا الطرفين.

تشير برقية حكومية أمريكية في أبريل 1973 إلى أن رئيس المخابرات السعودية، كمال أدهم، قال للسفير الأمريكي في القاهرة إن السعوديين لا يعتبرون القضاء على إسرائيل "طموحًا مشروعًا"، ومع ذلك كان للسعودية حضور في حرب 1973. ورغم انتشار قوة رمزية من 1000 جندي سعودي في سوريا (وكانت متمركزة في الأردن) في الأيام الأخيرة من الحرب، إلا أن الجيش السعودي لم يقاتل.

ومع ذلك، كانت السعودية شريكا كاملا في حظر النفط الذي فُرض على الولايات المتحدة (والغرب بشكل غير مباشر) للضغط على إسرائيل من خلال خفض صادرات النفط بنسبة خمسة في المائة شهريا. وبعد الحرب، أعلن فيصل أنه سيتم رفع الحظر إذا استوفيت الشروط التالية: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي المحتلة، والاعتراف الدولي بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وتأكيد الطابع العربي للقدس، وفي الواقع، رُفع الحظر في مارس 1974 دون الوفاء بأي من هذه الشروط....(يتبع)

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر