في الانهيار السريع للفصائل في إدلب

2019-1-10 | خالد حسن في الانهيار السريع للفصائل في إدلب

قوَمنا كل التجارب الإنسانية التاريخية، من العهد اليوناني ثم الروماني ثم الإسلامي، ومن دولة النبوة في المدينة إلى ملوك الطوائف في الأندلس وعصور الانحطاط، فلما أتيحت لنا لحظة ثورية رائعة في سوريا، سقطت كل النظريات والفلسفات والتصورات الناقدة في الماء، وكان هذا الضياع والتيه.

وهذا الانهيار العسكري للفصائل، وقبله الأخلاقي والثوري، في الشمال السوري، أثبت بُعد المسافة بين القول والعمل وكذا بين التفلسف والتنظير وحقائق الواقع.. ما تركنا نقدا لمفكر ومؤرخ في بناء الدول وسقوطها وتجارب الثورات إلا وسقناه، فلما واجهنا الحقائق على الأرض انهارت التصورات النظرية.

المعرفة النظرية المجردة والتأملات النقدية الفلسفية والسرد التاريخي والدعم الهائل، كل هذا لم ينقذ ثورة الشام ولم يوقف الانهيار الأخلاقي والثوري للفصائل، تاجرت بهم السعودية وقطر وتلاعبت بهم تركيا، ثم رموهم مكشوفين، وكثير منهم توسل الدعم وعرض خدماته على أطراف إقليمية بعد أن أشبعنا تنظيرا.

ملَت تركيا من الفصائل المنهارة وزهدت في ارتباطهم وأصبحوا عبئا ثقيلا عليها، فلم تأبه لسقوطهم، ما تلقوه من دعم أفسدهم، وغلب عليهم الضعف والجبن، ولا يزال بعض مثقفي الثورة وناشطيها يكابر ويعاند ويلقي بالتهم جزافا ويتفلسف.

حجبت المكابرة والاغترار بالموقف والاستعلاء الفكري حقيقة الرؤية، ومثقفو الفصائل وعقولها خدعوا كثيرين بكلمات منمقة أغرت بالعمق والفهم والإدراك، ولم يكن هذا إلا تلفيقا وتدليسا وترقيعا وتسترا، وبعضهم لا يزال إلى اليوم غارقا في أوهامه.

أنَى لـ"هيئة تحرير الشام" المحاربة من كل أطراف الصراع تقريبا، والمحاصرة، وأكثر مواردها ذاتية، ويعاديها كثير من مثقفي الثورة وناشطيها، والحرب الدعائية ضدها لا تكاد تهدأ، أن تحافظ على قدر من زخمها وبأسها واستقلاليتها، وتطارد الفصائل في معاقلها، وتدير الصراع في إدلب بأقل الخسائر؟

ولعل هذا يثبت، إلى حد ما، أن أكثرا العداوات والأحقاد بين مكونات الثورة في الشمال وغيره كانت نفسية، لم يتقبل كثيرون أن تجربة ثورية خاصموها وتحاملوا عليها وحاولوا إسقاطها فكريا تقدر على ما عجزوا عنه، بل وتكشف ضعفهم وجبنهم.

كان ظاهر الخصومة فكريا، تترَس مثقفو الفصائل بسرد تاريخي واقتباسات شرعية وفلسفات ونظريات قديمة وحديثة، وهذا من البريق الخادع، لكن في العمق ربما كان العامل النفسي أكثر حضورا والانغلاق الفكري مستحكما وظهر صنم التجربة والرصيد عصيا على الكسر.

ولعل هذا من أبرز الموانع التي حرمتنا الاستفادة من الدروس والتجارب القاسية المريرة: التحصن والانغلاق على تصورات وقناعات تصلبت مع مرور الوقت وتحولت إلى صنم لا يُكسر، لتمسك بزمام الأمور وتمضي بصاحبها بعيدا في مسارب الانغلاق والاستعلاء.

واغتر كثيرون بلامع السراب، وحصَنوا أوهامهم بما حفظوه أو قرأوه، واكتفوا بالإدراك النظري المجرد والرصيد المعرفي، دون اقتراب من حقائق الثورة على الأرض، وظنوا في هذا تسديدا للموقف وتوضيحا للرؤية، وليتهم نظروا إلى الثورة بعين الواقع لا عبر صفحات الكتب.

كل سنوات الثورة مرت على الفصائل بلا تصحيح ومراجعة وتصويب، والناشطون والمثقفون أسهموا في هذا العُتوَ والمكابرة، وظلوا يُسوغون وينفخون في المرض ويتسترون على حالة الضعف والجبن، حتى باغتهم الانهيار الأخير في إدلب، ثم رموا به بعيدا وأخرجوا أنفسهم من دائرة الملامة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر