آخر الأخبار

"هدية مسمومة" لموسكو: هل ستستفيد روسيا فعليًا من الانسحاب الأمريكي؟

2019-1-9 | خدمة العصر

كتب الخبير في شؤون المنطقة في مجلس الشؤون الدولية الروسي، أليكسي خليبنيكوف، أن قرار الرئيس دونالد ترامب الأخير بسحب القوات الأمريكية من سوريا وُصف، على نطاق واسع، بأنه هدية لروسيا، وسارع العديد من النقاد والسياسيين إلى القول بأن موسكو ستكون المستفيد الوحيد من مثل هذه الخطوة. وهنا، تساءل الكاتب: لكن هل هذا صحيح حقا؟ هل ستستفيد روسيا فعليًا من الانسحاب الأمريكي؟

للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر كذلك، مع تحكم موسكو، إلى حد كبير، في إدارة الصراع في سوريا، إلى جانب شركائها في دمشق وطهران. ولكن بالتعمق قليلا، يصبح الوضع أقل وضوحا وأقل من أن "يأخذ الفائز (روسيا) كل شيء". في الواقع، وفقا لتقديرات الباحث الروسي، يثير قرار ترامب الكثير من الغموض والتعقيد.

بداية، ليس ثمة تفاصيل حول الانسحاب، وهل سيكون كاملا أم جزئيا. إذا انسحب الجيش، فهل ستترك الولايات المتحدة مجموعة محدودة من القوات الخاصة وعملاء المخابرات المركزية الأمريكية؟ هل ستحافظ على برنامج التدريب والتجهيز الخاص بالأكراد السوريين وقوات سوريا الديمقراطية (SDF) ومنحهم معلومات استخبارية؟ وهل ستواصل واشنطن توفير غطاء جوي للمناطق التي تسيطر عليها قوات "قسد"؟ وهل ستسحب الولايات المتحدة قواتها من "التنف" في الجنوب السوري؟ وهل ستحافظ الشركات العسكرية الأمريكية الخاصة على وجودها شرق نهر الفرات؟

حتى الآن لا توجد أي إجابة واضحة عن هذه الأسئلة. وقال الكاتب: إلى أن نعرف أكثر من ذلك، لا ينبغي لنا أن نستعجل في استنتاجات حول ما قد تعنيه الخطوة الأمريكية، ومن المؤكد أنه من السابق لأوانه الجدل حول استفادة روسيا منها. وقد أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن شكوك جدية بشأن قرار ترامب في مؤتمره الصحفي السنوي، قائلاً: "حتى الآن، لم نر أي دليل على انسحابهم، لكنني أعتقد أنه ممكن".

ستؤثر طبيعة الانسحاب الأمريكي من سوريا والواقع على الأرض في سلوك الجهات الفاعلة الأخرى أيضًا. وكما أوضح البنتاغون والشركاء الأوروبيون الرئيسيون، فإنهم لا يتفقون مع تصريح الرئيس ترامب حول هزيمة "داعش" في سوريا. ولهذا السبب، حتى لو قامت الولايات المتحدة بسحب قواتها، فإنها قد تترك وراءها مجموعة محدودة من القوات الخاصة ووكالة المخابرات المركزية لمنع أي تصعيد عسكري كبير، وتجنب تمكين الأتراك والإيرانيين من التعزيز المفرط لقواتهم، والحد من انبعاث "داعش". وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال القوات الفرنسية والبريطانية موجودة شرق نهر الفرات. وحتى الآن، ليس لديهم خطط للمغادرة وبلدانهم انتقدت بشدة قرار الولايات المتحدة.

ثانياً، لا ينبغي لأحد أن يخدع نفسه حول طبيعة التأثير الأمريكي في سوريا، ذلك أنه لم يكن للولايات المتحدة إلا حضورا هامشيًا في الصراع. ووفقًا لبيانات البنتاغون الرسمية، فإن الولايات المتحدة لديها أكثر من 2000 جندي في سوريا، على الرغم من وجود تقارير تفيد بوجود أكثر. ومع ذلك، فإن المهمة الأساسية للقوات الأمريكية في سوريا ليست القتال بل تسليح وتدريب "قوات سوريا الديمقراطية"، ومساعدتها في الحملة ضد "داعش"، وإيقاء النفوذ الإيراني تحت السيطرة، وضمان عدم قيام أي من الجهات الإقليمية -تركيا وإيران أو الحكومة - بهجوم عسكري واسع ضد الأكراد.

ثالثًا، لدى كل من تركيا وإيران وجود عسكري أكبر بكثير في سوريا من الولايات المتحدة أو حتى روسيا. وهذان الطرفان، مع قوات النظام، هما القوتان الرئيستان على الأرض ولهما التأثير الأكبر في انحسار الصراع واحتدامه.

ومن المثير للاهتمام، في هذا السياق، أن أدوار الولايات المتحدة وروسيا متشابهة تمامًا: كلا الطرفين يتحرك كما لو أنه طرف مُقيد، كما إن وجودهما العسكري المحدود في سوريا يردع الجهات الفاعلة الإقليمية -تركيا وإيران وإسرائيل ونظام دمشق- من التصعيد الواسع النطاق.

نقطة أخرى مهمة هي أن تركيا عضو في حلف الناتو وحليف رئيس للولايات المتحدة. يمكن اعتبار خطوة ترامب محاولة لإصلاح علاقات واشنطن مع أنقرة. في هذا السياق، فإن انسحاب القوات الأمريكية وقرار وزارة الخارجية السابق بالموافقة على بيع صواريخ باتريوت إلى تركيا بقيمة 3.5 مليار دولار إلى تركيا قد يُنظر إليه إشارات تصالحية تجاه أردوغان. ولطالما كان الدعم الأمريكي للأكراد السوريين نقطة خلاف رئيسة في العلاقات بين واشنطن وأنقرة.

تنظر أنقرة إلى "قوات سوريا الديمقراطية"، وعلى وجه الخصوص وحدات حماية الشعب (YPG)، باعتبارها امتدادا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي تعتبره جماعة إرهابية. في الأسابيع الأخيرة كانت أنقرة تهدد بتنفيذ هجوم واسع النطاق ضد مواقع الوحدات الكردية في المناطق التي تسيطر عليها قوات "قسد". لكن الآن، واستنادا لتصريحات أردوغان، ربما تمكنت الولايات المتحدة وتركيا من التوصل إلى صفقة ما لتجنب ذلك.

بالنسبة لتركيا، فإن القيام بعملية عسكرية واسعة شرق نهر الفرات يشكل تحديا أكبر بكثير، حيث يتطلب المزيد من الموارد والتخطيط مقارنة بالعمليات السابقة ضد المناطق التي يسيطر عليها الأكراد شمال حلب. ومع المشاكل الاقتصادية التي تواجهها البلاد والحاجة إلى أخذ موقف أمريكا حيال "قوات سوريا الديمقراطية" في الاعتبار، فقد كان تحركًا منطقيًا لترامب وأردوغان للتوصل إلى اتفاق يضمن حفاظ تركيا على ماء الوجه، ويمكنها تنفيذ عملية محدودة، من جهة، ومن جهة أخرى تستطيع الولايات المتحدة تحسين علاقاتها مع تركيا وجعل أنقرة مسؤولة عن القضاء على بقايا "داعش" في المنطقة.

نتيجة لذلك، يثير قرار ترامب مزيدًا من الغموض وعدم اليقين، كما إن الفوائد المحتملة لموسكو أقل وضوحًا بكثير. وإذ يبدو أن واشنطن وأنقرة تسيران على طريق المصالحة في سوريا، فإن القرار يثير مخاطر جديدة لموسكو ويطرح أسئلة جديدة: هل ستظل اتفاقية إدلب بين روسيا وتركيا قائمة؟ هل ما زالت أنقرة قادرة على التفاوض حول صفقة في شرق نهر الفرات مع موسكو؟ هل ستغير تركيا سلوكها والتزامها باتفاقية أستانا؟ كل هذه الشكوك تثير مخاطر إضافية لموسكو.

حتى الآن، كما يرى الكاتب، تُعدَ تركيا المستفيد الرئيس من الخطوة الأمريكية. حصلت على تنازلات بشأن شراء صواريخ باتريوت الأمريكية و"قوات سوريا الديمقراطية". إذا قامت الولايات المتحدة بسحب جميع قواتها العسكرية من سوريا، فقد تحاول تركيا استبدالها، وهي خطوة من المحتمل أن تتطلب منها تقديم ضمانات بأنها ستقضي على ما تبقى من "داعش"، ومنع إيران من ملأ الفراغ، والسيطرة، أقل أو أكثر، على الأكراد.

لو حدث هذا، من المرجح أن يكون الأكراد السوريون أكثر ميلاً للتفاوض مع موسكو ودمشق حول شروط إعادة إدماجهم في ظل نظام حكم الأسد. في الواقع، من المرجح أنهم قد بدأوا في هذه المحادثات مع وصول وفد من الأكراد السوريين إلى موسكو في 24 ديسمبر. وقد أجروا ثلاث جولات من المحادثات مع دمشق، وأصبح لديهم الآن حافز أكثر لمواصلة التفاوض على الاتفاق.

قد يؤدي انسحاب القوات الأمريكية إلى بروز عديد من تحديات السياسة الخارجية لموسكو. والعلاقات الروسية التركية يمكن أن تتعثر في مسألة الأكراد والتصالح التركي مع الولايات المتحدة. وقد تكون العلاقات بين موسكو وطهران على المحك إذا حاولت إيران توسيع نفوذها مع انسحاب الولايات المتحدة. والعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة قد تتضرر أيضا، إذ من المرجح أن تسعى الولايات المتحدة لمنع موسكو من التضخم في سوريا عبر تركيا.

ومع ذلك، يقول الباحث الروسي، هناك نتيجة إيجابية واحدة على الأقل لموسكو: إذا انسحبت الولايات المتحدة من سوريا، ستبقى روسيا اللاعب العالمي الوحيد الذي يتمتع بقدرات كبيرة في البلاد. وفي الوقت الذي يزداد فيه خطر التصعيد، يمكن لموسكو أن تلعب دوراً متزايد الأهمية وسيطا بين الأتراك والأكراد والإيرانيين والسوريين.

في الوقت الحاليَ، يبقى أن نرى ما ستفعله الولايات المتحدة حقًا، وسيتعين مقارنته بالواقع على الأرض. وفي الوقت الراهن، ليس لدى موسكو توقعات مفرطة في التفاؤل بشأن القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا.

** رابط المقال الأصلي: https://www.mei.edu/publications/poisoned-chalice-us-withdrawal-syria-would-create-new-risks-moscow

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر