آخر الأخبار

أغرقه التحالف في الفوضى: الإمارات قسمت حرب اليمن إلى صراعات متعددة محلية لن تنتهي بأي اتفاق سلام

2019-1-7 | خدمة العصر أغرقه التحالف في الفوضى: الإمارات قسمت حرب اليمن إلى صراعات متعددة محلية لن تنتهي بأي اتفاق سلام

في تحقيق مطول أجرته صحيفة "الغارديان" البريطانية عن حرب اليمن الدموية، روت قصة أيمن عسكر الذي كان معتقلا، قبل أربع سنوات، في سجن بجنوب اليمن، يقضي عقوبة بالسجن مدى الحياة بتهمة القتل. وهو الآن رجل ثري وهام، نسج صداقات مع مختلف أطراف الحرب الأهلية التي دمرت البلاد. وقد عُين مؤخرا مدير الأمن في منطقة كبيرة في مدينة عدن الساحلية الجنوبية، من الحكومة اليمنية. لكن "عسطر" صديق أيضا وحليق للإمارات، الشريك الأكثر عدوانية في التحالف الذي تقوده السعودية من أجل استعادة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي السيطرة، وقد أُجبر هذا الأخير على ترك منصبه من قبل التمرد الحوثي في ​​العام 2015.

وكتبت أنه على الرغم من أن استياء العالم الأكبر كان منصبا على السعوديين لتدخلهم الدموي في اليمن، إلا أن تأثير الإمارات أقوى في الأرض. وحلفاؤها في الجنوب، بما في ذلك المليشيات المحلية والمقاتلين السلفيين والانفصاليين في جنوب اليمن الذين يريدون الانفصال عن حكومة هادي، قد عُرفوا بمكافحة الوكلاء السعوديين في البلاد. ويتحالف، اليوم، "عسكر" مع حكومة اليمن والإمارات، ولكن منذ فترة ليست بعيدة كان مقربا من تنظيم القاعدة، عدو كليهما.

عندما كان مسجونا، أدار متجرا للبقالة في ساحة السجن وصالة ألعاب في إحدى الزنازين، وارتبط بصداقة مع أقوى المساجين من أعضاء القاعدة. صلى معهم، وحضر دروسهم، وأطلق لحيته، وبدأ يرتدون ملابس مثلهم، وإن كان أصدقائه يقولون إنه لم ينضم أبداً إلى القاعدة، بشكل صحيح، لأنه انتهازي أكثر من اللازم بما يتعذر عليه الارتباط بقضية واحدة.

عندما غزا مقاتلو الحوثي من شمال اليمن، المدعومين من إيران، الجنوب وأطاحوا بالحكومة في العاصمة صنعاء، أجبروا هادي على الفرار جنوبا إلى عدن، ثم إلى السعودية، كان "عسكر" لا يزال في السجن. لكن في خضم الفوضى التي أعقبت ذلك، اقتحم مقاتلو القاعدة السجن وأطلقوا سراح نزلائه. انضم "عسكر" إلى المقاومة وحارب ضد الغزاة الحوثيين إلى جانب أصدقائه الجهاديين، حيث أظهر أنه قائد ميداني لا يرحم، وقسم وقته بالتساوي بين القتال والنهب.

وبعد بضعة أشهر، طُرد الحوثيون من عدن من خلال مجموعة من المقاومة المحلية والانفصاليين الجنوبيين والقوات الحكومية وكذا الإماراتية والسعودية. ووسع "عسكر" من اهتماماته إلى ما هو أبعد من الجهاديين، فارضا ضريبة الحماية على الميناء مبتزا عمولة من كل شحنة مرت. وأصدرت الحكومة سلسلة من مذكرات الاعتقال، لكنه نجا منها جميعاً. وصادق قريباً الضباط الإماراتيين الذين وصلوا ضمن من القوات التي استولت على المدينة، وقضى فترات طويلة في دبي وأبوظبي، وأقام علاقات. وقد كوفئ على صداقته بعقد مربح، وانتقل بموجبه، منذ ذلك الحين، إلى الأعمال المربحة لنهب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية حول عدن.

في الواقع، ما عادت الحرب واحدة. وقد بدأ الصراع مع خصمين واضحين: التحالف الذي تقوده السعودية داعما للحكومة مقابل ميليشيات الحوثي التي تسندها إيران. لكن قوة وتمويل التدخل الخارجي، خاصة من الإمارات، قد ساعدا على تجزئة وتقسيم الحرب إلى صراعات متعددة ومناوشات محلية لن تنتهي بالضرورة بأي اتفاق سلام. اليمن الآن خليط من إقطاعات مدججة بالسلاح ومناطق فوضوية، حيث يزدهر القادة الميدانيون وتجار الحرب وكبار اللصوص، مثل أيمن عسكر.

والتحالف العربي الذي تقوده السعودية مليء بالنزاعات والمنافسات، حيث يعتمد كل واحد من أعضائه الرئيسيين خطة منفصلة ويتآمر ضد الآخرين. في تعز، وهي مدينة في وسط اليمن تعرضت للحصار والقصف من قبل الحوثيين منذ أكثر من ثلاث سنوات، انقسم المقاتلون في قوات التحالف إلى أكثر من عشرين مجموعة عسكرية منفصلة، بما في ذلك ميليشيات محلية مدعومة من الإمارات وترعاها، وكذلك تنظيم القاعدة وجهاديون آخرون. وبعض المقاتلين يغيرون ولاءهم لمن يدفع أكثر.

قبل عامين، عندما ذهب شيخ عشائري سني من البيضاء -على خط الصدع التقليدي بين الشمال الزيدية والمناطق السنية الجنوبية- لطلب المساعدة من الإمارات في معركته ضد الحوثيين، أخبره جنرال إماراتي أن المتمردين الحوثيين "ما عادوا من أولوياتنا أو أكبر عدو لنا". وقيل للشيخ إنه إذا كان يريد أسلحة من الإمارات، فإن عليه أن يقاتل "تنظيم الدولة" والقاعدة والإصلاح. والآن، هناك ثلاث قوى مختلفة تقاتل في أراضي الشيخ القبلي، كل منها مدعوم بأحد الأطراف الرئيسة (أو حتى طرفين) في التحالف: الإمارات العربية السعودية والحكومة اليمنية.

ويبدو، وفقا لتحقيق الصحيفة البريطانية، أن الإماراتيين هم الأعضاء الوحيدون في التحالف الذين لديهم إستراتيجية واضحة. إنهم يستخدمون جيوشاً خاصة قاموا بتشكيلها وتدريبها وتمويلها في محاولة للقضاء على كل من الجهاديين والأحزاب السياسية الإسلامية مثل الإصلاح. وعبر الساحل الجنوبي، حيث تتحالف الإمارات مع الحركة الجنوبية الانفصالية، التي تعارض كلا من الحوثيين وحكومة هادي، بنى الإماراتيون سلسلة من المعسكرات والقواعد العسكرية، وأسسوا دولة موازية ، خدماتها الأمنية الخاصة التي لا تخضع للمساءلة أمام الحكومة اليمنية. وقد كشفت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش عن وجود شبكة سجون سرية تديرها الإمارات ووكلاؤها.

لقد شملت الإستراتيجية العسكرية السعودية المتعثرة بشكل كبير قصف المدنيين بلا هوادة. لقد دفع حصارهم لموانئ اليمن ملايين الناس إلى حافة المجاعة. وفي السنتين الأخيرتين، تراجع تأثيرها في محاولة التسوية بين حليفيها: الإمارات والحكومة اليمنية. "كنا نأمل أن يتدخل السعوديون لوقف حماقة الإماراتيين، لكنهم ضائعون"، كما أبلغ الصحيفة قائد يمني مقيم في عدن في الصيف الماضي، موضحا: "الحرب لا تسير على ما يرام بالنسبة لهم، ولا يمكن إزعاجهم بما يحدث في الجنوب، لذا فقد سلموا هذا الملف إلى الإماراتيين".

ويظهر ما حققه الإماراتيون في اليمن (من إنشاء جيوش خاصة، ودعم الانفصاليين في الجنوب والتآمر لتدمير النظام السياسي، مع السيطرة على الممرات المائية الإستراتيجية في البحار العربية والحمراء) كيف تفرض دولة صغيرة وطموحة قوتها (التدميرية) في المنطقة والعالم.

ومع دعم الإمارات لعملية دعمت تحريرهم من سيطرة الحوثي، اعتقد سكان عدن أن مدينتهم سوف تصبح دبي القادمة، بالكهرباء والمياه والوظائف وأن عدن ستسترجع مجدها السابق. وميناؤها، الذي كان راكدا قبل الحرب، سوف يستعيد مكانته وسيعاد فتح السفارات. وفي الأشهر التي أعقبت رحيل الحوثيين في عام 2015، احتفل السكان بالإماراتيين على أنهم محررون، ورفعت أعلامهم على المحلات وفي الشوارع. ولكن الحقيقة كانت مختلفة. كانت "عدن المحررة" تشبه المدن الأخرى التي دمرتها الحروب المضادة التي أعقبت ثورات الربيع العربي.

وفي هذا، نقلت الصحيفة عن شيخ سلفي: "عندما انتهت المعركة [في عدن]، تُركنا في فوضى...قُسَمت المدينة إلى قطاعات، وكانت كل قوة أو ميليشيات تسيطر على جزء وتتصادم مع الآخرين". ومثل العديد من القادة اليمنيين، أصبح الشيخ زائرًا منتظمًا لدولة الإمارات العربية المتحدة ، ويتمتع بكرم ضيافة رعاته الجدد ويستريح من الوضع المتدهور في عدن. وفي إحدى زياراته إلى أبو ظبي، قال إنه التقى بأستاذ مسن ومستشار لمحمد بن زايد، ولي العهد الإماراتي ورئيس قواتها المسلحة، وكان هذا الأستاذ قد صاغ عبارة جديدة، the Gulfication of the Arabs" (خلجنة العرب)، والتي أصبحت متداولة بين النخبة الحاكمة في أبو ظبي، ولكي ينجح في بقية العالم العربي، وفقا للأستاذ، فإنهم يحتاجون إلى إتباع أنموذج الممالك الخليجية: التخلي عن الديمقراطية والتمثيل الشعبي مقابل توفير الرخاء المالي والأمن، وكان الشيخ السلفي سريع التحول.

وبعد عودته إلى عدن، عمل الشيخ مع جنرال إماراتي لتكوين وتدريب قوة أمنية جديدة موالية له وقادرة على مواجهة التهديد الجهادي المتزايد. وبينما كان الجميع يطالبون علانية بمساعدة مؤسسات الحكومة اليمنية وإعادة بناء جيش حديث، كان الواقع هو أن الإماراتيين أرادوا أن تسيطر قوتهم الموالية على عدن دون تدخل من الرئيس هادي، الذين رأوا أنه عقبة، خاصة أنه تحالف مع العدو الإماراتي: الإصلاح.

"لقد كان الجيش والشرطة اليمنيان الحاليَان مؤسسات فاسدة وفاشلة. لقد أراد الإماراتيون قوة جديدة"، كما صرح السلفي اليمني في حديثه لصحيفة "الغارديان"، مضيفا: "كانت الخطة تدريب وتجهيز قوة من 3000 مقاتلا، لكن انتهى بنا المطاف بقوة تعدادها 13000 مسلحا، لذلك قمنا بتقسيمهم إلى أربع كتائب". والقائد العام للقوة الجديدة -التي أُطلق عليها اسم "حزام الأمان"- وجميع قادة الكتائب كانوا جنوبيين وسلفيين، وكذلك بعض المقاتلين، وأصبح السلفي الشيخ أحد كبار القادة.

مع مرور الوقت، شكل الإماراتيون عديدا من الجيوش منتشرين عبر عدن وجنوب اليمن. ويعمل قادتهم أمراء حرب مستقلين، مع الدبابات والسجون والقوة الموالية لهم شخصيا. لا توجد قيادة مركزية تربط كل هذه القوى، ولا تملك الحكومة اليمنية سيطرتها عليها. وبدلاً من ذلك، فإنهم يعملون مباشرة تحت قيادة القائد العام الإماراتي، الذي يعيّنهم ويرفضهم حسب رغبته. وعلى عكس وحدات الجيش الحكومي اليمني، بأعدادها الضخمة وجنودها الذين يتقاضون أجوراً غير منتظمة، يحصل المقاتلون في القوات التي تسيطر عليها الإمارات على أجورهم بانتظام وهم يرتدون ملابس أفضل ومجهزين. إنهم يحتجزون ويذبحون ويقتلون مع الإفلات من العقاب.

وفي اليمن، وفقا لتقرير الأمم المتحدة الذي نشر العام الماضي، فإن جميع الأطراف، تقريبا، كانت تحتجز المشتبه بهم دون محاكمة وتعذب السجناء. كان الحوثيون يختطفون الكتاب والصحفيين وناشطي حقوق الإنسان حتى قبل بدء الحرب. لكن لا أحد يستطيع الاحتجاج على الاعتقالات والتعذيب والاختفاء القسري من قبل القوات التي ترعاها الإمارات. حملة إرهابية لم يسبق لها مثيل أعقبت تشكيل هذه القوات في العام 2016. وعندما سألت الصحيفة الشيخ السلفي عن هذه التجاوزات، قال إنها ارتكبت من قبل الشركاء المحليين للإمارات، مضيفا أن "سياسة استهداف واحتجاز المشتبه بهم من القاعدة مقبولة دوليًا، والإماراتيون شركاء مع الولايات المتحدة في ذلك".

وفي ظل حكم ابن زايد العدواني، احتضنت الإمارات سياسة خارجية أكثر حزماً، تهدف إلى إظهار الإمارات قوة إقليمية. ولدى الإمارات في اليمن ثلاث مهام مركزية منفصلة عن دعمها للتحالف السعودي: أولاً، سحق "الإسلام السياسي" بأي شكل. ثانياً، السيطرة على الخط الساحلي الإستراتيجي للبحر الأحمر  عبر مضيق ضيق من القرن الأفريقي، حيث أنشأت الإمارات قواعد عسكرية في جيبوتي وإريتريا. وثالثا، تطوير وتعزيز قواتها الخاصة، التي تدرب وتشرف على وكلاء محليين، مثل قوات الحزام الأمني.

** لقراءة التحقيق كاملا: https://www.theguardian.com/news/2018/dec/21/yemen-uae-united-arab-emirates-profiting-from-chaos-of-civil-war

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر