"فورين بوليسي": قرار ترامب بالانسحاب لم يكن مفاجئا والأكراد كانوا على علم به ورفضوا دعمهم بقوات عربية

2019-1-4 | خدمة العصر

لقد صُوِّر تحول الرئيس في السياسة على أنه مفاجأة، لكن آلية السياسة الخارجية الأمريكية كانت مكلفة بهدوء بالتحضير لها قبل أشهر، كما كتب مارك بيري، وهو مؤلف ومراسل، وآخر كتاب له بعنوان "حروب البنتاجون: الحرب العسكرية غير المعلنة ضد الرؤساء الأميركيين".

من المستحيل تقريباً تغيير روايات واشنطن عندما تُعتمد. ومثال ذلك، كان قرار الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا، وقد أدانته فيها أصوات بارزة في السياسة الخارجية، ورأت فيه اندفاعا خطيرا وخيانة لحلفاء أميركا: الأكراد. والأسوأ من ذلك، جاء أمر الانسحاب، كما يقول هؤلاء الخبراء أنفسهم، بسبب علاقات ترامب التنفيذية بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومؤخرا: السناتور الأمريكي راند بول.

لكن الرواية لا تناسب مع واقع قرار ترامب في سوريا. وبعيدًا عن قصة المفاجأة والمباغتة، قال الكاتب في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" أن كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية والبنتاغون كُلفوا في وقت سابق من عام 2018 بالتخطيط للانسحاب النهائي. ومع أن قرار ترامب في سوريا قد اتُخذ من دون "مراجعة مشتركة بين الوكالات، أو نتاج عملية طويلة الأمد تطوّر الخيارات بطريقة منهجية"، أو حتى "مداولات مع الحلفاء"، إلا أن فكرة أن قرار ترامب صدم مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن بحاجة إلى إعادة نظر.

وهنا، نقل الكاتب عن أحد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية، والذي يعمل في قضايا الشرق الأوسط، الأسبوع الماضي، قوله: "لم تكن هذه مفاجأة...لقد كنا نتحدث عن إخراج قواتنا من سوريا منذ مارس الماضي على الأقل". ووفقاً لهذا المسؤول، فإن الحديث عن الانسحاب الذي بدأ في مارس 2018 كان نتيجة لتوجيه من البيت الأبيض مرَره وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي أخبر مساعديه أن الرئيس أمهله ووزير الدفاع، جيمس ماتيس، ستة أشهر لتحضير الإعلان الانسحاب. وأضاف المسؤول في وزارة الخارجية: "كانت الساعة تدق...لذلك كنا نعرف أن لدينا حتى سبتمبر، ولكن ليس أكثر من ذلك. كان فهمي أن بومبي وماتيس كانا مقيدين بوقا قصير. كانوا يتعاملون مع الموعد النهائي، وكانوا يعرفون ذلك".

في الواقع، فإن تأخير إعلان الانسحاب حتى الأسبوع الثالث من شهر ديسمبر 2018، لم يقوض هذا الجدول الزمني، وقال لي: "اعتقدت أن هذا سيأتي في سبتمبر". وأضاف المسؤول، كما نقل عنه الكاتب: "في الحقيقة، حصلنا على شهرين إضافيين. اسمع، اعتقدوا [بومبيو وماتيس] أنهم يستطيعون التحدث إلى ترامب للخروج من هذا الجدول الزمني...وعلى الرغم من هذا الأمل، بدأ كل من بومبيو وماتيس بالامتثال لرغبات ترامب. وابتداء من أبريل الماضي، عمل ماتيس وبومبو على مسارين مختلفين، حيث قام ماتيس بتقليص العمليات العسكرية المعادية لتنظيم "داعش" في المنطقة، وعمل بومبيو على تشكيل هجوم دبلوماسي من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة صوتاً في سوريا بمجرد انتهاء الحرب الأهلية.

"أراد ماتيس إنهاء جميع العمليات القتالية البرية الرئيسة في العراق وسوريا بحلول الجزء الأخير من أبريل"، كما قال المسؤول، "وأكد هذا رسميا في 30 أبريل، حتى إنه اعترف بشكل خاص أنه لم يبق الكثير في قتال "داعش". بالإضافة إلى إعلان "ماتيس"، يقول كبار ضباط البنتاغون، بدأت الحكومة الأمريكية في إعادة صياغة اللغة التي تستخدمها في وصف المعركة ضد هذه المجموعة. إذ استعمل بعد فترة عبارة "الهزيمة الدائمة للجماعة الإرهابية"، وهي التي استُخدمت مرارا وتكرارا من قبل ضباط كبار في الجيش يشرفون على محاربة "تنظيم الدولة".

ولتجاهلها من قبل أكثر الجمهور، لم يغب مضمون لغة "الهزيمة الدائمة" عن مؤسسة صنع السياسة في واشنطن: يمكن أن تقتل الولايات المتحدة الكثير من مقاتلي "داعش"، لكن الفكرة القائلة بأنها يمكن أن تقضي على الإيديولوجية الراديكالية التي دفعتهم وحرضتهم، فإن هذا لن يحدث. بحلول نهاية الصيف، أصبحت اللغة الجديدة نقطة صيغة حديث مقبولة لكل من الدبلوماسيين الأمريكيين وكبار الضباط العسكريين. "بحلول سبتمبر، انحصرت بقايا "داعش" في سوريا في جيوب صغيرة قليلة"، كما أفاد المسؤول البارز في وزارة الخارجية، مستدركا: "وفي الحقيقة، لم يُعتبر ذلك حدثا كبيرا".

إلا أن الجزء الأكثر أهمية في تخطيط الانسحاب كان في يد وزارة الخارجية. وبدءًا من أبريل 2018، كلف الوزير بومبيو مكتب شؤون الشرق الأدنى في الإدارة بالإشراف على عدد من المبادرات المرتبطة بشكل وثيق بقرار الانسحاب. الأولى تضمنت مشاورات وثيقة مع قادة "قوات سوريا الديمقراطية"، الذين أُبلغ قادتهم بأن الولايات المتحدة ستسحب قواتها بحلول نهاية العام. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الذي تحدثت إليه الكاتب: "لم نخبر قادة "قسد" بأن الانسحاب لا بد منه، لكن التحذيرات كانت واضحة.... والادعاء بأن الأكراد أخذوا على حين غرة أمر غير صحيح، أُطلعوا على هذا الأمر، وكانوا يعلمون أن هذا سيحدث".

وكانت المبادرة الثانية خطة لإقناع دول الخليج بجلب المقاتلين لتعزيز الأكراد وتقويتهم عسكريا حال مغادرة أمريكا. وكان من المفروض أن تفشل هذه الفكرة: وكان من المفروض أن تفشل هذه الفكرة: "قال السعوديون إنهم مستعدون لتوفير بعض القوات، لكن لم تعجبهم الفكرة"، كما قال مسؤول وزارة الخارجية، "وكان هناك حديث عن أن بعض تلك القوات سيكون سودانية.. لكن في النهاية، كان الأكراد هم الذين رفضوا الفكرة. لم يرغبوا في إسنادهم بقوات عربية. لكن بصراحة، أعتقد أن الأمر برمته كان ميتًا منذ البداية. لقد حاولنا ذلك، ولم ينجح عمليا. فهل سننشر السعوديين على الأرض، وتحتك أكتافهم بأكتاف الأتراك في سوريا؟ هذا لا يمكن".

كانت المبادرة النهائية هي ما أطلق عليه المسؤول "طفرة دبلوماسية" بدأها ورصدها بومبيو بنفسه، ولكن نُفذت من قبل كبار المسؤولين في وزارة الخارجية من الدبلوماسيين المخضرمين: بريان هوك، مستشار السياسة في الإدارة العليا (ومبعوث كبير مكلف بإيران)، وديفيد ساترفيلد  القائم بأعمال رئيس مكتب شؤون الشرق الأدنى بالوكالة، وجيمس جيفري، الذي عُين من قبل بومبيو في أغسطس 2018 المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا. وقد انضم إلى الثلاثة موظفان آخران لهما خبرة واسعة في المنطقة: مساعد مجلس الأمن القومي السابق والعقيد المتقاعد، جويل ريبورن، وبريت ماكغورك، المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف المناهض لتنظيم "داعش".

وفي هذا، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية: "في أبريل، كان لدينا حوالي 10 دبلوماسيين يعملون في المسألة السورية، لكن بحلول شهر أغسطس قفز الرقم على 20، إذ ضاعف الوزير "بومبيو" العدد". وكان تعيين جيفري من قبل الإدارة في أغسطس الماضي إشارة رمزية إلى تركيز "بومبو" على إيجاد طريقة لإقحام  الولايات المتحدة مرة أخرى في اللعبة السورية، والتي تضمنت التحدث إلى الروس والأتراك حول اتفاق من شأنه إبعاد بشار الأسد، وحماية الأكراد، وتسريع الحل السياسي المنبثق عن المفاوضات في جنيف، وبعد ذلك في أستانا بكازاخستان. لكن هذه المبادرة الثالثة، مثلها في ذلك مثل الثانية، لم تسفر عن شيء. وقال مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية: "كنا متأخرين ولم يكن أحد يستمع إلينا...كنا نتطلع إلى الخارج. كان الأمر محبطًا جدا".

لكن في بعض الأحيان، بدا أن جيفري ينظر إلى مهمته على أنها تعطل العملية الدولية، مستبدلا النتائج المحتملة بالتفكير بالتمني. في 3 ديسمبر 2018، أي قبل أسابيع من إعلان انسحاب ترامب، أوضح جيفري أن الولايات المتحدة لديها "مهمة واحدة" في سوريا: "هزيمة دائمة لداعش"، ولكن "لسبب ما ، خرج عن النص"، كما نُقل للكاتب، بالإصرار على أن الولايات المتحدة لن تغادر إلا عندما استيفاء جميع شروطها، والتي تشمل "انسحاب جميع القوات التي تقودها إيران من سوريا بأكملها، وعملية سياسية ثابتة لا تتبدل". في الواقع، وكما لاحظ كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية، فإن الشروط الأخرى لجيفري ورطت الولايات المتحدة في منحدر خطابي، متطلعة إلى نتائج لم يذكرها ترامب، وليس هذا فحسب، بل كان من المستحيل تحقيقها.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر