آخر الأخبار

"نيويورك تايمز": هجرة عقول وخبرات ورؤوس أموال وتحويل المليارات من تركيا لفقدان الثقة بـ"رؤية" أردوغان

2019-1-3 | خدمة العصر

على مدى 17 عاماً، فاز الرئيس رجب طيب أردوغان بالانتخابات اعتمادا على الرؤية التي عرضها على الناخبين باستعادة أمجاد الماضي العثماني في تركيا. وسع نفوذ بلاده مع زيادة الانتشار العسكري والتجاري، ورفع مستويات المعيشة مع سنوات من النمو الاقتصادي غير المنقطع.

ولكن بعد انقلاب فاشل في عام 2016، شرع أردوغان في حملة قمع كاسحة. وفي العام الماضي، انحسر الاقتصاد وانخفضت الليرة بعد أن فاز بإعادة انتخابه بسلطات أكبر. وبينما تتسرب المحسوبية والسلطوية إلى مستوى أعمق في إدارته، فإن الأتراك قد يصوتون بشكل مختلف. إنهم يغادرون البلاد بأعداد كبيرة ويأخذون الخبرة ورأس المال معهم بطريقة تشير إلى حالة فقدان ثقة واسعة، مما يثير قلق أردوغان ورؤيته، وفقا لإحصاءات الحكومة والمحللين، كما أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير أعدته من اسطنبول.

في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة، لم يكتف الطلاب والأكاديميون بالفرار من البلاد فحسب، بل أيضًا مجموعة من رجال الأعمال والمقاولين وآلاف الأفراد الأثرياء الذين يبيعون كل شيء وينقلون عائلاتهم وأموالهم إلى الخارج. وقد هاجر أكثر من ربع مليون تركي في عام 2017، وفقاً للمعهد التركي للإحصاء، بزيادة قدرها 42٪ عن العام 2016، عندما غادر البلاد حوالي 178 ألف تركي.

وهنا، نقلت الصحيفة عن إبراهيم سيركيسي، مدير الدراسات العابرة للحدود في جامعة ريجنت بلندن، ومحللين آخرين، أن تركيا شهدت مغادرة موجات من الطلاب والمعلمين من قبل، لكن هذا النزوح يبدو وكأنه إعادة ترتيب أكثر ديمومة للمجتمع، ويهدد بإعادة تركيا لعقود من الزمن، إذ إن "هجرة العقول حقيقية"، كما قال سيركجي.

وقال تقرير الصحيفة إن رحلة الناس والموهبة ورأس المال، كل هذا مدفوع بمزيج قوي من العوامل التي أصبحت تحدد ملامح الحياة في ظل حكم أردوغان، وأن خصومه المتزمتين يائسون من البقاء في البلد. ويشمل هذا المزيج من الدوافع الطاردة الخوف من الاضطهاد السياسي، والإرهاب، وعدم الثقة المتعمقة في السلطة القضائية وتعسف حكم القانون، وتدهور مناخ الأعمال، وتسارع المخاوف من أن أردوغان يتلاعب بشكل غير مباشر بإدارة الاقتصاد لمصلحة دائرة ضيقة.

والنتيجة هي أنه لأول مرة منذ تأسيس الجمهورية قبل قرن تقريبًا، بدأ كثير من المحسوبين على الطبقة المالكة القديمة، ولا سيَما النخبة العلمانية التي هيمنت على الحياة الثقافية والتجارية لتركيا على مدى عقود، يبتعدون، ويحل مكانهم الأغنياء الجدد المقربون من أردوغان وحزبه الحاكم. و أحد هؤلاء المغادرين، ميرف بايندير، 38 سنة، التي انتقلت إلى لندن بعد أن أصبحت مصممت قبعات في منطقة نيسانتاسي الأنيقة في اسطنبول. "نحن نبيع كل شيء"، كما قالت في مقابلة أثناء رحلة العودة إلى اسطنبول الشهر الماضي لإغلاق ما تبقى من تجارتها التي تديرها مع والدتها، وبيع منزلهم المكون من أربعة طوابق.

كانت السيدة بايندير مشاركة نشطة في احتجاجات عام 2013 ضد محاولة الحكومة لتطوير ميدان تقسيم في اسطنبول. وقالت إنها لا تزال مصدومة من العنف والخوف في مدينتها. واتهم أردوغان المتظاهرين بأنهم من الجانحين، وبعد أن تعرضوا لعمليات اعتقال ومضايقات كثيرة غادروا البلاد. وأضافت: "هناك الكثير من التمييز، ليس الثقافي، وفقط، ولكن أيضا الشخصي، والغضب والعنف من المستحيل التعامل معه...". وقد تقدم آلاف الأتراك من أمثالها بطلبات للحصول على تأشيرات عمل في بريطانيا أو برامج تأشيرات ذهبية في اليونان والبرتغال وإسبانيا، والتي تمنح المهاجرين الإقامة إذا اشتروا العقارات على مستوى معين. كما تضاعفت طلبات اللجوء في أوروبا من قبل الأتراك في السنوات الثلاث الأخيرة، وفقا لسيرككي، الذي درس هجرة الأتراك إلى بريطانيا لمدة 25 عاما.

ويُقدر أن 10 آلاف تركي استفادوا من خطة تأشيرات العمل للانتقال إلى بريطانيا في السنوات القليلة الماضية، مع قفزة حادة في الطلبات منذ بداية عام 2016. وهذا ضعف العدد من عام 2004 إلى عام 2015. وأضاف أن طلبات الأتراك للحصول على اللجوء السياسي قفزت ثلاثة أضعاف في بريطانيا في خلال الأشهر الستة التي تلت المحاولة الانقلابية ، وستة أضعاف بين الأتراك المتقدمين بطلب اللجوء في ألمانيا، نقلا عن أرقام تم الحصول عليها من وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. قفز عدد الأتراك المتقدمين لطلب اللجوء في جميع أنحاء العالم بمقدار 10000 في عام 2017 إلى أكثر من 33000.

وكانت نسبة كبيرة من هؤلاء الفارين من أتباع فتح الله غولن، وهو واعظ مقيم في بنسلفانيا، متهم بالتحريض على انقلاب عام 2016، أو من الأشخاص المتهمين بأنهم أتباع، وغالباً ما يكون استنادا لأدلة واهية. وقد أُبعد عشرات الآلاف من المعلمين والأكاديميين عن وظائفهم بعد الانقلاب، بما في ذلك المئات الذين وقعوا عريضة سلام تدعو الحكومة إلى وقف العمل العسكري في المدن الكردية والعودة إلى عملية السلام. والتحق المئات منهم بوظائف في الخارج.

لقد حاول أردوغان أن يجعل تركيا أكثر محافظة وتدينًا، مع طبقة وسطى متنامية ودائرة ضيقة من النخب الذين يدينون له بشكل خاص لنجاحهم الاقتصادي. وفي هذا، رأى بيكير أغيردير، مدير شركة كوندا لاستطلاعات الرأي، أن هروب رأس المال والموهبة هو نتيجة هذا الجهد الواعي لأردوغان لتغيير المجتمع. وباعتماد الإعانات والعقود المواتية، ساعدت الحكومة الشركات الجديدة على البروز لتحل محل الشركات القديمة بسرعة: "هناك نقل لرأس المال...إنها الهندسة الاجتماعية والسياسية".

وقد حذر إيلكير بيربيل، وهو عالم رياضيات يواجه اتهامات بالتوقيع على عريضة السلام، وترك تركيا ليشغل منصبا في جامعة إراسموس في روتردام بهولندا، من أن البلاد تفقد ناسها بشكل دائم. وقال بيربيل، مستشهدا بالمناخ السياسي المستقطب في البلاد: "الناس الذين يغادرون لا يريدون العودة...هذا مثير للقلق بالنسبة لمستقبل تركيا". وأضاف: "لقد تلقيت العديد من رسائل البريد الإلكتروني من الطلاب والأصدقاء الذين يحاولون الخروج من تركيا".

وهنا، نقلت الصحيفة عن إيرهان إيركوت، مؤسس جامعة MEF في اسطنبول، التي تدرس الابتكار وريادة الأعمال، إن الطلاب يئسوا من التغيير جزئيا لأنهم نشأوا وأردوغان في السلطة لمدة 17 عاما....هذه هي الحكومة الوحيدة التي رأوها، ولا يعرفون أن هناك إمكانية أخرى". وقال "سيركجي" من جامعة ريجنت إن الأسر تقيم شركات في الخارج ليرثها الجيل القادم، مضيفا أن العديد من الطلاب في هذه الجامعة الخاصة يدخلون في هذه الفئة.

وأفاد تقرير الصحيفة أن ما لا يقل عن 12 ألفا من أصحاب الملايين في تركيا -حوالي 12 في المائة من طبقة الأثرياء في البلاد- قاموا بنقل أصولهم إلى خارج البلاد في عامي 2016 2017، وفقاً لتقرير سنوي أصدره بنك AfrAsia. وأوضح هذا التقرير أن معظمهم انتقلوا إلى أوروبا أو الإمارات العربية المتحدة. وقد أُدرج أكبر مركز تجاري في تركيا، اسطنبول، ضمن أفضل سبع مدن في العالم تعاني من نزوح جماعي للأثرياء. وفي العام الماضي، تأرجح الاقتصاد التركي وهوت الليرة بعد أن فاز أردوغان بإعادة انتخابه بسلطات أكبر. وقال التقرير "إذا نظر المرء إلى أي انهيار كبير في تاريخ البلاد، فإنه يسبقه عادة هجرة الأثرياء بعيدا عن ذلك البلد". لقد وصف أردوغان رجال الأعمال الذين نقلوا أصولهم إلى الخارج مع بدء الاقتصاد التركي في التعثر، بـ"الخونة".

 وجاءت تصريحاته وسط تقارير تفيد بأن بعض أكبر الشركات التركية أنهت أعمالها في تركيا. وقامت  العديد من هذه الشركات بإجراء تحويلات كبيرة لرأس المال في الخارج، وسط مخاوف من أن يتم استهدافها في حملة ما بعد الانقلاب أو عندما يبدأ الاقتصاد في الانكماش، وأولاها، شركة الأغذية التركية العملاقة "يلدز" القابضة، التي تعرضت لانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي لارتباطها بحركة غولن. فبعد فترة وجيزة، أعادت شركة "يلديز" جدولة ديون بقيمة 7 مليارات دولار وباعت أسهماً من الشركة التركية لصناعة البسكويت، أولكر، إلى الشركة القابضة التي تتخذ من لندن مقراً لها، مما أدى في الأساس إلى تحويل الأغلبية التي تملكها عائلة أولكر إلى خارج المحاكم التركية.

** رابط التقرير الأصلي: https://www.nytimes.com/2019/01/02/world/europe/turkey-emigration-erdogan.html


تم غلق التعليقات على هذا الخبر