آخر الأخبار

الرجوع إلى "الصفقة" القديمة من 1953 إلى 1979: أمريكا تريد إعادة شاه إيران إلى الحكم

2019-1-2 | خدمة العصر الرجوع إلى

رجل وكالة الاستخبارات المركزية جاهز. لقد تم إعداده منذ أن كان عمره 17 عامًا. يعيش ليس بعيدا عن مقر الوكالة في لانغلي بولاية فيرجينيا، هو رضا بهلوي، ولي عهد إيران، وفقا لتقديرات الكاتب في الشؤون السياسية والخارجية الأمريكية "ديفيد ويليام بير".

قصة الولايات المتحدة مع شاه إيران طويلة تمتد من 1953 إلى 1979، فعلى مدار 25 عامًا، كانت إيران حجر الزاوية في السيطرة الأمريكية على المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية بعد إزاحة بريطانيا. كانت إيران قاعدة لفرض القوة الأمريكية في المنطقة، وكانت إستراتيجياً تحدها الاتحاد السوفييتي في خلال الحرب الباردة.

في أوائل القرن العشرين، كانت الإمبراطورية البريطانية تسيطر بالكامل على صناعة النفط الإيرانية، وكانت تدفع رسمًا ثابتًا لكل برميل نفط. إن الحساب التقريبي لعوائد إيران يتراوح بين 8٪ إلى 16٪ من الأرباح، لكن إيران لم يُسمح لها مطلقاً بالاطلاع على الحسابات المالية.

قبل إطاحة وكالة "سي آي إيه" في العام 1953 لحكومة محمد مصدق، طُلب من إيران 50٪ من أرباحها ومراقبة صناعتها النفطية. وكان هذا غير معقول، لكن إيران كانت مستعدة للتفاوض. في ذلك الوقت ، كان لدى شركات النفط الأمريكية اتفاق تقاسم أرباح 50/50 مع المملكة العربية السعودية.

رفض البريطانيون أي تسوية متفاوض عليها. في ذلك الوقت، صوت البرلمان الإيراني بقيادة مصدق على تأميم صناعة النفط الإيرانية. رد البريطانيون بحصار بحري، وبدأوا بالتآمر للإطاحة بمصدق وبرلمانه. وكان مصدق، باعتباره رئيسا للوزراء، يملك أكبر سلطة سياسية في إيران لأن الناس كانوا وراءه. كان شاه إيران في الغالب حاكما صوريًا في ذلك الوقت.

الرئيس هاري ترومان كان يعارض بشدة الاستعمار ووقف مع إيران، وأغضب هذا البريطانيين. عندما تولى الرئيس أيزنهاور منصبه في عام 1953، انحاز إلى جانب البريطانيين. رسم أيزنهاور وتشرشل انقلابا للإطاحة بمصدق. الشاه المرعوب، الذي كان جزءا من المؤامرة، فر من إيران قبل العملية الانقلابية تحسبا لأي خطأ. المحاولة الأولى فشلت. ونجح انقلاب آخر بقيادة وكالة "سي آي إيه" وأعادت الولايات المتحدة تثبيت محمد رضا بهلوي شاها لإيران مع السلطة الدكتاتورية.

وبتدخلها، كسرت الولايات المتحدة احتكار الإمبراطورية البريطانية للنفط الإيراني. وكان ذلك جزءًا من تخطيط أمريكي. بعد الانقلاب، حصلت شركات النفط الأمريكية على 40٪ من صناعة النفط الإيرانية، و14٪ لشركة رويال داتش شل، و6٪ ذهبت إلى شركة البترول الفرنسية، وقد حافظت شركة النفط البريطانية على 40٪. بالإضافة إلى ذلك، حصلت إيران على حصة 50/50 من الأرباح الصافية، وهو ما كانت ترغب فيه ابتداء. وأرسلت الولايات المتحدة على الفور مساعدات مالية لدعم الشاه وتعزيز الاقتصاد الإيراني الضعيف بسبب الحصار البريطاني.

ولو كان البريطانيون مرنين في البداية، وفقا لتقديرات الكاتب البريطاني، لأعادوا التفاوض بشأن صفقة نفطية بقيمة 50/50 مع رئيس الوزراء مصدق، ولكان الانقلاب أقل احتمالا.. كانت إيران تطور حكومة ديمقراطية علمانية، وربما أصبحت أنموذجاً لبلدان ما بعد الاستعمار في المنطقة.

وبما أن إيران كانت دولة ديمقراطية ناشئة، كان يجب إيجاد عذر لتدخل الولايات المتحدة. اتهم تشرشل مصدق بأنه شيوعي، ولم يكن ثمة دليل على أنه كذلك. كان مصدق من القوميين المناهضين للاستعمار، وكان يهتم برفاهية الشعب الإيراني. ولكن، كان لا بد من معاقبة مصدق على وقوفه في وجه البريطانيين ومطالبته بموارد إيران الطبيعية لصالح الشعب الإيراني.

كان الفائزون من الانقلاب هم الولايات المتحدة والشاه الفزع الذي هرب من شعبه. سوف تعلمه الولايات المتحدة كيف يكون له شوكة. لقد تبين أنه تلميذ جيد، إذ بدعم من الولايات المتحدة، حول إيران إلى دولة بوليسية استبدادية وحكمها بالإرهاب. حصل الشاه على حماية الولايات المتحدة من شعبه ومن أعدائه الأجانب.

نظرت الولايات المتحدة إلى الاتجاه الآخر من فساد الشاه، إذ عمل على تكديس الدولارات في حسابات مصرفية أجنبية وملأ جيوبه الخاصة وجيوب حاشيته والدائرة القريبة منه. وحصلت الولايات المتحدة على جزء كبير من صناعة النفط الإيرانية، وأعطت إيران موقعًا مهمًا إستراتيجيًا للانتشار الأمريكي العسكري. أما بالنسبة لشعب إيران، فلا يزالون يعيشون في فقر مدقع وأمية.

والآن بعد رحيل الشاه، ضخت آلة الدعاية الأمريكية ووسائل الإعلام الرئيسة طوفانا من القصص حول روعة الحياة تحت حكم الشاه. ويستخدم المسوقون المؤشرات الاقتصادية للتضخم والعمالة والناتج المحلي الإجمالي وصادرات النفط ومستوى المعيشة للطبقة العليا.

تخضع إيران لعقوبات اقتصادية شديدة تفرضها الولايات المتحدة منذ 40 عامًا. وتهدد الولايات المتحدة إيران بأن "كل الخيارات مطروحة على الطاولة" منذ عقود، كما أثارت الولايات المتحدة الاضطرابات داخل إيران ودعمت الهجمات الخارجية من قبل مجموعات مناهضة لحكم الملالي مثل "مجاهدي خلق".

كانت منظمة "مجاهدي خلق" على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للتنظيمات الإرهابية إلى أن أُزيلت من قبل وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون، في العام 2012. وبالرغم من أن منظمة "مجاهدي خلق" قتلت أمريكيين في هجمات مسلحة، فإن هذا لم يمنع بعض السياسيين الأمريكيين من قبول الحديث في مؤتمراتها، وحتى عندما كانت المنظمة لا تزال مدرجة على قائمة الإرهابيين في الولايات المتحدة.

كان للمشروع الأمريكي لتدمير الاقتصاد الإيراني تأثير مدمر. والحرب الباردة ضد إيران لا تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، إذ إن إيران ليست تهديدًا وجوديًا للولايات المتحدة أو لإسرائيل. إنه يتعلق بعرقلة استغلال الشركات الأمريكية للموارد الطبيعية الإيرانية وخصخصة مؤسساتها المملوكة للدولة وسماح إيران لترتيبات تجارية غير متكافئة، كما يتعلق الأمر بهيمنة الولايات المتحدة على المنطقة.

لن تغفر الولايات المتحدة أبدًا لإيران إغلاق صفقة الاستغلال الأمريكية. مع التزام الشاه تجاه شركات النفط، كان زبونًا كبيرًا جدًا لمصنعي الأسلحة الأمريكيين، مثل جنرال دايناميكس ولوكهيد ونورثروب. كما انخرط بقوة في برنامج الرئيس أيزنهاور من أجل السلام. وبطلب من الولايات المتحدة، بدأت إيران برنامجها النووي في عام 1957.

وكان بيع الأسلحة والتكنولوجيا النووية عملاً جيدًا لمصنعي الأسلحة والصناعة النووية. الشركات الأمريكية، مثل جنرال إلكتريك ووستنغهاوس، باعت إيران المعدات والتكنولوجيا النووية، بالإضافة إلى وقود اليورانيوم المخصب. كما إنهم باعوا اليورانيوم عالي التخصيب المستخدم في صناعة الأسلحة، وهو الأكثر كفاءة لإنتاج الكهرباء، وإنتاج القنابل الذرية أيضًا.

غضب الجمهور والصحافة في الولايات المتحدة عندما اقتحم الثوار السفارة الأمريكية في طهران. في الولايات المتحدة، بدأ البث الإخباري التلفزيوني كل ليلة بعدد الأيام التي مرت منذ بداية أزمة الرهائن الإيرانيين. واستمر الأمر لمدة 444 يومًا، وأسفر عن خسارة الرئيس كارتر لإعادة انتخابه أمام رونالد ريغان عام 1980.

بدلاً من الشاه الإمبراطوري، بشرت الثورة الإيرانية بزعيم إسلامي لرئاسة الحكومة. بدت فكرة تحول إيران إلى دولة دينية قديمة بالنسبة للأميركيين. لم يعرفوا أن آية الله الخميني كان بطلا قوميا منذ أوائل الستينيات. وقد اعتقل وعذب وسجن ثم نفي إلى فرنسا بسبب معارضته الصريحة للشاه.

لم يستطع الرأي العام الأمريكي أن يفهم لماذا أصبحت إيران معادية للولايات المتحدة، ومعادية للغرب، ومعادية للحداثة، وبدت أنها متعصبة. كان التطهير العنيف لأصدقاء الشاه والمعارضة مروعًا. جلب المؤيدون الإيرانيون للشاه الذين فروا إلى الولايات المتحدة معهم حكايات وحشية عن الانتقام الهمجي. لم يكن لدى الرأي العام الأميركي أي فكرة عن سبب كره الشعب الإيراني للولايات المتحدة. ظلت الحقائق سرية من العامة لسنوات

ونشرت، أخيرا، وزارة الخارجية وثائق في عام 2017. ولم يعرف الجمهور لعقود عديدة أن الولايات المتحدة، أن الولايات المتحدة، من الرئيس آيزنهاور إلى أسفل من خلال وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية، هي التي أطاحت بالحكومة الشعبية المنتخبة ديمقراطيا لرئيس الوزراء محمد مصدق. لكن الشعب الإيراني كان يعلم أن الولايات المتحدة هي التي وضعت نظام محمد رضا بهلوي الوحشي على العرش.

لم يكن الجمهور الأمريكي يعرف عن قمع الشاه والسجناء السياسيين وغرف التعذيب والاغتيالات وحالات الاختفاء والإعدام. لم تغض الحكومة الأمريكية الطرف عن الوحشية فحسب، بل كانت وكالة المخابرات المركزية (والموساد الإسرائيلي) هي المشرفة والمرشدة لشرطة الشاه السرية: "سافاك".

كان انفجار الثورة الإيرانية عام 1979، وأزمة الرهائن، وعداء الشعب الإيراني لحكومة الولايات المتحدة، النتيجة المباشرة لحوالي 25 سنة من رعاية الولايات المتحدة للشاه، إذ لم يكن أكثر من دمية في يدها. وكما قال كيرميت روزفلت، الذي كان مدير مكتب "لسي آي إيه" في طهران عام 1953، عن الشاه: "إنه ولدنا". لقد كان روزفلت هو من صمم ونفذ الانقلاب الذي جلب الشاه إلى السلطة. وكان الاسم الرمزي للانقلاب هو "أجاكس".

ومثلما يحاول ترامب التغطية على ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، (كما أشار الكاتب والصحافي توماس فريدمان)، حاول الرئيس جيمي "حقوق الإنسان" كارتر التستر وإيواء محمد رضا بهلوي بعد الثورة الإيرانية. كان الشعب الإيراني يرغب في اعتقال أمريكا للشاه وتسليمه إلى بلدهم.

وقد استدرَ هنري كيسنجر وديفيد روكفلر شفقة كارتر لقبول لجزء الشاه إلى الولايات المتحدة لأسباب صحية. وبعد الكثير من التذبذب وافق كارتر، وكان هذا الأخير على علاقة شخصية ودية مع الشاه. وافق كارتر على قدوم الشاه إلى الولايات المتحدة في 21 أكتوبر 1979. وفي 4 نوفمبر، 1979 استولى الطلاب الثوريون على السفارة الأمريكية في طهران، وطالبوا تسليم الشاه مقابل إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين. قال كارتر إنه يرفض الاستسلام لـ"ابتزاز" مجموعة من "الإرهابيين". ظل مترددا بعض الوقت إلى أن طرد كارتر الشاه من الولايات المتحدة. وتوفي في مصر عام 1980.

وردا على أزمة الرهائن، فرضت الولايات المتحدة عقوبات أحادية الجانب على إيران، وأوقفت بيع النفط وجمدت أصولها في الولايات المتحدة وفرضت حظرا على إيران، بما في ذلك الإمدادات الإنسانية، وقطعت العلاقات الدبلوماسية معها.

ليس من قبيل الصدفة أن إيران أطلقت سراح الرهائن الأمريكيين في غضون ساعات من أداء رونالد ريجان اليمين الدستورية رئيسا للبلاد عام 1981. وما زالت ظروف وتوقيت إطلاق سراح الرهائن مثيرة للجدل. وعلى الأرجح، يعود الفضل لكارتر في التفاوض الناجح على إطلاق سراح الرهائن. لكن لماذا أطلق الإيرانيون الرهائن؟ لا يزال هذا لغزا.

في عام 1980 غزا العراق إيران وبدأت الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت حتى عام 1988. وسواء أعطت الولايات المتحدة "الضوء الأخضر" لصدام حسين لغزو إيران أم لا، فإن الولايات المتحدة لم تحاول منع أو وقف العراق. وقد كتب، حينها، "دكستر فيلكينز" في مجلة "نيويوركر":

"لقد استفاد قادة إيران درسين من الحرب الإيرانية العراقية: الأول، أن إيران كانت محاطة بالأعداء القريبين والبعيدين. بالنسبة للنظام، لم يكن الغزو مؤامرة عراقية بقدر ما هو مخطط غربي. وكان المسؤولون الأمريكيون على علم بتحضير صدام لغزو إيران في عام 1980، وقاموا في وقت لاحق بتزويده بمعلومات الاستهداف المستخدمة في هجمات الأسلحة الكيميائية. وحتى الأسلحة نفسها كانت بمساعدة الشركات الغربية. وكان الدرس الآخر المستمد من الحرب الإيرانية العراقية عدم جدوى المواجهة المباشرة. بدلاً من ذلك، كان عليهم بناء القدرة على شن حرب غير متكافئة: مهاجمة قوى أقوى بشكل غير مباشر خارج إيران".

ووفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز": "قررت إدارة ريجان سراً بعد فترة وجيزة من توليها السلطة في يناير 1981 السماح لإسرائيل بشحن أسلحة أمريكية وقطع الغيار، بقيمة مليارات من الدولارات، إلى إيران". وبشكل ساخر، قالت الولايات المتحدة في وقت لاحق إنها ساعدت كلا الجانبين "للبقاء على الحياد". ومما لم تقله إنها عملت على منع أي منهما من تحقيق الانتصار.

وإذا كانت الولايات المتحدة تأمل في أن تضعف الحرب الإيرانية العراقية إيران، فإن العواقب غير المقصودة ستكون عكس ذلك، كما هو الحال في كثير من الأحيان مع ازدواجية الولايات المتحدة، إذ إن غزو العراق لإيران وحد الشعب الإيراني بقوة وراء الحكومة الثورية الإيرانية. وفي عام 2003، جعل غزو الرئيس بوش للعراق من إيران قوة إقليمية أقوى.

وأما اليوم، فتريد الولايات المتحدة إعادة عقارب الساعة إلى عام 1953 وعودة شاه إيران. لم لا؟ لقد أبرمت الولايات المتحدة صفقة كبيرة مع شاه إيران لمدة ربع قرن حتى الثورة الإيرانية عام 1979. ولهذا السبب تكره الولايات المتحدة الحكومة الحالية وتريد قلبها، وفقا لرأي الكاتب.

يقول ترامب إن اتفاق إيران هو أسوأ صفقة في التاريخ. ما تريده الولايات المتحدة هو الصفقة القديمة التي أبرمتها مع إيران من 1953 إلى 1979. كانت تلك "أعظم صفقة في تاريخ إيران". ورجل وكالة الاستخبارات المركزية جاهز لتولي الحكم، لقد تم إعداده منذ أن كان عمره 17 عامًا. يعيش ليس بعيدا عن مقر وكالة المخابرات المركزية في لانغلي بولاية فيرجينيا، هو رضا بهلوي، ولي عهد إيران، هو الوريث الأخير الظاهر لشاه إيران المخلوع، ينتظر وظيفة "شاه جديد".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر