عندما تتفق أنقرة ودمشق على ضرب "الانفصاليين" الأكراد

2018-12-29 | وائل عصام عندما تتفق أنقرة ودمشق على ضرب

عندما يقول الرئيس التركي إن بلاده ليس لديها ما تفعله في منبج حال خرج "الإرهابيون" منها، فهو يوضح إستراتيجية أنقرة في سوريا، إذ تتمحور حول هدف محدد هو ضرب المشروع الكردي شمال سوريا، ولم يعد دعم المعارضة السورية ضد الأسد، وهذا شأن يعني أنقرة، بل إن علاقتها الداعمة لفصائل المعارضة المسلحة تقتصر على استخدامهم لتحقيق هدف أنقرة المحدد والمعلن بضرب الأكراد.

أنقرة غادرت موقع الداعم للمعارضة السورية، كانت حينها تستهدف الطائرات الروسية، ثم انتقلت تركيا للجلوس مع روسيا وإيران في فريق أستانة، وحينها قامت بتسليم روسيا أحد طياريها الذين أسقطتهم جبهة النصرة شمال سوريا، من خلال أحد الفصائل الموالية لها، الذي رغم أنه يسمى "الجيش الحر" و"معارض" للنظام، إلا أنه سلم طيار النظام لأنقرة وأنقذه من الأسر ليصل بعدها دمشق!

فريق "أستانة" يضم اثنتين من الدول تورطتا في أبشع أعمال القتل الهمجي دعما للنظام السوري، وقد نصت تفاهمات "أستانة" على عبارات محددة، تدعم سيطرة الدولة السورية على كافة أراضيها، وأن جهود الدول الثلاث لن تتعارض مع ذلك، كما شددت على وحدة أراضي الدولة السورية، وهذان البندان، وبغض النظر عن وجودهما نصين، إلا أنهما طبقا بشكل حرفي من خلال ما تم إنجازه من دول "أستانة".

وعندما نتحدث عن الدور التركي، فإننا لا ننكر بأي حال التعاطف الشعبي والحكومي مع الثورة السورية عند انطلاقتها، وسياستها الداعمة لثورتها وللاجئين السوريين التي فاقت مساعدات كل الدول العربية، لكننا نتحدث عن فترة ما بعد التدخل الروسي الذي أجبر تركيا على مراجعة مواقفها، خصوصا أن صديقاً آخر لتركيا فرض نفسه بقوة في سوريا وهو إيران، وأصبح الصدام مع هاتين الدولتين أكبر من القدرة التركية المحدودة أصلا في الملف السوري، إذ كانت تعتمد بشكل رئيس على وجود داعم أمريكي تنسق معه أمنيا وسياسيا في سوريا، في ملف دعم المعارضة، ومع تمكن النظام وإيران من البقاء متماسكين لأربع سنوات قبل التدخل الروسي، بات دعم موسكو عاملا دوليا حاسما لصالحهما، أجبر تركيا على مغادرة موقعها الداعم للمعارضة السورية.

وعلى هذا، فإن الموقع الجديد لأنقرة برفقة طهران وموسكو، وهدفها الأساس المتمحور حول ضرب المشروع الكردي في سوريا، يصب بشكل مباشر في الحصيلة الإستراتيجية لصالح دمشق، اذ أن النظام السوري يهدف أيضا لضرب "الانفصاليين الأكراد" المنفصلين عن سلطة الأسد، بإدارة ذاتية كردية، معتمدين على وجود أمريكي سبق أن توقعنا مرارا أنه في طريقه للانسحاب، وكما تتفق أنقرة ودمشق على تحجيم النفوذ الكردي المهدد لتركيا والخارج عن سلطة الأسد، فإن روسيا وطهران أيضا تتفقان على معاداة هذا المشروع كونه موطئ القدم الوحيد للوجود الأمريكي في ملعبهم السوري، الذي تريده روسيا وطهران خاليا من أي نفوذ غربي مناوئ لهما.

وهكذا، فإن المحصلة لما يحدث في منبج وما سيحصل في شمال سوريا، سيكون لصالح عودة النظام السوري لتلك المناطق، حتى إن سبقت ذلك مرحلة دخول تركي مؤقت، فإن النظام سيعود ليدخل هذه المناطق، وكما أعلن الأتراك، أنهم سيتوجهون لموسكو لبحث مرحلة ما بعد الانسحاب، وهذا بيت القصيد، فإن أنقرة وإن كانت تتلقى تشجيعا من واشنطن للعب دور في شمال سوريا بعد الانسحاب الأمريكي، إلا أن السياسة الخارجية في تركيا لا تتحرك في سوريا من دون ضوء أخضر من موسكو.

والمؤكد أن موسكو لن توافق على تحرك تركي يعارض مصالح حليفها الأول، الذي دخلت الحرب من أجله، الأسد، فكما تدخلت تركيا لمناطق في سوريا من خلال غطاء "أستانة" وبموافقة روسية، فإنها ستخرج منها بغطاء "أستانة" وبتفاهم مع الروس، وهذا لا يتعارض حتى مع المصلحة التركية، التي تريد إبعاد الأكراد وليس "تحرير مناطق من سلطة النظام"، وفعلا، كل من حاربتهم تركيا في سوريا هم خصوم الأسد، إن كان تنظيم الدولة في عملية درع الفرات، أو الأكراد في عفرين، بينما أعلن المسؤولون الأتراك أكثر من مرة أن قواتهم لن تصطدم مع قوات الأسد داخل سوريا، وهذا ما تم تطبيقه للآن.

وما حدث في عفرين هو أيضا يصب في هذا السياق، فتركيا حققت مصالحها القومية بإبعاد القوى الكردية عن حدودها، وكان هذا بترافق مع موسكو وقبول ضمني من دمشق، كما جاء في نص الاتفاق، وكما أعلن لافروف قبل أيام، لسبب واضح وبسيط، وهو أن تركيا بدخولها لعفرين توفر على الروس والنظام عناء خوض معركة ضد الأكراد، مع ضمان روسي بعودة عفرين لسلطة الأسد من دون أن تُطلق رصاصة واحدة! وعلينا أن نتذكر أن روسيا والنظام السوري لم يصدرا موقفا واضحا يعارض العملية ضد عفرين، حتى إن القوات الشعبية التي دخلت عفرين كانت غير نظامية ومشكلة من فرق متطوعين من شيعة نبل والزهراء، الذين أرادوا رد الجميل لعفرين بعد أن ساندتهم الميليشيات الكردية خلال حصار فصائل الثورة من القرى السنية المحيطة بنبل والزهراء بداية الثورة، كما إن الضغط التركي على الأكراد إن كان في عفرين سابقا أو منبج اليوم، مفيد لدفع الأكراد إلى العودة لسلطة دمشق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر