"ستيفن والت": لا مبرر لبقاء أمريكا في سوريا و"داعش" لا تشكل تهديدا وجوديا والحديث عن "خسارة" سوريا تضليل

2018-12-22 | خدمة العصر

كما هو معتاد، فعل دونالد ترامب الصواب بالطريقة الخاطئة، كما كتب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن والت.

أثار القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس دونالد ترامب الأربعاء بسحب نحو 2000 جندي أمريكي متمركز في سوريا جدلاً يمكن التنبؤ به بشكل كامل بين أولئك الذين يعتقدون أنه سيتخلى عن عباءة القيادة الأمريكية العالمية والذين يعتقدون أن سوريا ليست ذات أهمية، وأنه يجب نشر القوة الأمريكية في مكان آخر أو الحفاظ عليها لحالات الطوارئ المستقبلية. وسارع الصقور المتشددون مثل السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، والمحافظون الجدد، مثل ماكس بوت، إلى التنديد بقرار ترامب، إلى جانب شخصيات أخرى في المؤسسة (ونقاد ترامب) مثل مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، جون برينان. وعلى النقيض من ذلك، تبنى "الليبرتاريون" من اليمين والرافضون للتدخل من اليسار هذه الخطوة، على الرغم من كرههم العميق لترامب نفسه ومخاوفهم من معظم سياساته الأخرى.

فهل يتبع ترامب خطى الرئيس السابق باراك أوباما (كما يشير "ديفيد سانغر" من صحيفة "نيويورك تايمز")، ويواصل "التراجع" عن المشاركة السابقة للولايات المتحدة في المنطقة؟ أم إن ترامب أمر ببساطة بإعادة توزيع حصيفة لقوة أمريكية صغيرة جداً، وبذلك أنهى التزامًا مفتوحًا لم يكن غرضه الإستراتيجي واضحًا؟ ما هي الدروس الأوسع، إن وجدت، التي ينبغي استخلاصها من هذا القرار الأخير؟

بداية، يذكرنا هذا الموقف بمدى غباء الولايات المتحدة في اجتياح العراق في عام 2003. وعلى الرغم من ذلك هناك الكثير من المحافظين الجدد ما زالوا يعتقدون أن الحل لمعظم المشاكل العالمية هو التطبيق الفعَال للقوة الأمريكية. لكن الحرب التي حلم بها المحافظون الجدد، وضغطت من أجلها، وفي النهاية بيعت إلى الرئيس الساذج جورج دبليو بوش، هي جزء كبير من السبب في أن الشرق الأوسط في حالة ضياع.

لو لم تكن هناك حرب في العراق، لما كان هناك أي احتلال أميركي، أو تمرد ضد أمريكا، أو "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"، وبالتالي لم يكن هناك "تنظيم الدولة"، والإطاحة بصدام حسين أزال الخصم الإقليمي الرئيس لإيران، وبالتالي كان هدية مجانية لنظام الملالي. ومع ذلك، فإن العباقرة الإستراتيجيين (بمن فيهم جون بولتون، مستشار الأمن القومي الحالي في الولايات المتحدة) الذين روجوا لهذا المخطط المشؤوم، يعملون على إعادة تدوير الإصدارات الجديدة من السياسات نفسها اليوم.

ثانياً، يجب أن نكون حذرين من الكلام المضلل الذي يُستخدم لوصف قرار ترامب: "انسحاب إستراتيجي"، لأن سحب قوة أمريكية صغيرة لا تكاد تكون إخلاء...كما إنها لا تبشر بنهاية الوجود الأمريكي في المنطقة، إذ لا يزال لدى أمريكا أكثر من 40 ألف جندي في المنطقة وما حولها، ولا تزال توفر مساعدات عسكرية سخية وكميات هائلة من الأسلحة لعملائها الإقليميين.

ثالثاً، من المضلل بالقدر نفسه أن نتحدث عن "خسارة" الولايات المتحدة لسوريا، لأن هذا البلد لم يكن أبدا يدور في الفلك الأمريكي، بل على العكس من ذلك، فقد كانت دولة تابعة للاتحاد السوفيتي أو الروسي منذ منتصف الخمسينيات، وهو ما جعل موسكو تعمل بقوة من أجل منع نظام بشار الأسد من السقوط. إن القول بأن ترامب (أو أوباما قبله) "خسر" سوريا يعني ضمناً أن الولايات المتحدة كانت تتحكم في مصيرها، أو أن لديها إستراتيجية لسيطرة ناجحة، لكن ما لم تتعلمه من 15 سنة الماضية، أن الولايات المتحدة لا تستطيع السيطرة على أي من دول المنطقة، ويجب ألا تنفق الكثير من الدماء أو الأموال لمحاولة فعل المستحيل.

رابعاً، تجدر الإشارة إلى أنه قبل الانتفاضة السورية (وما تبعها من ظهور "تنظيم الدولة")، لم تكن واشنطن تهتم كثيراً بشأن من يدير سوريا، وبالتأكيد لم يُنظر إلى السياسة الداخلية لسورية على أنها مصدر قلق مثير للولايات المتحدة. كان رؤساء الولايات المتحدة من ريتشارد نيكسون إلى جورج دبليو بوش يتعاملون مع عائلة الأسد عندما كان في مصلحة الولايات المتحدة القيام بذلك، على الرغم من أن الجميع كانوا يعرفون أنها دكتاتورية وحشية. ومع ذلك، عندما اندلع الربيع العربي، استنتجت إدارة أوباما فجأة أن السياسة الداخلية في سوريا لها أهمية كبيرة وأن "الأسد يجب أن يرحل"، على الرغم من عدم وجود فكرة عن كيفية إزاحته أو كيفية إنشاء حكومة جديدة لتحل محل نظامه العلوي.

خامسًا، سارع العديد من المراقبين إلى اعتبار إعادة الانتشار بمثابة خسارة للولايات المتحدة وتحقيق انتصار كبير لروسيا، أو إيران، أو حزب الله، أو تركيا، أو لأي طرف آخر، أو افتراض أن بعض أو كل هؤلاء اللاعبين سيعملون على تعزيز الكثير من نفوذ قيمة في سوريا. قد يكون الأمر كذلك، لكن سوريا ليست جائزة كبيرة في هذه المرحلة، بل قد تكون عبئا. كانت دائمًا دولة ضعيفة، كما تضرر اقتصادها وبنيتها التحتية بشدة بسبب حرب مدمرة. ومن المرجح أن تتحول إلى مستنقع مكلف للمنتصرين المفترضين.

لا تزال المنطقة مرجعاً للقوى السياسية المتنافسة، وكما يشير العالم السياسي "مارك كاتز"، فإن مصالحهم المتنافسة ستظهر على الأرجح في المقدمة بمجرد انسحاب الولايات المتحدة. إذا كان الأمر كذلك، فإن تسليم المستنقع السوري إلى الآخرين يمكن أن يكون انتصارا خالصا للولايات المتحدة، وفقا لتقديرات الكاتب والباحث "والت"، والبقاء في سوريا لا يسهم كثيراً في أمن الولايات المتحدة أو رخائها.

لكن ماذا لو تمكن بقايا "تنظيم الدولة" من إعادة تكوين نفسه واستعادة بعض الأراضي ورعاية هجمات مسلحة جديدة في الخارج؟ من الواضح أن مثل هذا التطور غير مرغوب فيه، لكن الخطر لا يبرر إبقاء القوات الأمريكية في سوريا لمدة عام أو عامين أو خمسة أعوام أخرى. لا يتم القضاء على أيديولوجية جماعة مثل "داعش" بالقنابل، أو الطائرات من دون طيار، أو قذائف المدفعية، أو الرصاص، إذ يمكن لفكرة المقاومة العنيفة أن تعيش حتى لو قُتل أو أُلقي القبض على كل عضو حي اليوم.

الحماية المطلقة من هذه المجموعات ليست التزامًا أمريكيًا مفتوحًا، بل أساسها إنشاء حكومات ومؤسسات محلية فعالة. السلطة المحلية الشرعية والفعالة ليست شيئًا يمكن للولايات المتحدة تقديمه، قد يؤدي وجودها في هذه الأماكن إلى نتائج عكسية. ذلك أن الرسالة الإيديولوجية لـ"تنظيم الدولة" ترتكز جزئياً على معارضة التدخل الأجنبي، وقد استخدمت لفترة طويلة الوجود الأمريكي في المنطقة أداة للتجنيد.

وعلاوة على ذلك، بقول الكاتب، وعلى الرغم من صورته المخيفة والضجة التي أثارتها أساليبه الوحشية، فإن "تنظيم الدولة" لم يكن أبداً تهديداً وجودياً للولايات المتحدة. لقد رعى أو ألهم عددًا من الهجمات المميتة في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن الخطر الفعلي الذي يمثله التنظيم على هذه البلاد لا يكاد يذكر. وخطرها لا يرتقي إلى مستوى التهديد الوجودي، بل يتضاءل في الواقع مقارنة بمصادر الضرر الأكثر واقعية.

هناك قلق أكثر مشروعية، هو مصير الميليشيات الكردية التي كانت شريكة ذات أهمية في حملة مناهضة "داعش". يشير منتقدو ترامب بحق إلى أن قراره بالانسحاب يعني التخلي عن الأكراد، ولدي بعض التعاطف مع هذا الرأي. لكن التزام أمريكا الأخلاقي، خطا كان أم صواباـ تجاه الأكراد ليس بلا حدود، ومن غير المرجح أن تكون العواقب طويلة المدى بالنسبة للولايات المتحدة ذات أهمية. لم يكن الأكراد يحاربون "تنظيم الدولة" لمصلحة العم سام، فعلوا ذلك انطلاقا من مصلحتهم الذاتية. فمرحبًا بكم في عالم السياسة الدولية الهمجي: تتعاون الدول والأمم عندما تتوافق مصالحهم، لكن التعاون غالباً ما يتوقف عندما تتباعد المصالح.

ولهذا السبب، فإن الانسحاب من سوريا لن يجعل الدول الأخرى أكثر ترددًا في التعاون مع الولايات المتحدة في المستقبل. سيظلون يرحبون بالدعم الأمريكي عندما يفهمون أنه من مصلحة الولايات المتحدة مساعدتهم، وسيكون لديهم (وهم في هذا على صواب) شكوك حول العمل مع الولايات المتحدة عندما يشكون في أن مصالحها لا تتماشى مع مصالحهم. كما إنه ليس من الواضح بالنسبة لي كيف كان بقاء 2000 جندي في سوريا سيضمن الأمن الكردستاني على المدى الطويل، ناهيك عن تسهيل الحلم الكردي بإقامة كيانهم.

عند الدعوة إلى إنهاء مشاركتنا في سوريا، فإن ترامب فعل الصواب، ولكن من حيث الشكل، فقد قام به بأسوإ طريقة ممكنة. يبدو أنه لم يكن هناك أي تحذير مسبق أو إعداد مشترك بين الوكالات لهذا القرار، وهو ما يعني أن التوقيت والترتيبات والآثار الأوسع نطاقاً لم يتم تناولها مسبقًا. (لذلك ليس من المستغرب أن القرار الذي اتخذته سوريا سرعان ما تبعه إعلان وزير الدفاع جيمس ماتيس التقاعد في فبراير القادم).

وكما هو معتاد بالنسبة له، لم يتشاور ترامب مع حلفاء الولايات المتحدة أو أخبرهم مسبقا. كما إنه لم يبذل أي جهد جاد لاستخدام الوجود الأمريكي في سوريا لتنظيم عملية دبلوماسية لتحقيق الاستقرار في البلاد أو استخدام إمكانية سحب الولايات المتحدة للحصول على تنازلات من الآخرين. مثله مثل القمة النووية الزائفة مع كيم جونغ أون أو قراره بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، كان ترامب مرة أخرى يبرهن على "فن الهبة": تقديم تنازلات أمريكية من جانب واحد وعدم الحصول على أي شيء في المقابل.

وأخيراً، يكشف القرار أن رؤية ترامب للشرق الأوسط لا تملك ثباتًا ولا منطقًا إستراتيجيًا متماسكًا. إذ بالإضافة إلى تكثيف "العلاقات الخاصة" الأمريكية مع مصر وإسرائيل والسعودية (وبالتالي تشجيع كل من هذه الحكومات على التصرف بطرق مختلفة)، تعهد ترامب وبولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو بوضع "أقصى قدر من الضغط" على إيران. أياً كان ما يفكر فيه المرء في هذه السياسة، فإن قراره الأخير يتعارض بشكل واضح مع هذا. وبمرور الوقت، يمكن لهذه التقلبات والانعكاسات والتناقضات أن تغذي الشك في أن ترامب لا يبالي حقا بما هو جيد للبلد (أو للعالم) لا تحركه إلا دوافع إنقاذ حظوظه السياسية المتناقصة.

وباختصار، كما ختم "والت" مقاله في مجلة "فورين بوليسي"، حتى عندما يفعل الشيء الصحيح، يتصرف ترامب بما يعظم التكاليف ويقلل الفوائد. لكن في هذه المرحلة من رئاسته، ما عاد ذلك مفاجئاً.

** رابط المقال الأصلي: https://foreignpolicy.com/2018/12/21/good-riddance-to-americas-syria-policy/


تم غلق التعليقات على هذا الخبر