آخر الأخبار

الصفقة المثيرة لقلق أمريكا: الصين والسعودية

2018-12-20 | خدمة العصر الصفقة المثيرة لقلق أمريكا: الصين والسعودية

كتبت مجلة HARVARD POLITICAL REVIEW الأمريكية أن إدارة ترامب عملت، منذ وصولها إلى المكتب البيضاوي، على معالجة العجز التجاري الهائل للولايات المتحدة من خلال اتباع أساليب عدوانية، وخاصة تجاه الصين، بما في ذلك مراجعة الاتفاقيات التجارية التي تم تأسيسها سابقاً وتحديد التعريفات الجمركية، والغرض منها تعزيز تحديه الرنان: "أن البلدان تستغل الولايات المتحدة لسنوات عديدة، وقد أتى الرئيس الذي أوقف هذا الاستغلال".

وفي خضم هذا الاضطراب التجاري، اتخذت الصين خطوات للتفاوض على صفقة اقتصادية محتملة يمكن أن تضر بالتفوق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للولايات المتحدة، وهي معنية بزيادة النفوذ الصيني على النفط والبترودولار، وهو مصطلح صُمَم في السبعينيات من القرن الماضي لوصف الفائض من دولارات الولايات المتحدة المستوردة للنفط، والتي تستخدم بعد ذلك للاستثمار في الأسواق الأمريكية والدول المتطورة الأخرى.

والأهم من ذلك، أن البترودولار يصنع دعامة قوية لاقتصاد الولايات المتحدة، حيث يضمن شراء جميع براميل النفط التي تباع في الأسواق العالمية باستخدام الدولار الأمريكي، وهو وضع يُبقي الدولار الأمريكي ذا أهمية في السوق العالمية. وقد تناولت المحادثات الأخيرة بين السعودية والصين رفع الدولار عن النفط واستبداله بالعملة الوطنية الصينية، اليوان. وهذه الحركة تهدد بشكل مباشر تأثير البترودولار في العالم، ويمكن أن ترفع سقف التضخم المطرد في الولايات المتحدة، وتسبَب حالات عجز وطنية غير مدعومة، وتحرك الاضطراب الاقتصادي في الولايات المتحدة.

وقالت المجلة إن استيعاب العواقب المحتملة للمفاوضات السعودية الصينية يتطلب فهمًا لدولارات النفط وأصولها وتأثيرها في السياسة النقدية والسياسية للولايات المتحدة. والبترودولار، الذي يفهم بشكل أفضل ببساطة باعتباره العملة الأمريكية المستخدمة والمتلقاة والوسيط الوحيد لجميع معاملات النفط العالمية، يعطي أنظمة مثل المملكة العربية السعودية فائضاً تجارياً ضخماً بالدولار، وذلك لحصتها الضخمة من سوق النفط. ثم تُستثمر هذه الأوراق الأمريكية في أسواق الخزينة الأمريكية وفي أسواق الدول المدينة الأخرى أو الدول النامية.

ويعكس البترودولار العلاقة بين النفط والدولار، لكنه يتأتى بقدر أقل عن النفط مقارنة بالسياسة النقدية الدولية للولايات المتحدة وتدابير المعونة. وقد أدت هذه الإجراءات، التي كانت نشطة بشكل خاص في الستينيات، إلى تدفق الدولارات من الولايات المتحدة على الرغم من أن جون كينيدي وليندون جونسون أصدرا قوانين تحاول تقييد الإقراض الأجنبي وإعاقة الاستثمار الأجنبي. وهذا الأخير كان سببه أساسا نظام "بريتون وودز"، الذي أوجد علاقة ثابتة بين قيمة الدولار والعملات الأخرى.

ومع كل هذه السياسات التي أدت تدريجياً إلى ارتفاع قيمة الدولار، اقترح الرئيس ريتشارد نيكسون في أغسطس 1971 خفض الضرائب وتجميد الأسعار والأجور لمدة 90 يوماً. وأخيرا، مع مكافحة احتياطيات الذهب لمواكبة الدولار، أعلن نيكسون أنه سيعلق استخدام المعيار الذهبي. وهذه الخطوة صدمت العالم وأدت إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار. بعد فترة وجيزة، في عام 1974، تم إنشاء البترودولار، حيث استبدل النفط وسيط الذهب المنفصل حديثًا وسيلة لتنظيم الدولار، إلا أنه في هذه الحالة، سينمو النفط على ما يبدو من دون تنظيم وسيصبح قريباً سلعة في كل مكان في العالم.

من وجهة نظر أخرى، تستخدم السعودية وغيرها من الدول المصدرة للنفط فوائضها التجارية لتمويل الدين القومي للولايات المتحدة، والدول الأخرى المصدرة للنفط ودول العالم النامي.

ومنذ عام 1978، أصبحت أهمية الدولار الأمريكي في عملية تُسمى "إعادة تدوير البترودولار" ذات شقين: تساعد الحكومة السعودية على تمويل ديون الولايات المتحدة وتحافظ على قوة الدولار من خلال توفير طلب مستمر على الدولار في الأسواق الدولية، على الرغم من أن الولايات المتحدة تدير عجزا بمليارات الدولارات وتواصل طبع مبلغ ضخم من الدولارات. وتعتبر مطابقة العرض الكبير للدولار الأمريكي مع الطلب أمراً حاسماً للتحكم في التضخم، والذي يعد من الأصول الأكثر قيمة بالنسبة للولايات المتحدة في صفقة البترودولار. أثبت التاريخ الحديث المدى الذي ستسلكه الولايات المتحدة لحماية الصفقة.

في عام 2000، أعلن صدام حسين، رئيس العراق آنذاك، أن العراق يتحرك لبيع نفطه باليورو بدلاً من الدولار. في ذلك الوقت، كانت بغداد تشرف على بيع 60 مليون دولار من النفط الخام يوميا، وهو ما يمثل حوالي 5 في المائة من صادرات النفط العالمية. وكان هذا تهديدًا واضحًا للسيطرة النفطية للبلاد ولهيمنة الولايات المتحدة الاقتصادية، وسوف يمنح هذا الضوء الأخضر للدول العربية الأخرى لتغيير طبيعة معاملاتها النفطية.

يمكن أن تكون "الحمائية" (سياسة اقتصادية تعتمد على إجراءات التقييد) في دولارات النفط دافعًا خفيًا يفسر تدخل الولايات المتحدة في الدول المصدرة للنفط. في السنوات التي تلت إعلان صدام، أكد الرئيس جورج بوش أن نظامه يملك أسلحة دمار شامل. بعد هجمات 11/9، غزت الولايات المتحدة العراق، وأُطيح ينظام صدام حسين، وحُولت مبيعات النفط العراقي مرة أخرى إلى الدولار الأمريكي.

وقد تكرر هذا النمط مع معمر القذافي عندما حاول إنشاء عملة إفريقية موحدة مدعومة باحتياطيات الذهب الليبية لبيع النفط الأفريقي. بعد وقت قصير من إعلانه، أطاح الثوار المسلحون من قبل الحكومة الأمريكية والحلفاء بالدكتاتور ونظامه. بعد وفاته، سرعان ما تلاشت فكرة بيع النفط الأفريقي بعملة أخرى غير الدولار.

ومن أجل تثبيت البترودولار، تحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى شرق أوسط مستقر. العقوبات هي إحدى طرق السيطرة على شؤون المنطقة. لأن النفط موجود في العديد من جوانب العمليات التجارية العالمية، فإن صفقات العالم الرئيسة تُنجز بالدولار وتمر عبر البنوك الأمريكية، مما يسمح للحكومة الأمريكية بمراقبة مثل هذه الصفقات والتحكم فيها ومعاقبتها. ويقترن هذا بالبيع الضخم للأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، إذ توفر الولايات المتحدة حوافز لا حصر لها للسعوديين للبقاء في الصفقة، مما يساعد السعودية على أن تظل قوة شرق أوسطية بارزة.

وفي النهاية، فإن محور هذه العلاقة هو ثقة المملكة العربية السعودية بدولار الولايات المتحدة، لأنه يشير إلى وزن قوة فائض التجارة السعودية. ومع ذلك، فإن استمرار العجز التجاري والمالي لأمريكا يؤدي إلى إضعاف الدولار وحيازات البترودولار السعودية. واجمع هذا مع الصعود غير المتوقع للصين واتخاذ إجراءات تصالحية من جانب الصين تجاه السعودية، إلى جانب وقوع بترولولار الولايات المتحدة في مشكلة واضحة.

في وقت سابق من هذا العام، تم تصوير السفير الصيني "لي هوا شين" مع مسؤولين سعوديين، حيث أشاد برؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي تدعو إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين. هذا الميثاق يضغط على السعودية لتبني "البترو يوان"، والذي من شأنه أن يُفشل بتروودولار على نحو فعال.

وعلى الرغم من أن السعودية تعتمد بشدة على القوة العسكرية للولايات المتحدة، فإن علاقات السعودية مع الصين تثير القلق. إن اقتصاد الصين المتنامي ومكانتها في العالم يمكن أن تقوض الموقف تجاه الولايات المتحدة. والأهم من هذا، قد يؤدي التحول في التحالفات إلى تهديد مكانة أميركا في الشرق الأوسط والعالم.

ورأى الكاتب أن التراجع المحتمل في القوة الأمريكية من خلال زعزعة استقرار البترودولار قد يعطل توازن القوى الذي كفل السلام العالمي النسبي منذ الحرب الباردة. إن ضعف الاقتصاد الأمريكي سيترك الأمة ضعيفة ويفضي إلى هيمنة جديدة تتقاسمها روسيا والصين، وقد وقعتا اتفاقية تعاون اقتصادي أوروبي آسيوي يوم 17 مايو في أستانا. ومع استمرار روسيا في "تدفئة" أوروبا من خلال احتياطياتها من الغاز الطبيعي، والتي لا تباع بالدولار، فإن استبعاد الدولار من الطاقة العالمية -عن طريق فصله عن النفط تماما- هو احتمال مستقبلي.

 في الأشهر القليلة الماضية، كان رد فعل الولايات المتحدة على المفاوضات بين الصين والمملكة العربية السعودية هادئاً إلى حد ما مع عدم وجود أي تقرير يذكر عن اهتمام وسائل الإعلام. ومع استمرار خطاب الرئيس ترامب وحديثه، من الواضح أن التعريفات والحروب التجارية سوف تتركز، بشكل مستمر، على الهجوم المحتمل على البترودولار، وعلى التضخم في الولايات المتحدة، وإن بشكل غير مباشر.

وسوف يحدد لنا الوقت ما إذا كان الرئيس ترامب سيواصل سياسة الحماية الأمريكية التاريخية واليائسة للبترودولار. ومع ذلك، فمع صعود قوى أخرى مثل الصين وروسيا، قد تكون أمريكا منهكة ومضطربة بخصوص المواجهة في هذه المنطقة.

في النهاية، تتمتع أمريكا بميزة تنافسية مثيرة في صفقتها البترودولار مع قوى إقليمية مثل المملكة العربية السعودية. ويمكن لورقتها الأخيرة (أفضل تكنولوجيا الطاقة والغاز الطبيعي، وخاصة من روسيا وإيران) أن تضعف تفوق منظمة "أوبك" على سوق النفط، وبالتالي البترول. ومع ذلك ، فإن هذا ليس خطيراً مثل التدخل الصيني في سحق البترودولار. وأيا ما كان، فمع اندلاع حرب تجارية، هناك معركة جديدة في الأفق، وسيخبرنا الزمن بما سيحدث.

** رابط المقال الأصلي: http://harvardpolitics.com/world/the-worrisome-deal-china-and-saudi-arabia/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر