حركة "السترات الصفراء" لا سابق لها في التاريخ الطويل للانتفاضات الشعبية في فرنسا

2018-12-18 | حركة

بقلم: ألان غريش (*) / مؤسس موقع ORIENT XXI ومدير تحريره

"السترات الصفراء" حركة لا سابق لها في التاريخ الطويل للانتفاضات الشعبية في فرنسا. محاولة اختزالها إلى نمط معروف من الاحتجاج أو تحليلها من خلال مقارنتها بوقائع ماضية ستفضي إلى استنتاجات مضللة. هي أيضاً حركة في طور النمو، تتلمس طريقها وتتردد، ومن غير الممكن التنبؤ مسبقاً بالوجهة التي ستتخذها في المستقبل. الكثيرون، بين اليساريين، يخشون طغيان التوجّه الشعبوي، المرتبط باليمين المتطرف، أي حركة شبيهة بالتي شهدتها دول أوروبية مختلفة، كإيطاليا والمجر، أو بتلك التي أوصلت دونالد ترامب إلى السلطة. يعتقد هؤلاء أن العداء للهجرة ورفض الضرائب المفروضة من الدولة من حيث المبدأ يؤكدان صحة تحليلاتهم. وعلى الرغم من أن هذه التحليلات تشير إلى مخاطر محتملة، فإنها تتجاهل الطبيعة المتنوعة للحركة واحتمال قيام القوى اليسارية بالتأثير في مسارها. المستقبل غير محدد سلفاً.

فلنبدأ من البداية. انطلقت الحركة من الأوساط الاجتماعية المهمشة، العاملة في مهن أجورها زهيدة (بمن فيهم صغار الموظفين أو العاملين في القطاع الاجتماعي والاستشفائي)، ومن بين الشرائح الدنيا من المتقاعدين، الذين ضمرت مداخيلهم باستمرار منذ عقود، نتيجة السياسات النيوليبرالية المفروضة على فرنسا. حدّت هذه السياسات من الخدمات الاجتماعية المقدمة للمواطنين (المستشفيات والمستوصفات ووسائل النقل العام)، خصوصا للمقيمين خارج المراكز الحضرية. شكّلت زيادة الضريبة على الوقود المحفز الأول للاحتجاجات، لأن السيارة تمثل بالنسبة إلى جزء كبير من الفرنسيين وسيلة النقل الوحيدة للذهاب إلى العمل وللحصول على الخدمات الأساسية.

عامل آخر أسهم في اندلاع الحركة الاحتجاجية، هو شخصية الرئيس إيمانويل ماكرون. فهو ممثل نموذجي للنخب التكنوقراطية ولازدرائها المكشوف لعامة الشعب. وبينما تمتّع جميع سابقيه منذ بداية الجمهورية الخامسة بتجربة سياسية طويلة، برلمانية أو محلية، لم يحصل ماكرون إلا على تجربة وزارية قصيرة، وهو يفتقر إلى التجذر المحلي الذي تمتلكه غالبية القادة السياسيين، على مستوى مدينة أو منطقة، خاضوا فيها تجربتهم وبنوا صلات فعلية مع المجتمع. بإمكاننا القول إن ماكرون عديم الصلة بأية "تجربة محلية".

بالإضافة إلى ذلك، فإن انتخابه سنة 2017 أدى إلى تفكك النظام السياسي التقليدي واختفاء الحزب الاشتراكي وتشظي اليمين إلى مجموعة من التشكيلات والتيارات. لم يؤدِّ هذا التفكك إلى تشكيل حزب سياسي رئاسي حقيقي. حزب ماكرون، على الرغم من عدد نوابه في البرلمان، ليس لديه بنية تنظيمية تستطيع أن تكون قناة للتواصل مع القوى الاجتماعية. عزّز هذا الأمر ميل ماكرون للتحوّل إلى رئيس للأغنياء. لم يعد هناك من وسيط بينه وبين "الشعب": هو قارن نفسه بجوبيتر (أحد آلهة الرومان) والشعب يعتبره اليوم المسؤول الوحيد عن أوضاعه الصعبة. تساهم هذه الظروف في تعقيد محاولات إيجاد مخارج للأزمة، خاصة مع غياب إمكانية اللجوء إلى الحلول البديلة التقليدية. "التجمع الوطني" و"فرنسا الأبية" يستطيعان الإفادة من الظروف الحالية، ولكن بصعوبة شديدة.

إذا عدنا إلى حركة "السترات الصفر"، فإن تحقيقاً أعده علماء اجتماع ونشرته "لو موند" يسمح بمعرفة مكوناتها. هم أولاً رجال ونساء معدل أعمارهم 45 سنة، ينتمون إلى الطبقات الشعبية أو إلى الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى. الموظفون يمثلون 33% منهم، والعمال 14%. عدد الموظفين الكبار المشاركين بالحراك ضعيف، أما عدد المتقاعدين فيصِل إلى أكثر من الربع. أخيراً، لا بد من ملاحظة المشاركة الكثيفة للنساء (45%). غالبية المشاركين ليست من القطاعات الاجتماعية الأكثر فقراً والتي تعيش على المساعدات الاجتماعية. فئة الشباب ممثلة بشكل ضعيف.

هذه الكتلة الاجتماعية هي جزء من فرنسا التي يجري تجاهلها وازدراؤها: للمرة الأولى شاهدنا على شاشات التلفاز وجهاً آخر لفرنسا، هو وجه أصحاب الأجور الزهيدة ونهايات الشهر الصعبة. هذا "الظهور" العلني هو أول نجاح لحركة "السترات الصفر"، وهي تعي هذا الأمر وتفتخر به. تماماً كما سمحت الاحتجاجات والصدامات في الضواحي عام 2005 بطرح حالة "الأحياء الصعبة" وأوضاع سكانها المهاجرين وأبنائهم على النقاش العام.

السؤال المطروح الآن هو عن مدى قدرة هذه الحركة على التقاطع مع قوى أخرى كأبناء الأحياء الشعبية ذوي الأصول المهاجرة ومع الطلبة والنقابات. إحدى العقبات هي موضوع الهجرة الذي يستغله اليمين المتطرف، أي فكرة "الاجتياح الإسلامي" للبلاد والبدء بتغيير هويتها، وهي أطروحة متناغمة مع خطابات قوى السلطة. عقبة أخرى هي رفض "السترات الصفر" لأي "استغلال" سياسي أو نقابي، مع أن الكونفدرالية العامة للعمل (CGT) واليسار عموماً قد دعما الحركة بعد فترة تردد وحاولا المشاركة بتظاهرات معها.

يبقى أن الحركة مدعومة من أغلبية كبيرة من الفرنسيين على الرغم من تراجع عدد المشاركين فيها بعد التنازلات التي قدّمها ماكرون والعملية الإرهابية في ستراسبورغ. لم تمنع عمليات العنف التي تخللت الاحتجاجات في باريس وعدد من المدن وإدانتها من أكثرية المشاركين، من استمرار التأييد للحراك. وقد سمعنا التعليق التالي من مناضلين نقابيين: "منذ سنوات طويلة ننظم تظاهرات سلمية دون النجاح في تحقيق مطالبنا، بينما نجحت السترات الصفر في انتزاع تنازلات يعتبرونها غير مرضية ولكنها فعلية".

ملاحظة أخيرة تتعلق بأشكال الاحتجاجات في العالم النيوليبرالي. لقد طُويت صفحة الحرب الباردة ومعها تلك الخاصة بأشكال الاحتجاج التقليدية. باتت الاحتجاجات اليوم تتخذ أشكالاً جديدة وغير مسبوقة، كحركة "احتلال وول ستريت" أو انتفاضات الربيع العربي. السؤال المطروح اليوم، وليس في فرنسا، فقط، هو عن مدى قدرة هذه الحركات على المساهمة في بلورة بدائل سياسية للأوضاع القائمة.

(*) نشر في صحيفة "الأخبار" اللبنانية


تم غلق التعليقات على هذا الخبر