الاعتقال مرتبط بسياسة "احتواء" الصين: الحرب الأمريكية على "هواوي"

2018-12-12 | خدمة العصر الاعتقال مرتبط بسياسة

كتب "جيفري ساش"، أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ السياسات والإدارة الصحية في جامعة كولومبيا، أن لا علاقة لصراع إدارة ترامب مع الصين بالاختلالات الخارجية الأمريكية، أو إغلاق الأسواق الصينية، أو حتى سرقة الصين المزعومة للملكية الفكرية. ولكنه مرتبط، أساسا، بسياسة احتواء الصين من خلال الحد من وصولها إلى الأسواق الخارجية والتقنيات المتقدمة والخدمات المصرفية العالمية، وربما حتى الجامعات الأمريكية.

ورأى أن إلقاء القبض على المديرة المالية لمجموعة "هواوي" الصينية العملاقة، مينغ وانتشو (وقد أُطلق سراحها اليوم مقابل كفالة مالية، وذلك بعد 12 يوماً على توقيفها في فانكوفر) خطوة خطيرة من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في صراعها المكثف مع الصين. وعصرنا يتذكر، على نحو متزايد، الفترة التي سبقت عام 1914. وكما هو الحال مع القوى العظمى في أوروبا في ذلك الوقت، فإن الولايات المتحدة، التي تقودها إدارة عازمة على تأكيد هيمنة أمريكا على الصين، تدفع العالم نحو كارثة.

سياق الاعتقال أثار مخاوف كبيرة: فقد طلبت الولايات المتحدة من كندا اعتقال "منغ" في مطار فانكوفر في طريقها إلى المكسيك من هونغ كونغ، ومن ثم تسليمها إلى الولايات المتحدة. مثل هذا التحرك يكاد يكون بمثابة إعلان الولايات المتحدة الحرب على مجتمع الأعمال الصيني. وهذا غير مسبوق تقريباً، يضع رجال الأعمال الأمريكيين الذين يسافرون إلى الخارج في خطر مماثل لهذا الصنيع من قبل دول أخرى.

ونادراً ما تعتقل الولايات المتحدة رجال أعمال كبار، أمريكيين أو أجانب، بسبب جرائم مزعومة ارتكبتها شركاتهم. ويُلقى القبض عادة على مديري الشركات بسبب جرائمهم الشخصية المزعومة (مثل الاختلاس أو الرشوة أو العنف) بدلاً من المخالفات المزعومة لشركتهم. نعم، يجب محاسبة مديري الشركات على مخالفات شركتهم، بما في ذلك تهم جنائية، ولكن بدء هذه الممارسة مع رجل أعمال صيني بارز، بدلاً من العشرات من المديرين التنفيذيين والمديرين الماليين المدانين في الولايات المتحدة، هو استفزاز مذهل للحكومة الصينية ومجتمع الأعمال والجمهور.

اتُهمت "منغ" بانتهاك العقوبات الأمريكية على إيران. لكن ينبغي النظر في اعتقالها في سياق عدد كبير من الشركات، أمريكية وغيرها، التي انتهكت العقوبات الأمريكية ضد إيران ودول أخرى. في عام 2011، على سبيل المثال، دفع المصرف الأمريكي JP Morgan Chase مبلغ 88.3 مليون دولار غرامات في عام 2011 بسبب انتهاك العقوبات الأمريكية ضد كوبا وإيران والسودان. إلا أن "جيمي ديمون" (رئيس مجلس إدارة هذا المصرف) لم يمسك به في المطار وأُدخل إلى السجن.

ولم يكن مصرف "جي بي مورجان تشيس" الوحيد في انتهاك العقوبات الأمريكية. منذ عام 2010، دفعت المؤسسات المالية الرئيسة التالية غرامات لانتهاكها العقوبات الأمريكية: بانكو دو برازيل، بنك أوف أمريكا، بنك غوام، بنك موسكو، بنك طوكيو ميتسوبيشي، باركليز، وبي.ان.بي باريبا، وكليرستريم المصرفية، كومرتس بنك، البوصلة، كريدي اجريكول ودويتشه بنك، HSBC، ING، انتيسا سان باولو، JP مورغان تشيس، وبنك أبوظبي الوطني، بنك باكستان الوطني، باي بال، سوسيتيه جنرال، مصرف تورونتو دومينيون، البنك الوطني عبر المحيط الهادئ ...

لم يُقبض على أي من الرؤساء التنفيذيين أو المدراء الماليين في هذه المصارف الخاضعة للرقابة، ولم يُحتجزوا بسبب هذه الانتهاكات. وفي جميع هذه الحالات، كانت الشركة -وليس المدير- تخضع للمساءلة. كما لم يخضعوا للمساءلة عن خرق القانون المنتشر في الفترة التي سبقت الأزمة المالية لعام 2008 أو بعدها، والتي دفعت البنوك من أجلها غرامات هائلة بلغت 243 مليار دولار، وفقاً لإحصاء أخير. في ضوء هذا السجل، يُعد اعتقال "منغ" بمثابة كسر صادم لما هو معمول به.

ورأى الكاتب، بصورة شفافة جدا كما ذكر، أن التحرك الأمريكي ضد "منغ" هو في الحقيقة جزء من محاولة إدارة ترامب الأوسع نطاقاً لتقويض الاقتصاد الصيني من خلال فرض التعريفات وإغلاق الأسواق الغربية أمام الصادرات الصينية من التكنولوجيا العالية، ومنع عمليات الشراء الصينية لشركات التكنولوجيا الأمريكية والأوروبية. يمكن للمرء أن يقول، دون مبالغة، أن هذا جزء من حرب اقتصادية على الصين.

وتعدَ شركة "هواوي" واحدة من أهم شركات التكنولوجيا في الصين ولذلك فهي تمثل هدفا رئيسا في محاولات إدارة ترامب لإبطاء أو وقف تقدم الصين في القطاعات عالية التقنية. والدوافع في هذه الحرب الاقتصادية تجارية في جزء منها، لحماية وتفضيل الشركات الأمريكية المتخلفة، وفي بعضها الآخر جغرافية سياسية، وهذا، بالتأكيد، لا علاقة له بسيادة القانون الدولي.

وتحاول أمريكا، بهذا، استهداف شركة هواوي، وهذا بسبب نجاح الشركة في تسويق أحدث تقنيات الجيل الخامس عالميا. وتزعم واشنطن أن الشركة تفرض مخاطر أمنية محددة من خلال قدرات المراقبة الخفية في الأجهزة والبرمجيات الخاصة بها. ومع ذلك، لم تقدم حكومة الولايات المتحدة أي دليل على هذا الادعاء. عندما تعيق قواعد التجارة العالمية أساليب ترامب الشبيهة بتصرفات أرباب العصابات، يجب تجاوز هذه القواعد، هذا منطق إدارة ترامب في تدبير هذا الاعتقال.

وقال الكاتب إن اعتقال "منغ"، الذي لم يسبق له مثيل، أكثر استفزازية لأنه يستند إلى عقوبات خارج حدود الولايات المتحدة، أي ادعاء أمريكا بأنها تستطيع أن تأمر دولًا أخرى بالتوقف عن التعامل التجاري مع أطراف ثالثة مثل كوبا أو إيران. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع الصين أو أي دولة أخرى تحدَد للشركات الأمريكية مع من تتاجر ومن تقاطع.

لا ينبغي فرض عقوبات على الأطراف غير الوطنية (مثل العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية) من جانب بلد واحد فقط، ولكن يجب مراعاة الاتفاقات التي تم التوصل إليها داخل مجلس الأمن. وفي هذا السياق، يدعو قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 جميع الدول إلى إسقاط العقوبات على إيران جزءا من الاتفاقية النووية الإيرانية لعام 2015. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة –وأمريكا فقط- ترفض الآن أي دور لمجلس الأمن في مثل هذه الأمور. إن إدارة ترامب، وليس شركة هواوي أو الصين، هي أكبر تهديد اليوم لسيادة القانون الدولي، وبالتالي للسلام العالمي، وفقا لرأي الكاتب.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر