روسيا شرق البحر المتوسط: الموازنة بين الدعم الشامل للتحالف "الشيعي" وتوثيق الصلة بالمحور "السني"

2018-12-11 | خدمة العصر روسيا شرق البحر المتوسط: الموازنة بين الدعم الشامل للتحالف

كتب الباحث في مركز هيرتسليا، إيلي كرمون، أن القادة الروس يدركون أن دعمهم الشامل للنظام العلوي في سورية وتحالفه الحالي مع إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية يجب أن يوازنوه بجهود موازية لتحسين وتعزيز العلاقات مع الدول العربية السنية التي تمثل الأكثرية في المنطقة من حيث التركيبة السكانية والاقتصاد والمكانة الجغرافية السياسية.

وقال إن الإستراتيجية الجريئة والذكية التي اتبعها الرئيس بوتين منذ التدخل الروسي في سورية سنة 2015، على خلفية تراجع إدارتي أوباما وترامب عن المنطقة، قد منحت روسيا، بعد سنوات من الفشل على الساحة العالمية، النجاحات اللازمة لتوسيع مصالحها ونفوذها خارج منطقة شرق البحر المتوسط: إلى منطقة الخليج وشمال أفريقيا والبحر الأحمر.

وأشار الباحث الإسرائيلي إلى أن النشاط الروسي الحاليَ في المنطقة قائم على الخبرة التاريخية. فعلى مدار أكثر من قرنين، ركزت السياسة الخارجية الروسية على طرد الإمبراطورية العثمانية من منطقة البحر الأسود ومنطقة البلقان. وكانت مخططات سانت بطرسبيرغ بشأن القسطنطينية والمضايق التركية أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت روسيا تنضم إلى الحرب العالمية الأولى.

 الأحلام الروسية في تأسيس وجود في الشرق الأوسط قد استرشدت باهتمامات أيديولوجية في بادئ الأمر، وجاءت الاهتمامات البراغماتية لاحقاً. فقد ظلت النزاعات الروسية - التركية على مدى قرون مدفوعة بمحاولات روسيا حماية المسيحيين الأرثوذكس وترسيخ سلطتها الخاصة عليهم في ظل الحكم العثماني. بدأت المشاركة النشطة للاتحاد السوفييتي في المنطقة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وسرعان ما نتج عنها تنافس شديد مع الولايات المتحدة. وكان عدد من الدول العربية، بما في ذلك الجزائر ومصر والعراق وليبيا وجنوب اليمن وسورية، لفترة من الزمن، وكلاء للسوفييت وشبه حلفاء لهم في دعم أعداء إسرائيل العرب ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وكان انسحاب موسكو من المنطقة في عهد الرئيس ميخائيل غورباتشوف في بداية حرب الخليج الأولى يشير إلى تراجع في مكانة الاتحاد السوفييتي بوصفه قوة عظمى. وتهدف عودة ظهور روسيا لاعباً في الشرق الأوسط في عهد الرئيس فلاديمير بوتين إلى استعادة موقعها كقوة عظمى خارج الاتحاد السوفييتي السابق.

وتشمل أولويات موسكو الحالية على هندسة اتفاق سلام سوري، وتوسيع العلاقات مع إيران للاستفادة من رفع العقوبات، وتعزيز العلاقات مع مصر والعراق والأكراد (في كل من سورية والعراق) ودول الخليج وغيرها من الدول العربية السنية، والبقاء على اتصال وثيق مع إسرائيل. وبالتالي، فإن الدوافع الرئيسية لسياسات الكرملين في الشرق الأوسط هي دوافع جغرافية سياسية.

واهتمام روسيا بسورية يتجاوز مجرد إنقاذ نظام الأسد إلى الحاجة للموازنة بين المحور الشيعي والتحالف السني إن فتصرفات الكرملين مدفوعة بالرغبة في إعادة وجوده ونفوذه في المنطقة بعد غياب دام ثلاثة عقود، وإعادة مكانته كقوة عظمى.

لذلك، يدرك القادة الروس أنه يجب موازنة الدعم الشامل للنظام العلوي في سورية وتحالفه الحالي مع إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية بجهود موازية لتحسين وتعزيز العلاقات مع الدول العربية السنية التي تمثل الأكثرية في الشرق الأوسط من حيث التركيبة السكانية والاقتصاد والمكانة الجغرافية السياسية. فكانت مقاربة بوتين إزاء المنافسات بين أطراف ثالثة هي التعاون مع الجانبين في آن واحد.

بين سنتيْ 2005 و2007، زار بوتين مصر وإسرائيل والمملكة العربية السعودية والأردن وقطر وتركيا والإمارات العربية المتحدة، وحصلت روسيا على مركز مراقب في منظمة التعاون الإسلامي.وقد نمت طموحات روسيا في الشرق الأوسط بالنجاحات في ساحة المعركة في سورية. ووفقاً لنيكولاي كوتزانوف (Nikolai Kozhanov)، وهو خبير في الشرق الأوسط في الجامعة الأوروبية في سان بطرسبرغ، فإن موسكو تستخدم الصراع لتوسيع تأثيرها باعتبارها قوة وساطة في الإقليم، وهو يقول إن "شهية موسكو تنمو وفقاً لإنجازاتها على الأرض"، و"تعتبر سورية الآن نوعاً من الوسائل [لتعزيز التأثير الإقليمي] بدلاً من كونها هدفاً في حد ذاتها".

**

في نوفمبر 2013، عندما كان الجنرال عبد الفتاح السيسي لا يزال وزيراً للدفاع في الحكومة التي تشكلت بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين برئاسة الرئيس مرسي، قام وزيرا الخارجية والدفاع الروسيين بزيارة مشتركة للقاهرة لمناقشة التعاون في مجالات التنمية الصناعية والعلوم والاستخبارات. وقد قرر الرئيس بوتين أن يرسل هذا الوفد الرفيع المستوى بعد زيارة رئيس المخابرات المصرية لموسكو، حيث "قدم ضمانات جادة بأن [المصريين] يتحدثون بصورة عملية" بشأن التعاون ضد "الإسلاميين المتشددين" المستهدفين من الطرفين. وكان السيسي يرغب في فتح الباب أمام تنويع خيارات التسلح في الجيش، ويرجع ذلك جزئياً إلى قرار الولايات المتحدة بتعليق جزء من المساعدات العسكرية الأميركية بسبب خلافات سياسية بين القاهرة وواشنطن.

وعرضت روسيا أن تبيع لمصر طائرات هليكوبتر حديثة وأنظمة دفاع جوي في صفقة تاريخية تبلغ قيمتها ملياري دولار وتمثل استعادة للتعاون العسكري واسع النطاق بين البلدين. وكان ثمة مجال آخر للتعاون المحتمل الطويل الأجل على نطاق واسع هو مفاعل مصر النووي المخطط له.[6]في الواقع، وقعت موسكو والقاهرة في نوفمبر 2015 اتفاقية مع روساتوم لبناء "محطة للطاقة النووية السلمية" في مصر، في الضبعة، في شمالي البلاد، يكتمل بناؤها بحلول سنة 2022. وقد قدمت روسيا قرضاً لمصر لتغطية ﺗﻜﺎﻟﻴﻒ اﻹﻧﺸﺎء ، ﻴﺠﺮي ﺳﺪادﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺪى 35 عاماً.

وتوصلوا إلى اتفاقية بشأن اقتناء قاعدة جوية في مصر وإلى نقاشات متزامنة مع السودان لإنشاء قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر، مما يسمح لروسيا بتوسيع قدراتها على منع الوصول  (anti access-area denial) إلى المنطقة الممتدة من القطب الشمالي وبحر البلطيق والبحر الأسود ومناطق القوقاز وآسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط. ولا شك في أن موسكو تعتزم استخدام قاعدتها الجوية في مصر لضرب الفصائل المعادية لروسيا والمدعومة من الغرب في ليبيا. كما إن لديها الآن إمكانية الاستطلاع المباشر لأول مرة للمجال الجوي الإسرائيلي وزيادة التأثير في إسرائيل من خلال القواعد الجوية في مصر وسورية، وهو أمر سعت إسرائيل إلى رفضه منذ إنشائها كدولة. وستتمكن موسكو من التنافس على كامل شرق البحر المتوسط ​​وستعرّض قوات الناتو البرية و/أوالجوية و/ أو القوات البحرية للخطر.

في ديسمبر 2017، قام الرئيس بوتين بزيارته الثانية لمصر منذ 2015، لإجراء محادثات مع الرئيس السيسي بشأن العلاقات المتطورة بسرعة بين البلدين والقضايا الإقليمية. بعد أن تولى السيسي منصبه، اشترى ما قيمته مليارات الدولارات من الأسلحة الروسية، بما في ذلك الطائرات المقاتلة وطائرات الهليكوبتر الهجومية. وفي ما لم يكن من الممكن تصوره خلال الحرب الباردة، فإن مصر بقيادة السيسي تمكنت من الحفاظ على علاقات وثيقة مع كل من روسيا والولايات المتحدة. وأجرت روسيا ومصر تدريبات عسكرية مشتركة لأول مرة في أكتوبر 2017.

وقد أوضح تيمور أخميتوف (Timur Akhmetov)، الباحث في شؤون الشرق الأوسط في مجلس الشؤون الدولية الروسي، أن موسكو ستثمّن وجود منصة إطلاق مصرية للقيام بعمليات جوية في ليبيا التي مزقتها الحرب.

**

منذ ربيع سنة 2017، كان يبدو أن روسيا نشرت قوات خاصة في قاعدة جوية في غربي مصر بالقرب من الحدود مع ليبيا، كجزء من محاولة لدعم القائد العسكري الليبي الجنرال خليفة حفتر. وقد زعمت مصادر مصرية أن وحدة من القوات الخاصة الروسية مكوّنة من 22 عضواً موجودة هناك، كما استخدمت روسيا قاعدة مصرية أخرى أبعد شرقاً في مرسى مطروح في أوائل فبراير 2017. ومن شأن هذه التحركات أن تعزز المخاوف الأميركية بشأن دور موسكو المتعمق في ليبيا.

لقد عمقت موسكو العلاقات مع حفتر، وهو جنرال منشق تسيطر قواته ، الجيش الوطني الليبي، على معظم الجزء الشرقي من البلاد، بما في ذلك منشآت نفطية حيوية. وهو زار روسيا مرتين في سنة 2016 لطلب المساعدة في حملته ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة.

وأفاد الباحث الإسرائيلي القوات العسكرية الخاصة الروسية ، مثل مرتزقة مجموعة RSB، التي تعمل في شرقي ليبيا منذ مارس 2017، قد شاركت مؤخراً في عمليات متقدمة، واستكشفت مواقع لقاعدة عسكرية روسية في طبرق أو بنغازي. كما إن مجموعة "فاغنر"، سيئة السمعة، المكوّنة من المرتزقة الروس تعمل في شرق ليبيا، حيث يقال إنها تخدم أسلحة حفتر التي يوردها الروس وتساعد في إنشاء شبكة استخبارية لقوات الجنرال حفتر.

**

وقال إن التنافس السعودي – الإيراني كان مفيداً بالفعل لروسيا، بمعنى أنه دفع الرياض وطهران إلى طلب ودّها بشكل أكثر نشاطاً مما لو كانت عليه الحال خلاف ذلك. ففي 14 يونيو 2015، حضر ولي ولي العهد آنذاك، الأمير محمد بن سلمان، منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي السنوي واجتمع مع بوتين.

وفي الشهر التالي، تعهد صندوق الثروة السيادي في المملكة العربية السعودية باستثمار 10 مليارات دولار في روسيا على مدى خمسة أعوام، وهو أكبر استثمار أجنبي مباشر على الإطلاق في البلاد. وفي 5 أكتوبر 2017، أصبح سلمان أول ملك سعودي على الإطلاق يزور روسيا. وقد رحب الرئيس بوتين بالزيارة باعتبارها "حدثاً تاريخياً". وبعد القمة، وقّع سلمان وبوتين حزمة من الوثائق بشأن الطاقة والتجارة والدفاع، واتفقا بشأن استثمارات مشتركة بقيمة عدة مليارات من الدولارات.

وأفضل مثال على العلاقة التبادلية بين روسيا والمملكة العربية السعودية هو التعاون في مجال الطاقة، إذ أصبحت موسكو تثمّن التعاون مع الرياض ضد "التهديد" المشترك في زيادة إنتاج النفط الصخري الأميركي، خاصة أن الأسعار ارتفعت منذ بدء هذا التعاون.

 وفي اجتماعات الرياض في فبراير 2018 التي عقدت بين المسؤولين السعوديين والروس، أُبرمت صفقات طاقة رئيسة، غيّرت الاصطفاف الإقليمي بشكل كبير. وعرضت روسيا بصورة مباشرة الاستثمار في الاكتتاب العام المقبل لشركة أرامكو، ما يدعم جهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتنويع اقتصاد المملكة، بل إن هناك شائعات بأن روسيا والمملكة العربية السعودية تناقشان إمكان إنشاء منظمة دولية جديدة لتنظيم إنتاج النفط لتحل محل أوبك أو تكون مساندة لأوبك، مع سيطرة مركزية أقوى من جانب المملكة العربية السعودية وروسيا.

ورأى أن الشراكة مع أوبك، بقيادة المملكة العربية السعودية، تسمح لروسيا بتقوية نفوذها في المنطقة. ثم إن المملكة العربية السعودية هي ثاني حليف للولايات المتحدة قد يشتري منظومة S-400 بعد أن وافقت تركيا على شراء المنظومة من روسيا في سبتمبر 2017. كما وقعت الدولتان مذكرة تفاهم لمساعدة المملكة في جهودها لتطوير صناعاتها العسكرية الخاصة.

**

تجري روسيا وقطر نقاشات حول إمكان بيع منظومات صواريخS-400 إلى الدوحة، وقد وقّعتا اتفاقية بشأن تزويد قطر بأسلحة صغيرة، مثل بنادق كلاشنيكوف، وأسلحة مضادة للدبابات. وقد هددت السعودية "بعمل عسكري" ضد قطر في حال حصول جارتها على منظومات الدفاع الصاروخي الروسية S-400. وفي يونيو 2017، قطعت المملكة والبحرين والإمارات ومصر العلاقات الدبلوماسية مع قطر، متهمة إياها بدعم الإرهاب وتمويله، و"التدخل" في الشؤون الداخلية لجيرانها وإعلانها عن دعمها لإيران. وتشعر الرياض الآن بالقلق من أن امتلاك الدوحة المخطط له لوحدات صواريخ أرض - جو الروسية S-400 سيعرّض للخطر "الأمن القومي" لجيرانها في الخليج العربي.

 **

في  فبراير 2018، أصدر رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف Dmitry) Medvedev)، تعليمات إلى وزارة الدفاع الروسية لبدء محادثات مع نظيرتها اللبنانية  بشأن توقيع اتفاقية تعاون عسكري بين البلدين، بما في ذلك فتح الموانئ اللبنانية أمام السفن العسكرية والأساطيل الروسية، بالإضافة إلى جعل المطارات اللبنانية محطة عبور للطائرات والمقاتلين الروس، وإرسال خبراء عسكريين روس لتدريب أفراد الجيش اللبناني وتقوية قدراته، وتبادل المعلومات بشأن قضايا الدفاع وتعزيز التدريب في مختلف المجالات ذات الصلة بالخدمة العسكرية والطب والهندسة والجغرافيا وغيرها.

وقد عرضت روسيا على لبنان خط ائتمان مناسب بقيمة مليار دولار لشراء أسلحة للجيش اللبناني في مسعى من موسكو لتوسيع نفوذها من سورية المجاورة إلى لبنان على حساب الولايات المتحدة. ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت الحكومة اللبنانية ستقبل العرض الروسي، نظراً للتداعيات الممكنة. وقال عضو برلمان لبناني: "إذا ذهبنا مع الروس، فإن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة سيبتعدان عن لبنان وهذا سيتركنا مع عدد قليل من الأصدقاء في الغرب وعرضة للعقوبات التأديبية. وأضاف: "لماذا يجب أن ندفع مقابل المعدات الروسية مع أننا كنا نتلقى أسلحة أميركية مجاناً لأكثر من 10 أعوام؟"

ووفقاً للصحافي اللبناني جوزيف حبوش، فقد أحبطت الولايات المتحدة اتفاقاً عسكرياً بين بيروت وموسكو، لكن الحكومة اللبنانية المقبلة قد تحاول إحياء الصفقة مجددا.

**

تشكل تركيا حالة خاصة، بوصفها أكبر دولة سنية غير عربية في المنطقة، وهي عضو مهم في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكانت منذ فترة غير بعيدة نظاماً علمانياً صارماً. ومنذ أن وصل حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس أردوغان إلى السلطة سنة 2002، تصالحت تركيا مع دينها وهيوتها، تحت قيادة شخصية كاريزمية سلطوية تود أن تكون زعيمة العالم السني ومؤسِّسة لدولة عثمانية جديدة.

يعتبر أردوغان أحد ألد أعداء نظام الأسد في دمشق، وقد دعم المعارضة السورية منذ بداية الانتفاضة الشعبية في سورية تقريباً: الجيش السوري الحر، وجماعة الإخوان المسلمين السوريين الذين سيطروا على معظم المعارضة السياسية السورية في الخارج.

ولذلك، كان من الطبيعي أن ترى تركيا التدخل الروسي في سورية بأنه حدث سلبي يؤثر في أهدافها الاستراتيجية في البلد الذي مزقته الحرب وفي المنطقة. وكانت موسكو على علاقة جيدة مع الأكراد السوريين، بل واستضافت ممثلين عن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني لمناقشة إمكانية إقامة بعثة دائمة له في روسيا. وقد قوبلت هذه الخطوة بانتقادات في أنقرة، وحذر مسؤولون أتراك موسكو من أنها قد تلحق ضرراً دائماً بالعلاقات بين تركيا وروسيا. ثم قامت الطائرات المقاتلة التركية بإسقاط طائرة سو-24 الروسية فوق سماء سورية في 24 نوفمبر 2015، بعد أن قامت القوات الجوية الروسية المنتشرة في قاعدة "حميميم" الجوية في اللاذقية الساحلية بقصف منازل التركمان وقراهم، وهم مواطنون سوريون من أصل تركي - بحسب أنقرة. وبعد إسقاط الطائرة المقاتلة الروسية، اتخذت موسكو قراراً سريعاً بنشر أحدث نظام للدفاع الجوي من طراز S-400 في القاعدة الواقعة في اللاذقية.

تعافت العلاقات الروسية التركية بشكل مفاجئ بسرعة تثير الدهشة من نقطة سنتي 2015-2016 المنخفضة بعد حادث إسقاط الطائرة الروسية. وبينما انتقدت واشنطن أنقرة بسبب توجهاتها السلطوية المتصاعدة، في الوقت الذي تدعم فيه واشنطن المقاتلين الأكراد والأقليات السورية، حاولت روسيا أن تتودد لتركيا بدعوات لدخول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (Eurasian Economic Union) ومنظمة شنغهاي للتعاون.

ويبدو أن روسيا تأمل في استخدام تركيا لإثارة الخلاف داخل حلف الناتو في الوقت الذي تتقارب فيه موسكو وأنقرة. وقد رفعت الحكومتان جميع القيود التجارية تقريباً في أواخر ربيع سنة 2017. ومن شأن الاستثمار الروسي في محطة للطاقة النووية التركية ومشروع السيل التركي للغاز، إذا تم تنفيذهما بالكامل، أن يؤديا إلى زيادة دور روسيا في أسواق الطاقة التركية.وقد ناقش بوتين، خلال زيارته تركيا في ديسمبر عام 2017 مع أردوغان التطورات في سورية والشرق الأوسط، وكذلك العلاقات الثنائية. وكان ذلك اجتماعها الثامن في تلك السنة، وظل أردوغان يخاطب بوتين بـ"صديقي العزيز" في بيانه. كما خاطب بوتين أردوغان بوصفه صديقاً، مؤكداً دوره في المساعدة في التفاوض على التسوية السلمية في سورية.

وقرار أنقرة الأخير بشأن شراء نظام الدفاع الجوي الروسي S-400، هو بمثابة انقلاب من وجهة نظر الكرملين، وإذكاء للمعارضة داخل حلف الناتو، وإبراز لمكانة تركيا كحليف إشكالي للغرب. وافقت تركيا وروسيا على تقديم تسليم أنظمة الصواريخ الدفاعية S-400 إلى يوليو 2019. وجاء هذا الإعلان بعد أن عقد الرئيس الروسي بوتين لقاء مع أردوغان في أنقرة دام عدة ساعات، وسجّل بداية العمل على إنشاء محطة الطاقة النووية التي تبنيها روسيا في أكويو، والتي من المتوقع أن تنتج 10٪ من احتياجات البلاد من الكهرباء. وفي إشارة إلى أهمية الشراكة، تعد زيارة بوتين إلى تركيا في أبريل 2018 أول رحلة له إلى الخارج منذ فوزه بولاية رئاسية رابعة تاريخية في 18 مارس 2018.

وكان أعظم نجاح حققه بوتين هو ضمّ أردوغان إلى حل "السلام الروسي" في سورية. وفي 22 نوفمبر 2017، التقى بوتين بزعيميْ تركيا وإيران الرئيسين، أردوغان وحسن روحاني. وقد أنتج رؤساء الدول الثلاث وثيقة تدعم الدعوة إلى "مؤتمر للحوار الوطني" لسورية ما بعد الحرب، يُعقد في سوتشي.

وعلى الرغم من أن الرؤساء الثلاثة أكدوا أنهم كانوا يتصرفون وفقاً للمبادئ التوجيهية التي وضعتها الأمم المتحدة بشأن إعادة بناء نظام سياسي سوري قابل للحياة، فإن القوى الثلاث تسعى في الواقع إلى متابعة جدول أعمال منفصل خاص بها. وهكذا، تم "تخفيض مكانة الولايات المتحدة والغرب بشكل غير رسمي في المنطقة.

لقد حصلت تركيا من علاقاتها الوثيقة مع روسيا على الضوء الأخضر لتوغلها العسكري في عفرين، في الشمال الغربي لسورية، في يناير 2018، لمحاربة وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) وطردها من المنطقة. فقد كان من الضروري ضمان موافقة موسكو قبل إطلاق العملية، إذ كانت القوات الروسية متمركزة حول عفرين، ولكن سُحبت بناء على طلب تركيا.

وبما أن تركيا مصممة على توسيع العملية للقضاء على وحدات حماية الشعب بشكل أكبر على طول الحدود السورية التركية وحتى في شمال العراق، فإنه من غير المحتمل أن تتغير هذه الديناميكية، وفقاً للباحث غولني يلدز. كتب يلدز: "عندما يتعلق الأمر بالمسألة الكردية داخل تركيا أو سورية، فإن روسيا تحمل من الجزر والعصيّ ضد تركيا أكثر من أي دولة غربية.. وفي هذا السياق كانت الجزرة عفرين، وإذا تغيرت العلاقات مع تركيا، يمكن أن  تكون العصا -بصورة مكشوفة أو خلف الكواليس- دعماً عسكرياً للأكراد في سورية أو تركيا".

ومع أن تركيا بلد سني وتريد أن تكون زعيمة للعالم السني، كما كتب الباحث الإسرائيلي في مركز هيرتسليا، فإن العلاقات الوثيقة الحالية لروسيا مع تركيا لا تدفع قُدُماً خطتها الكبرى بشأن التوازن بين المحور الشيعي والتحالف السني المعتدل. لم توافق تركيا بتاتاً على تحدي إيران والانضمام إلى التحالف السعودي في اليمن، وهي تدعم قطر ضد دول الخليج الأخرى، وتدعم الإخوان المسلمين ضد نظام السيسي في مصر، وتفضل حماس على السلطة الفلسطينية وتعارض مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تتماشيان اليوم مع السنة المعتدلين.

وفي اجتماع الثلاثي [بوتين وروحاني وأردوغان] في سوتشي في نوفمبر 2017، صرّح مصدر مجهول في وزارة الدفاع الروسية بما يلي: "إن الوجود العسكري الروسي في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ضروري للحفاظ على توازن القوى والمصالح الذي فقدناه بعد تفكك الاتحاد السوفييتي قبل 25 عاماً".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر