إدلب من الداخل: "غزة ثانية" على حدود تركيا

2018-12-9 | خدمة العصر 	إدلب من الداخل:

نقل أحد الناشطين المطلعين من مدينة إدلب، "حكم الدالاتي"، أن الوضع المعيشي والاجتماعي داخل المناطق المحررة في إدلب في تدهور مستمر، ويمكن ملاحظة بروز فئتين تتسع المسافة بينهما، يوما بعد يوم، الأولى: فئة أمراء الحرب الميسورة ومعهم القريبون منهم، وأكثر البقية، ويقتاتون على القليل ويعانون الفقر بين المخيمات.  

وتحدث عن ملامح ومظاهر تفكك المجتمع، حتى "كأنك تعيش في غابة ذئاب، سيطرة الخوف والتربص، لشيوع حالات ومظاهر الفوضى والانفلات الأمني: الخطف، قتل، فدية، اعتقال..". وأما الوضع العسكري، فرأى "حكم الدالاتي" أن التنازع بين الفصائل يبقى سيد الموقف، فكل منها تحاول إظهار نفوذها أمام الداعم الراعي، وقد نسوا عدوهم الرئيس: مليشيات بشار. إذ لا يكاد يمر أسبوع من دون حصول مناوشات وتوترات بين الفصائل، وكل جماعة لها سجون خاصة: معتقل العقاب التابع لهيئة تحرير الشام، معتقل الشاهين الخاضع للهيئة، السجن المركزي التابع لحكومة الإنقاذ التي تديرها الهيئة، سجن 101 التابع للزنكي، وهو من أبشع وأقذر المعتقلات، وهناك عدة سجون للأحرار، ولعل أسوأها السجن الذي يديره أبو معاذ طيبة، وهناك معتقلات لا أحد يعلم عنها شيء.

وتحولت التهم من معارض لمليشيات الأسد إلى معارض لفصيل أو انتقاده، وأكثر هذه الممالك وهمية ولا تتحمل أي هزة، إذ لا يوجد فصيل في الساحة السورية غير مرتبط ويتبع تعليمات دولة معينة، إلا قلة قليلة. ولا تزال المعابر تحت سيطرة "هيئة تحرير الشام" بعد أن قامت بإزاحة أحرار الشام من الواجهة بتهمة العمالة وإدخال الأتراك، ولكن ما لبثت الهيئة أن فتحت قنوات اتصال مع الأتراك وأدخلت الجيش التركي وأصبحت ترافقه في الدخول والخروج.

وأما عن المهاجرين، فطبيعة الشعب السوري أنهم محب للمهاجرين، وينقسم ملفهم بين فصيلين: هيئة تحرير الشام وحراس الدين، والهيئة تسيطر أكثر على موضوع المهاجرين، وتلوح دائما أنه حال إنهاء الهيئة، سيتعرض المهاجرون للتصفية والمطاردة لتسلميهم إلى بلدانهم نت الطرف المتربص، وهذا كلام غير دقيق، فقد صاهر الكثير منهم القوم، وأصبحوا جزءا من النسيج الاجتماعي. وليست قصة الثائر "أبو عمر الليبي" ببعيدة، حيث انتفض أهالي منطقة السحارة من أجل حمايته بعد أن حاولت "هيئة تحرير الشام" اعتقاله. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اسم "هيئة تحرير الشام" يتردد كثيرا، لأنها هي الجماعة الأقوى والمسيطرة على أكبر المساحات والمتحكمة في أغلب مفاصل المحرر من معابر وتجارة.

وكشف المصدر الإدلبي أن اجتماعا هاما عُقد، أمس، في مقر محصن تابع للهيئة، استعدادا للمرحلة القادمة، وما يؤكد أهميته، حضور أبرز القادة، وذكر منهم: أبو مالك التلي  وأبو عائشة وأبو حسين الأردني وأبو ماريا القحطاني وأبو الحارث الديري وأبو رقية الحمصي وغيرهم، بقيادة أبو محمد الجولاني، ولم يُكشف شيء من اللقاء إلا القليل، وتحدث المصدر من إدلب عن مناقشة ملامح الفترة المقبلة في الاجتماع ومستقبل العلاقة مع تركيا وعرض مختلف التصورات والدراسات، ويبقى صاحب القرار المرجح هو الجولاني، من دون أي منافس أو منازع، على الأقل في أوساط من حضر، والجميع مسلم أنه العقل المدبر في الهيئة.

وأشار "حكم الدالاتي" من إدلب إلى أن الاتجاه الغالب هو المحافظة على العلاقة مع تركيا وتحصين كيان الهيئة وإحكام السيطرة على مناطقها في إدلب، ومحاولة تطوير "مؤسسات" إدارة المحرر وتحسين الأداء واحتواء التذمر الشعبي، والانتقال من ردود الفعل إلى سياسية التخطيط بعيد المدى وتثبيت وجودها، وربما الاقتراب من أنموذج حماس في غزة بعد الحسم العسكري وطرد حركة "فتح": واجهة سياسية وعصب عسكري وإدارة القطاع.

وبهذا، تتجه الهيئة إلى سياسة فرض الأمر الواقع، مع الإبقاء على العلاقة المفتوحة مع تركيا وتحصين وجودها وتثبيت سيطرتها وتجنب تجاوز الخطوط الحمراء والالتزام، إجمالا، باتفاق سوتشي دون الخوض في التفاصيل.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر