آخر الأخبار

200 سنة من الثورات والاحتجاجات: الشارع الفرنسي الثائر الذي لا يهدأ

2018-12-9 | خالد حسن 200 سنة من الثورات والاحتجاجات: الشارع الفرنسي الثائر الذي لا يهدأ

ماكرون رئيس الأثرياء يريد أن يحول فرنسا إلى وطن الأثرياء، هذا ما نطق به الشارع. سياساته في تخفيض الضريبة على الأثرياء ليمكنهم من زيادة أنشطتهم الاقتصادية، بما يوفر فرص عمل وزيادة معدلات الدخل لتتخفف الدولة بهذا من برامج الرعاية الاجتماعية، رأى فيها الشارع فلسفة عقيمة مهلكة، انتصارا للأثرياء وسحقا للطبقة الوسطى.

الثورة الفرنسية تستكمل مسارها، والاختلالات في ظل الجمهورية الخامسة لا تُطاق، ماكرون بسياسته الضريبية فجر الغضب الكامن في وعي الطبقة الوسطى التي تصارع محاولات السحق في مواجهة تحول فرنسا إلى وطن الأثرياء.

الشارع بديل عن هشاشة الأحزاب وضعف النقابات، إنه المكان الذي تفقد فيه أجهزة التسلط والتحكم والسياسات الجائرة السيطرة، الشارع عصي على الإخضاع، لهذا كان ملهم الجماهير الثائرة، وليس ثمة بديل عنه لمن أراد مواجهة تغول السلطة وطغيانها.

لا الكتاب ولا القراءة ولا التفلسف ولا العمل الحزبي البارد الأعزل ولا وسائل التواصل الاجتماعي ولا الاحتجاج النظري يغني عن الشارع، ففيه يتشكل الضغط الشعبي المؤثر، وأما بعض العنف والتفلت، فلا يمكن السيطرة عليه ومما لا انفكاك عنه في الثورات ومما تعم به البلوى.

في مواجهة أنظمة التسلط، يعلو شأن الشارع، له جاذبية وإغراء لا يقاومان، تظل الفكرة حبيسة العقول والجلسات، عزلاء لا نبض فيها ما لم ينتصر لها أصحابها في الشارع، حيث البيئة الحاضنة لكل فكرة حية ثائرة.

أما أن يحصل تغيير عميق بلا شارع، فهذا قد يتحقق في خيال الواهمين وأنصار المدينة الفاضلة، أما الملدوغ الثائر الحي اليقظ فلا يرى غير الشارع موئلا لفكرته الحية.

لا يمين ولا يسار، هذا تجاوزته حركة الشارع الفرنسي، تصنيفات وفروق لا يعترف بها الشارع، تخنقه وتفجعه وتعطل حركته، لا قيمة لهذه التسميات المجملة المبهمة المضللة في مواجهة أنظمة وسياسات التسلط..

الشارع بيئة متمردة على الأحزاب والنقابات، لا تعترف بأنماطها التقليدية وقوالبها الجامدة..الشارع يتيح لك الفرصة للتحرر من قيود التحزب والانغلاق في تنظيمات محنطة بدائية.

السلطة في مواجهة الشابرع تحن إلى الأحزاب والنقابات وقد أضعفتها وأفقدتها القدرة على التأثير. وفي الشارع تذوب الانتماءات واللافتات الضيقة، فلا صوت حزب يعلو ولا راية له تخفق، وإنما هي حركة الشارع ومطالبه.

لا ثورة ولا شارع من دون قوة دفع محركة، بعضنا يسميها إيديولوجية وبعضنا يطلق عليها الفكرة الحية المحركة، والفكرة تسبق الحركة، لكن الشارع لا ينغلق في أعماق الفكرة ويغرق في تفصيلاتها وجزئياتها.

ولعل ماكرون أدرك فشل سياساته وخطته "النيوليبرالية"، ولكن لم تفشلها الأحزاب السياسية ولا النقابات المالية، وإنما تصدى لها الشارع. ظن الرئيس الفرنسي أنه بإضعاف الأحزاب وتفكيكها يمكن أن يحقق ما فشل فيه شيراك وغيره، فتصدى له الشارع. إنما يلتزم الشعب بسياسات الرئيس وخططه ما خضع الرئيس للإرادة الشعبية، فإن هو تمرد على الشعب وخرج عليه، تصدى له الشارع.

الشارع فوضوي في تحركه واندفاعه، ولا بد له من قيادة وعقل موجه لكن ليس من طينة الكيانات القديمة المتهالكة ولا العقل القديم المنغلق الغارق في الحسابات والتأملات والتقديرات. وكلما تأخر الحكم عن الاستجابة رفع الشارع سقف مطالبه وانضم إليه مناصرو الأحزاب والنقابات.

200 سنة من الثورات والاحتجاجات..الشارع الفرنسي لا يكاد يهدأ..هذا هو المسار والخط لمن أراد التحرر والانعتاق من زمن وأنظمة الطغيان والانحطاط والاستعباد. أما من يعمل على التغيير بلا ضغط الشارع، فقد يجد له مكانا في رحلة الفارابي بحثا عن المدينة الفاضلة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر