"بوليتيكو": حركة "السترات الصفراء" ليست مجرد رفض لرئاسة ماكرون، إنها ثورة ضد المؤسسة الفرنسية بأكملها

2018-12-9 | خدمة العصر

كتب الباحث "بنيامين حداد (عمل في حملة إيمانوويل ماكرون الرئاسية لعام 2017) في صحيفة "بوليتيكو" السياسية أنه بعد مرور خمسين عاماً على مايو 1968، وهو الشهر الذي كانت فيه فرنسا كلها تحبس بأنفاسها، يبدو أن البلد يمر بواحد من نوباته المثيرة للغضب العام مرة أخرى. ورأى أن الحركات الاجتماعية هي جزء من الحمض النووي لفرنسا. والإضراب هو جزء من مسيرة أي طالب. وقد دفعت الاحتجاجات الضخمة أكثر من حكومة إلى التراجع محاولات الإصلاح.

ولكن هناك شيء مختلف في الاحتجاجات التي يواجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل اليوم. إن حركة ما يسمى بـ"السترات الصفراء" هي أكثر إيغالا في "اللا مركزية"، وأصعب في تعريفها وأكثر عنفاً من سابقاتها. وقد بدأ المراقبون والقادة السياسيون بمراقبة الثورة التلقائية، التي نظمها فيسبوك ويوتيوب.

تمثل هذه الحركة الشعبية المرحلة التالية من تحدٍ شمولي أوسع للديمقراطيات الغربية، تجمع بين ائتلاف شعبي بلا قيادة يدعو إلى حماية اقتصادية واجتماعية. ومع اقتراب البلاد من العنف نهاية هذا الأسبوع، يخشى الكثيرون من اهتزاز المؤسسات الديمقراطية.

من الناحية الاسمية، بدأت انفجارا غاضبا ضد ضريبة البنزين التي كانت جزءا من برنامج ماكرون الانتخابي للامتثال لالتزام البلاد ضد مشكلة "التغير المناخي"، لكن في الواقع هي أكبر من ذلك بكثير. حركة "السترات الصفراء" ليست مجرد رفض لرئاسة ماكرون، إنها ثورة ضد المؤسسة الفرنسية بأكملها.

الحركة أكبر من مجموع أجزائها: إنها انتفاضة القوة الشرائية ونوعية الحياة، الأمر يتعلق بكرامة الناس. يدور الحديث حول جزء من المجتمع، يعيش عديد منه في مجتمعات "شبه حضرية" في المناطق الريفية في فرنسا، والتي تشعر أنها ضائعة ومتخلفة، عندما تتركز الفرص في باريس.

من الصعب تعريف وتحديد حركة "السترات الصفراء". ويبدو أنهم مواطنون ساخطون ومحرومون من مختلف أنحاء البلاد، وتُتيح تقارباً أساسياً للمتطرفين من جميع الأطياف. لكن رسالة المتظاهرين من الواضح أنها شملت مجموعة كبيرة من الناس، ولا يزال من غير الواضح حجم تمثيل الحركة.

المتظاهرون لديهم مطالب متباينة جدا، من تخفيض سن التقاعد إلى الحد الأدنى للأجور، وتحسين الرواتب، ومنع الاستعانة بمصادر خارجية أو إعادة دمج ضريبة الثروة التي ألغلها ماكرون العام الماضي. وهم غاضبون، بعنف، على مؤسسات الدولة.

حاول كل من الزعيم اليميني المتطرف، مارين لوبان، والزعيم اليساري المتطرف، جان لوك ميلينشون، استغلال استياء الحركة من حكومة ماكرون، لكن المتظاهرين تجاوزوهم، فالحركة بلا قيادة وغير مهتمة بالانتماء إلى أي اتحاد أو حزب.

ودعا المتحدثون باسم الحركة إلى مطالبة ماكرون، الذي انتخبت قبل عام واحد فقط، بالاستقالة واستبداله بجنرال متقاعد. في نهاية هذا الأسبوع، بعد أن جددت الحكومة انفتاحها على الحوار، وحتى أعلنت عن عزمها إلغاء ضريبة البنزين المثيرة للجدل، فإن المتوقع هو حدوث مزيد من العنف.

قصر الاليزيه قد اتخذ خطوات غير مسبوقة لتحذير سكان باريس من أن "آلاف" المتظاهرين سيأتون إلى العاصمة يوم السبت من أجل "التدمير والقتل". تلقى العديد من أعضاء البرلمان تهديدات بالقتل، ووجه ممثلو الحركة أنظارهم نحو الوصول إلى القصر الرئاسي.

وعلى الرغم من تصوير انتخاب ماكرون كما لو أنه حاجز ضد زحف اليمين المتطرف، فإن فرنسا ليست محصنة ضد موجة السخط التي تضرب جانبي الأطلسي. في الواقع، قدم ماكرون نفسه، في حملة انتخابه، على أنه تعبير عن عدم الرضا الشعبي عن المؤسسة السياسية. وجسد انتخابه الرغبة في التغيير.

لم يكن معروفا قبل سنتين من الترشح للمنصب (وهو إنجاز لم يسبق له مثيل في فرنسا)، وأنشأ ماكرون حزبه الخاص من الصفر وقدم وجوها جديدة للبرلمان. وتعهد حزب بتجاوز اليسار واليمين لتجميع ائتلاف من الإصلاحيين الليبراليين لكسر 40 سنة من الجمود السياسي الذي ترك البلاد تئن تحت وطأة البطالة والركود على نطاق واسع.

لكن منذ توليه منصبه، أصبح ينظر إليه، على نحو متزايد، على أنه سياسي آخر يمثل النخبة، وفقط، واتهم بالبعد عن اهتمامات الناخبين العاديين. وقد تعزز هذا الانطباع بالنخبوية من خلال جهود الإصلاح التي بذلها ماكرون وخطابه البليغ. وفي هذا، يقول حوالي 70٪ من الفرنسيين إنهم يدعمون احتجاجات "السترات الصفراء". وربما تعتبر من بعض النواحي رد فعل على إعادة هيكلة ماكرون للطبقة السياسية الفرنسية، وهو احتجاج ضد مركزه الليبرالي.

وأما بالنسبة لماكرون، فإن التحدي أمامه كبير: "لم تبدأ علل فرنسا بانتخابه. الفوضى في الشوارع على مدى الأسبوعين الماضيين هي نتيجة للإحباط المكبوت. إنها نتيجة لنقص الإصلاحات منذ عقود، والفشل في إعداد فرنسا للمستقبل. عليه أن يواجه العنف غير المقبول الذي يهدد البلاد، وقد كلف بالفعل العديد من الأرواح. لكنه انتخب أيضا على وعد بأنه لن يتراجع في جهوده لدفع الإصلاحات الهيكلية التي تأخرت طويلاً من قبل أسلافه، وهو لا يستطيع التراجع عن هذا التعهد الآن".

وهنا، يرى الكاتب أن على ماكرون أن يعيد الاتصال بالطاقة والرغبة في التغيير التي كانت جزءًا أساسيًا من حملته، وأن يقدم رؤية إيجابية للمستقبل لملايين الناخبين الفرنسيين الذين يشعرون بالتعاطف مع حركة "السترات الصفراء".

** رابط المقال الأصلي: https://www.politico.eu/article/yellow-jacket-protest-paris-france-emmanuel-macrons-moment-of-reckoning/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر