آخر الأخبار

عن قمع متظاهري باريس: لا يمكن تصور ديمقراطية غربية خارج الرأسمالية ولا قيمة للمجتمع أمام "النخبة"

2018-12-4 | خالد حسن عن قمع متظاهري باريس: لا يمكن تصور ديمقراطية غربية خارج الرأسمالية ولا قيمة للمجتمع أمام

الضرب الوحشي الذي تعرض له بعض المتظاهرين في باريس على يد شرطة مكافحة الشغب يظهر ويثبت، مرة أخرى، أن الحرية عندهم هي ما يمليه ويفرضه السوق، وليس ثمة حرية خارج "قيم السوق"، كما يسمونها، وأن الديمقراطيات الغربية هي خادمة للرأسمالية وليست إلا أداة من أدواتها.

ولا يمكن تصور الحرية، في الغرب، خارج حرية السوق (الخاضع لسيطرة أرباب المال والأعمال والشركات الكبرى)، كما لا يُتصور ديمقراطية خارج "قيم" السوق، فالكل في الغرب خادم له ورهن إشارته، حتى صار (السوق) هو المتحكم في لعبة السياسة والاقتصاد ويدير العملية الديمقراطية.

مصلحة نخبة المال والأعمال والشركات الكبرى هي المحددة لعمل الحكومة والعملية الديمقراطية الغربية. لكن بم نفسر وحشية القمع؟ نظرية داروين يمكنها تفسير هذا، باعتبارها هي المهيمنة على العقل السياسي الغربي الحاكم، أن البقاء للأقوى والأصلح، والمجتمع لا قيمة له أمام طغيان المصالح الاقتصادية ومنطق السوق.

لا وجود للمجتمع خارج أرباب المال ومديري الشركات والعوائل الغنية الثرية، فالبقاء لهم والحكم والسيطرة، ولهذا لا يبالون بالطرق القمعية الوحشية ضد المجتمع. حرية السوق ومنفعة التملك والمصالح الذاتية هي القيمة الأخلاقية الوحيدة، وهي السلطة التي تعلو ولا يُعلى عليها، ولا شأن لأي قيمة أخرى، فالحرية في هذا السياق ليست أكثر من إطلاق اليد في السعي وراء المصلحة الفردية، فكيف لمجتمع أن ينجو في ظل هذا السحق وطغيان الفردانية؟

وهذا النظام الاقتصادي القائم على هيمنة وسيطرة قيم السوق أحدث أزمة عميقة في الديمقراطية الغربية، وأصبح من الصعب، وممَا لا يُتخيل، تصور ديمقراطية غربية خارج الرأسمالية وسيطرة قيم السوق وتغلب أرباب المال والأعمال.

لكن لم لم تبرز أصوات ناقدة كثيرة من داخل المجتمع الفرنسي للقمع الوحشي؟ هنا، يمكن الحديث عن حالة التطبيع، فكأنما ألف المجتمع هذا الوضع المفروض، وما عاد يستغربه وانطبع في ذهنه ووعيه، ثقافيا وسياسيا.

 وهنا، أيضا، يبرز دور المثقف الناقد المصلح، ونداء المفكر إدوارد سعيد إلى كلّ مشتغل بالثقافة ليأخذ على محمل الجدّ "الحاجة إلى كشف وتوضيح حلبة الصراع، وتحدّي وهزيمة الصمت المفروض والهدوء المطبَّع اللذين تفرضهما القوى المتخفية، كلما وأينما توجّب ذلك".

التعليقات