آخر الأخبار

فشلت الحكومة الفرنسية في توقع الثورة الاجتماعية: حركة "السترات الصفراء"..أكبر تحد يواجه ماكرون

2018-12-3 | خدمة العصر فشلت الحكومة الفرنسية في توقع الثورة الاجتماعية: حركة

رأت صحيفة "الغارديان" البريطانية أنه لاحتواء الغضب في الشوارع، يحتاج الرئيس الفرنسي إلى تقديم حلول ملموسة للخيبة السياسية التي تجتاح وتسيطر على "حركة السترات الصفراء"، فقد بدأت الحركة هبَة احتجاجا ضد ارتفاع الضرائب على الوقود، ولكنها تحولت الآن إلى معركة ضد الماكرون.

عندما قام الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بمعاينة الأضرار في قوس النصر بعد أسوأ أعمال عنف في وسط باريس لأكثر من عقد من الزمان، حاول منظفو الشوارع مسح الشعارات المكتوبة على الجدران المطالبة بـرحيل الرئيس ماكرون.وقال تحليل الصحيفة إن يوم احتراق السيارات والعنف في با ريس ومظاهرات حشود أصحاب "السترات الصفراء" المناهضة للحكومة في فرنسا، يُعدَ أكبر تحد يواجه الرئيس الشاب منذ توليه السلطة قبل 18 شهرا.

وصرح ماكرون مرارا أنه لن يستسلم لاحتجاجات الشوارع أو يتراجع، تحت ضغط الترهيب، عما يسميه مشروعه المؤيد لقطاع الأعمال "تحويل" فرنسا وإخراجها من عقود من البطالة الجماعية وبطء النمو الاقتصادي. لكنه يتعرض لضغط شديد للاستماع إلى المخاوف المتعلقة بالسترات الصفراء، وقد انطلقت احتجاجاتهم من مواقف رافضة لزيادات الضرائب على الوقود، غير أنهم تحولوا الآن إلى حركة مناهضة للرئيس ماكرون.

لقد أصبح من الصعب على الرئيس الفرنسي أن يقدم نفسه على المسرح العالمي على أنه بطل تقدمي سيقود الكفاح ضد الشعوبية والقومية إذا كانت الحواجز تحترق في باريس وينتقد المتظاهرون حكومته على أنها نخبة متعجرفة ومتغطرسة. وتكمن الصعوبة التي يواجهها ماكرون في أنه أُخذ على غرَة عندما بدأت مظاهرات أصحاب السترات الصفراء عفويا تنتشر في الطرق الملتوية على امتداد فرنسا قبل أسبوعين، مع عدم وجود قادة أو نقابات أو أحزاب سياسية وراءهم.

وفشلت الحكومة في توقع هذه الثورة المتقطعة ضد الضرائب. ومع ذلك، فإن الانتفاضات المفاجئة يمكن أن تكون نقطة تحول خطيرة، مما يجعل من الصعب جدا إعادة غضب الناس إلى الزجاجة والسيطرة عليه. وهذا صحيح بشكل خاص في بلد مثل فرنسا يميل إلى رفع الضرائب ونظام الإنفاق العام العالي. عندما خاض آلاف المتظاهرين المقنعين معارك مع الشرطة في باريس يوم السبت الماضي، وأشعلوا النار في السيارات وبدأوا بإطلاق النيران على بعض الشوارع الأكثر غلاء في باريس، وصفتهم الحكومة بـ "مثيري الشغب المحترفين" من اليمين واليسار المتطرفين الذين تسللوا إلى الاحتجاجات السلمية.

ومن الواضح، وفقا لتقديرات الصحيفة البريطانية، أن أمل ماكرون الوحيد في منع المزيد من العنف هو تهدئة حركة الاحتجاج من خلال الاستجابة لمخاوفها، وهي الآن متنوعة: من مستويات المعيشة الرهيبة والضرائب غير العادلة إلى عدم الثقة في النظام السياسي والبرلمان نفسه.

والأهم من ذلك، أن أصحاب "السترات الصفراء" يحظون بدعم أغلبية الجمهور الفرنسي. إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن نصف الفرنسيين يعتقدون أنهم لن يستفيدوا شخصيا من إصلاحات ماكرون. ويشعر الكثيرون بأن سياساته الضريبية تصب في مصلحة الأثرياء. وهذه الأزمة حادة، بشكل خاص، بالنسبة إلى ماكرون، لأن التحذير كان موجودًا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت العام الماضي، وفاز بها.

وكان هناك مستوى عال  من الامتناع عن التصويت، والاشمئزاز من الطبقة السياسية، والشعور بالظلم وعدم المساواة في النخبة السياسية، التي يُنظر إليها بأنها مقطوعة عن العمال العاديين في الحياة اليومية، وكانوا جميعهم حاضرين في الانتخابات التي فازت فيها لوبان بـ 10 ملايين صوت. وهذه المشاعر لم تختف.

وللظفر بالرئاسة، أنشأ ماكرون حركته الجديدة على مستوى القاعدة على أساس وعد "بالاستماع" إلى الناس والعناية بنبض الأمة. وعرض نفسه على أنه معالج للأمة. وقد حذر الأمين العام الجديد لحزب ماكرون في نهاية هذا الأسبوع من أن "الناس لا يحتاجون إلى علماء نفس، بل يحتاجون إلى حلول".

وأصبحت الحكومة الفرنسية (التي فشلت في تقديم حلول ملموسة واضحة وتكافح من أجل تحديد ممثل يمكن أن بتحدث إلى حركة "السترات الصفراء" غير التقليدية) تحت الضغط أكثر من أي وقت مضى لإعطاء إجابات لاحتواء الغضب في الشارع.

**

جذبت صور التحصينات والحواجز المُشتعلة ومشاهد شرطة مكافحة الشغب وإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع، وسط أفخم شوارع باريس، الشانزليزيه، الاهتمام العالمي نحو أصحاب "السترات الصفراء"، الذين ضجت العاصمة الفرنسية بهم الأسبوع الماضي.

وأُطلق اسم "السترات الصفراء" على هؤلاء المحتجين، بسبب ارتدائهم لسترات عاكسة للضوء، بلون أصفر، كرمز لطلباتهم. فالقانون الفرنسي يُجبر كل سائقي المراكب على حيازة مثل هذه السترات في سياراتهم، ليرتدوها حال تعطلها على جوانب الطرق، حتى يراهم السائقين الآخرين.

وبدأت حركة "السترات الصفراء"، في وقت سابق من الشهر الحالي، مظاهرة ضد ارتفاع أسعار المحروقات، لكن تأثيرها امتد وتوسع، حيث إن أفراد الحركة الاحتجاجية أصبحوا يعبرون عن الاستياء العام من سياسات الرئيس، إيمانويل ماكرون. واقترنت هذه المظاهرات بالارتفاع العالمي لأسعار النفط بزيادة الضرائب المحلية على أسعار السولار، والتي بلغت نحو 7.6 يورو سنت لكل ليتر، منذ بداية العام الحالي، ما دفع سعر المستهلك إلى الارتفاع لمستويات غير مسبوقة.

وتدّعي الحكومة أن معدلات الضريبة المرتفعة المصحوبة برفع أسعار السولار بـ6.5 يورو سنت لليتر الواحد العام المقبل، تأتي ضمن خطّة حكومية لمواءمة أسعاره مع البنزين (الوقود)، من أجل تقليل استهلاكه على المدى الطويل والحد من التلوث الناجم عنه. وقد استفادت حركة "السترات الصفراء"، التي نشأت عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتبنّت صورة ثورية، من الغضب المتصاعد تجاه مفهوم شرائح واسعة من المواطنين تجاه ماكرون والطريقة التي يحكم بها البلاد على أساس منطق النخبة المثقفة في باريس.

ويرى عدد من المراقبين السياسيين، وفقا لتقارير إعلامية، أن "حركة السترات الصفراء"، تمثل شكلاً غير مسبوق من التعبئة، يتميز بالاستقلالية والتوجيه الذاتي، وكذلك التنوع الأيديولوجي، ما يجعلها تبدو رد فعل شعبي (يتجاوز تقسيم يسار/ يمين)، على التكتل النخبوي الذي تشكل منذ انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً. وتظهر هذه التعبئة في واقع الأمر إفلاس التنظيمات السياسية وانتقال النقابات إلى الهامش.

في البداية، ركزت الاحتجاجات على ارتفاع أسعار المحروقات، ورفض الترفيعات الجديدة التي ستنطلق في يناير، ثم توسع موضوع الاحتجاج إلى تنديد أشمل بالضرائب وتراجع القدرة الشرائية. ويرى الاقتصادي الفرنسي، جاك سابير، أن هذه التعبئة تظهر "بواطن فرنسا الهامش" وتعبّر عن "انقسام طبقي"، لكنها مع ذلك، تبقى صرخة اجتماعية تنبع أساساً من الطبقات الوسطى الصغرى، وتبدو غير مسيسة إلى حد كبير.

وما يثير الدهشة، وفقا لتقديرات صحافية، أن التعامل الإعلامي المرن مع الحركة، والتعاطف الذي أظهرته شخصيات سياسية تجاهها، وهي المعتادة للقدح في جميع الحركات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن هذه "المجاملة الإعلامية السياسية"، يمكن الحركة أن تتداعى سريعاً إن لم توسع مطالبها، لتشمل الأوجاع الاجتماعية للطبقات الأكثر حرماناً، التي ما زالت حتى الآن غير مرئية، كما كتب محللون.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر