آخر الأخبار

"واشنطن بوست": نفوذ إيران في العراق يتراجع، ومعلقون: استنتاج غير دقيق وإيران لا تزال صاحبة التأثير الأكبر

2018-11-20 | خدمة العصر

 تظهر بيانات جديدة أن نفوذ إيران الذي لا يُقاوم في العراق يتضاءل، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست". ويمكن إرجاع صعود النفوذ الإيراني إلى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. لقد ملأت إيران فراغاً سياسياً بعد سقوط نظام صدام حسين بطرق لم تستطع الولايات المتحدة القيام بها، حيث قامت بتشكيل مجموعة واسعة من وكلاء والدوائر العراقية.

وقالت الصحيفة إن شعبية إيران ازدادت بشكل ملحوظ في العراق من عام 2003 حتى عام 2014. واعتمدت إيران في إستراتيجيتها على استغلال الانقسام الطائفي في العراق، وذلك باستخدام الأحزاب الشيعية لزيادة نفوذها، وهذا ليس بين النخبة السياسية، وفقط، ولكن أيضًا بين الشيعة العراقيين العاديين. وكانت الدعاية الدينية الطائفية واحدة من الأدوات الرئيسة التي تستخدمها إيران لزيادة شعبيتها، وبالتالي نفوذها بين العراقيين.

لكن، بينما يتعامل العديد من المحللين مع النفوذ الإيراني في العراق على أنه أشبه بالحقيقة الطبيعية، إلا أن أدلة الاستطلاع الجديد للرأي العام أظهرت أن شهر العسل الإيراني مع الشيعة العراقيين يتلاشى بسرعة. ويمكن لهذا التحول في المواقف أن يكون له تأثيرات عميقة في المسار المستقبلي للسياسة العراقية. إذ كشفت البيانات الحديثة من الدراسات التي أجرتها المجموعة البحثية (Alustakilla (IIACSS، عن اتجاهات جديدة في الرأي العام حول إيران في أوساط الشيعة العراقيين. وتستند هذه الاستطلاعات إلى عينات تمثيلية على الصعيد الوطني من 2500 إلى 3500 مقابلة وجهاً لوجه أجريت مرتين إلى ثلاث مرات سنوياً في خلال العقد الماضي.

وتكشف النتائج التي توصلت إليها الدراسات الاستقصائية الأخيرة عن تغييرات جذرية حقيقية. انخفضت نسبة الشيعة العراقيين الذين لديهم مواقف مواتية تجاه إيران من 88 في المائة في 2015 إلى 47 في المائة في خريف عام 2018. وفي الفترة نفسها، ارتفع من لديهم مواقف متحفظة تجاه إيران من 6 في المائة إلى 51 في المائة. وهذا يعني أن غالبية الشيعة العراقيين لديهم الآن مواقف سلبية تجاه إيران.

وفي الوقت نفسه، انخفضت نسبة الشيعة الذين يعتقدون أن إيران شريك موثوق في العراق بشكل حاد، من 76 في المائة إلى 43 في المائة، في خلال الفترة نفسها. أما أولئك الذين يعتقدون أن إيران ليست شريكًا موثوقًا به، فقد ارتفعت من 24٪ إلى 55٪. كما إن هناك زيادة كبيرة في نسبة الشيعة العراقيين الذين يعتقدون أن إيران تشكل تهديدًا حقيقيًا لسيادة العراق. وقد قفز هذا الرقم من 25 في المائة في عام 2016 إلى 58 في المائة في 2018.

ويمكن رؤية الاتجاه نفسه بين الرأي العام العراقي السني تجاه الإسلاميين "المتشددين" في استطلاعات كاتب المقال في خلال السنوات الأربع الماضية. لا يترك المسح الجديد أي شك في أن الشيعة العراقيين يظهرون الاتجاه نفسه نحو إيران.

لماذا تحول الشيعة العراقيون ضد إيران؟

يحمّل الشيعة العراقيون إيران مسؤولية بؤسهم على ثلاثة مستويات: سياسية واقتصادية واجتماعية. على المستوى السياس، يعتبر الشيعة أن إيران هي الداعم الرئيسي لجميع الحكومات العراقية منذ عام 2006. هذه الحكومات، التي تسيطر عليها الأحزاب الإسلامية الشيعية، حظيت بدعم كامل من إيران، لكنها فشلت في توفير مستوى معيشة لائق للعراقيين بشكل عام وفي المناطق الشيعية على وجه الخصوص. وقد قاد هذا موجة استثنائية من الاحتجاجات في العام الماضي جنوب العراق. وكان تأثير إيران في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة واضحا جدا للجمهور.

على المستوى الاقتصادي، استخدمت إيران العراق معبرا لتجاوز العقوبات الاقتصادية. لقد غمرت البضاعة الإيرانية السوق العراقية، خاصة في المناطق الشيعية القريبة من حدود العراق، وكانت رخيصة جدا وذات نوعية متدنية. وهذه الممارسة تؤثر سلبا في الاقتصاد المحلي وتدمر المنتجين الصناعيين والزراعيين العراقيين من الفئة الصغيرة والمتوسطة. على سبيل المثال، توقف أكبر مجمع للبتروكيماويات -وآلاف مزارع الطماطم في البصرة- إنتاجه بسبب هذه المنافسة غير المشروعة.

وتُلام إيران أيضا على مشاكل المياه التي أصابت البصرة وجنوب العراق. وبسبب نقص إمدادات المياه والكهرباء في إيران، اضطرت الحكومة الإيرانية إلى قطع تدفق الأنهار التي توفر المياه النظيفة للعراق. وقد أدى ذلك إلى نقص كبير في المياه الصالحة للشرب في جنوب العراق، الذي يغلب عليه الشيعة. وكل هذه العوامل أدت إلى احتجاجات كبيرة في الجنوب الشيعي، وخاصة في البصرة، وقد حمّل المتظاهرون إيران المسؤولية، بل وأحرقوا قنصليتها في البصرة.

لكن ما أهمية هذا بالنسبة للسياسة العراقية؟ ليس هناك سبب معتبر للاعتقاد بأن إيران ستفقد كل نفوذ أو جاذبية داخل العراق. وهي تحتفظ بمجموعة واسعة من الحلفاء والوكلاء، بما في ذلك قوات الحشد الشعبي والأحزاب السياسية البارزة. ومع ذلك، وفقا لتقديرات كاتب المقال، فإن خيبة الأمل العراقية الشيعية الشعبية تجاه إيران تظهر تلاشي حالة الاستقطاب للمواقف العراقية من إيران أو الدول العربية السنية.

**

وتعليقا على تقرير صحيفة "واشنطن بوست"، كتب الباحث والصحافي وائل عصام: تنشر منذ فترة تقارير عن إيران غير دقيقة ومُسيَسة، لأنها من التيار المعارض لسياسات ترامب والمحافظين المتشددة تجاه إيران، وهذا قالته شخصيات بارزة من الحزب الجمهوري في مناسبة سابقة عندما علقوا على تقرير سابق لصحيفة "واشنطن بوست" يتحدث عن تساؤلات مبهمة إن إيران هي الفائز بمعركة المناصب السيادية الثلاثة في أعقاب الانتخابات العراقية! وكان هذا تجاهلا غريبا لحقيقة تمكن إيران من فرض مرشحي الكتل الانتخابية الموالية لها الثلاث لمجلس النواب ورئاسة الوزراء والجمهورية، مقابل خسارة التحالف الانتخابي بقيادة العبادي الذي يوصف بأنه أكثر قربا من أمريكا وأقل ارتباطا بإيران، على الرغم من أنه مرتبط هو وحزبه، حقيقة، بإيران، أيضا، وإن احتفظ بعلاقات أفضل من غيره بالولايات المتحدة.

وأضاف الباحث "وائل عصام" أن معظم الشيعة العراقيين ما زالوا موالين للأحزاب الشيعية المرتبطة مباشرا بإيران وبالمراجع الدينية الإيرانية، كالسيستاني والحائري، وهذا يظهر بشكل ثابت في كل انتخابات منذ 2003، والارتباط عقدي قبل أن يكون سياسيا، كون إيران هي قائد العالم الشيعي سياسيا ودينيا، والخلافات بين القوى الشيعية الموالية لإيران وجمهورها كالصدريبن والمالكي هو خلاف تمكنت إيران وحدها من تطويقه واحتوائه ضمن البيت الشيعي.

وكان هذا، أيضا، رأي الباحث والمحلل السياسي العراقي، رائد الحامد، إذ كتب أنه لا يمكن الاعتداد بدراسات استقصائية كهذه في بناء قناعات قطعية، طالما أن المزاج الشعبي العام للشيعة العراقيين يتأثر بمتغيرات طارئة يشهدها الشارع العراقي. فعلى سبيل المثال، انخفضت نسبة التأييد لإيران من 88 بالمائة عام 2015، وهي فترة الحرب على تنظيم "داعش" والموقف الإيراني الداعم للشيعة في الحرب على التنظيم، بينما تراجعت إلى 47 بالمائة في خريف عام 2018 بعد تطورات الاحتجاجات الساخطة على الحكومة المركزية من قبل متظاهري البصرة، الذي ربطوا بين الدعم الإيراني للحكومة والفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة التي يقودها سياسيون حلفاء لإيران.

فالتراجع في نسبة التأييد لإيران لا يمكن اعتباره تراجعا صميميا ما لم يرتبط جدليا بمناهضة المشروع الإيراني في العراق والمنطقة، وهو ما لا يمكن الاستدلال على صحته حتى مع ما تشير إليه الدراسة الاستبيانية. وفي واقع الأمر، وفقا لتقديرات "رائد الحامد"، فإن هذا التراجع يأتي انعكاسا لرأي الشارع الشيعي ونظرته للحكومة المرتهن قرارها لإيران، وهذا الشارع، على ما يبدو، يُحمَل إيران مسؤولية التراجع في الخدمات الأساسية التي أشعلت فتيل الاحتجاجات، وقد ظهر أن من بين تداعياتها تراجع الثقة بالشراكة مع إيران، التي كما أسلفنا، تلعب الدور الأهم في صناعة القرار العراقي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر