آخر الأخبار

اشترى "التهدئة" من حماس بأموال قطرية: لماذا يحرص نتنياهو على التهدئة في غزة؟

2018-11-14 | خدمة العصر اشترى

كتب الصحافي الإسرائيلي، أنشل بفيفر، أن وقف إطلاق النار في غزة يتطابق تماماً مع إستراتيجية نتنياهو: ترهيب الفلسطينيين إلى أن يستسلموا، ثم دفعهم بعيداً عن الأجندة السياسية. ورأى أنه من المستبعد الكشف عن الهدف الحقيقي للعملية الإسرائيلية في غزة ليلة الأحد لعقود قادمة. وقال إن التكهنات حول ما إذا كان من الحكمة إطلاق العملية العسكرية في اللحظة نفسها التي بدا فيها أن وقف إطلاق النار طويل المدى في غزة قد تحقق أخيراً، أم لا، لا معنى لها.

"إليكم ما يمكن أن نقوله على وجه اليقين تقريباً: عندما تم جلب هذه العملية إلى مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أحد الاجتماعات الاعتيادية مع رؤساء المؤسسة الأمنية، حيث يتم تفويض النشاط العابر للحدود من قبل رئيس الوزراء، أعطى نتنياهو الضوء الأخضر على أساس الافتراض أنه مثل ألف عملية سابقة، قد ينتهي هذا الصباح، ولا أحد في إسرائيل وغزة يعلم بها أبعد من دائرة صغيرة من الشركاء السريين"، والكلام للكاتب. 

نتنياهو لديه خبرة ليس بالتصريح لمثل هذه المهمات، وفقط، بل بالمشاركة الفعلية أيضا وقيادتها على الأرض. لقد ارتكب أخطاء في هذه  من قبل، وأشهرها عندما أذن بعملية محاولة اغتيال خالد مشعل في عمان عام 1997، والتي أسفرت عن إلقاء القبض على عملاء الموساد، مما أجبر إسرائيل على تقديم الترياق الذي  أنقذ حياة مشعل وإطلاق سراح 70 عضوا من حماس (ومنهم مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين من أجل استرضاء الأردنيين الغاضبين). نتنياهو تعلم الدرس، وفقا لما أورده الكاتب الإسرائيلي، وأصبح على مر السنين أكثر حذراً عندما يأذن لخطط قادة الأمن.

عندما يتعلق الأمر بتعبئة قوات الجيش الإسرائيلي بأكملها، فهو أكثر حذراً. في السنوات الثلاث عشرة التي قضاها كرئيس للوزراء، كان حذراً من شن هجمات عسكرية واسعة النطاق. في الحقيقة، المرة الوحيدة التي أجاز فيها عملية برية واسعة، كان في حرب غزة عام 2014، صمد لأسابيع على الرغم من توسلات زملائه في مجلس الوزراء والهيئة العامة للجيش الإسرائيلي للسماح لهم بالاقتحام البري. وكان يأذن لغزو محدود للتعامل بشكل أساس مع أنفاق حماس. وهو يكره صفقات السلام الكبرى بقدر ما يكره الحروب الكبيرة.

والآن، في أعقاب وقف إطلاق النار الأخير مع غزة، يتعرض لانتقادات بسبب "ضعفه" من جميع الأطراف، من اليمين داخل ائتلافه الخاص ومن أحزاب المعارضة من يسار الوسط. ويتعرض للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب لقطات قديمة لتصريحاته عندما كان زعيم المعارضة، قبل أكثر من عقد، ينتقد حكومة أولمرت بسبب ضعفها على حماس في غزة.

لكن نتنياهو اليوم، الذي أظهر استعدادا لاتخاذ موقف سياسي من وقف إطلاق النار، وقد دافع بقوة يوم الأحد في مؤتمر صحفي مع المراسلين الإسرائيليين (قبل الفشل المريع للعملية السرية في غزة) عن اتفاق لنقل 90 مليون دولار من الأموال القطرية لحماس، هو نتنياهو الحقيقي. ويتطابق وقف إطلاق النار في غزة تماماً مع إستراتيجية الرفض التي يتبناها نتنياهو. إنها إستراتيجية قام بتوسيعها قبل خمسة وعشرين عامًا في كتابه "مكان ما بين الأمم"، وأحيانًا عندما يقدم محاضرة نادرة أو مؤتمرًا صحفيًا حقيقيًا يتحدث فيها عن فلسفته، تبقى خريطة طريقه التي لا تتغير.

وأورد الكاتب ما اعتبرها "المبادئ الخمسة" لنتنياهو في التعامل مع الفلسطينيين:

1)- مصمم على منع إقامة دولة فلسطينية، وهذا بغض النظر عما قد قاله قبل تسع سنوات لتهدئة الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، باراك أوباما، الذي كان يخيفه في أول عهده.

2)- سيتعين على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أن يتدبروا معاشهم في جيوب شبه مستقلة في غزة وأجزاء من الضفة الغربية، التي سيكون لدى إسرائيل أمنها النهائي ومراقبة الحدود. في أيامنا هذه، وللتظاهر بأنه لا يزال يؤمن بحل الدولتين، وصف هذه الجيوب بأنها "دولة ناقصة" غير مكتملة.

3)- تقع مسؤولية رفاهية الفلسطينيين على الدول العربية التي استغلت على مدى عقودها محنتها لممارسة الضغط على إسرائيل. في هذه الحالة، فإن الأموال القطرية إلى غزة تحقق رؤية نتنياهو.

4)- يمكن لإسرائيل أن تحسن علاقاتها مع الدول العربية دون أن يكون لهذا صلة بالقضية الفلسطينية. والعلاقات المتنامية بين حكومة نتنياهو ودول الخليج العربي هي دليله على أن هذا الأمر ناجع.

5) الوقت في مصلحة إسرائيل. وقد جادل نتنياهو أنه كما تطلب الأمر عقودا قبل أن تقبل مصر والأردن وجود دولة يهودية وتوقع على اتفاق سلام، فإن العملية نفسها ستحدث مع الدول العربية الأخرى، وفي نهاية الأمر سيتعين على الفلسطينيين قبول الأمر الواقع.

اتفاق وقف إطلاق النار يتناسب تماما مع إستراتيجية نتنياهو طويلة الأجل. لكن ماذا لو أن شراء التهدئة مع حماس في غزة بأموال قطرية لا يحل المعضلة؟ في الغالب، سيمنح إسرائيل بضع سنوات من الهدوء المؤقت على الجبهة الجنوبية ويخفف من الوضع الإنساني في غزة بما فيه الكفاية لتجنب أزمة كاملة، لكن نتنياهو لا يبحث عن حل طويل الأمد الآن.

إنه لا يؤمن بوجود واحد مع الفلسطينيين، إلى جانب ما يسميه "سلام الردع"، وهو مصطلح آخر كلمة لترهيب والتسلط على الفلسطينيين حتى يستسلموا. إنه على دراية تامة بأن ذلك لن يحدث في المستقبل المنظور وأنه مستعد للانتظار لجيل آخر إذا كان ذلك هو ما يتطلبه الأمر.

لدى نتنياهو أيضاً أسباب قصيرة الأمد لتوقه للحصول على وقف لإطلاق النار ودفع غزة بعيداً عن جدول الأعمال لفترة من الزمن. فعلى الجبهة الداخلية، ستكون هناك انتخابات في العام القادم. والحرب في غزة أو إلقاء قذائف الهاون على المستوطنات القريبة من الحدود ستؤدي إلى تآكل صورته التي سوق لها على أنه "سيد الأمن". إذ من الأفضل له أن يتحمل ما يعتقد أنها ستكون ضربة قصيرة المدى لشعبيته الآن، ويقدم نفسه على أنه "المسؤول الوحيد الناضج" والأقرب إلى الانتخابات، ويكسب قلوب قاعدته اليمينية العنصرية والتحريض على اليسار، تماما كما فعل في العام 2015.

وعلى الصعيد الدبلوماسي الدولي، وفقا لتقديرات الكاتب، يريد نتنياهو التأكد من أنه يستطيع صرف أي مبادرة سلام محتملة من إدارة ترامب أو من الأوروبيين. الهدوء في غزة يقلل من الضغط الدولي عليه لتقديم تنازلات للفلسطينيين. كما إنه ينشط الصدع بين حماس وفتح ، إذ إن عباس أبو مازن غاضب من الطريقة التي تجاوز بها اتفاق مصر-قطر-إسرائيل-حماس سلطته الفلسطينية وأبعده عن غزة. ذلك أن القيادة الفلسطينية المنقسمة بشدة تجعل أي عملية دبلوماسية أكثر صعوبة.

***

يبدو أن صانعي القرار الإسرائيليين اعتقدوا أن العملية ستجري بسلاسة وأن لا أحد سيلاحظها، ومن الواضح أن هذا تقدير خاطئ، ومع الإدراك المتأخر، كان حساب المخاطر خطأ. وفي هذا، رأى محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، أن الجيش الإسرائيلي تنفس الصعداء في نهاية ليلة الأحد وصبيحة الاثنين لسببين: إنقاذ الجرحى، ثم تم تفادي الأسوأ، فالفشل الأكبر، مع العديد من الإصابات أو الاختطاف، سيعتبر حدثًا إستراتيجيًا من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد كبير.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر