آخر الأخبار

"نيويورك تايمز": أردوغان صنع من خاشقجي "بطلا" في الوقت الذي يدوس فيه على الصحافيين والمعارضين في تركيا

2018-11-8 | خدمة العصر

أبقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على قضية جمال خاشقجي حيَة بالتدفق المستمر للتسريبات، مما أجبر السعوديين على الاعتراف بأن الكاتب الناقد قد قُتلوا قبل أكثر من شهر في قنصليتهم في اسطنبول. لكن بالنسبة لأردوغان، كانت القضية دائماً أوسع من حرية الصحافة أو انتهاكات حقوق الإنسان. في واقع الأمر، فإن استخدام أردوغان لقضية "خاشقجي" باسم العدالة قد أغفل الكثير من النزاعات العميقة في تركيا، وهي الدولة التي اعتُقل فيها عشرات الآلاف من المواطنين في حملة قمع حكومية منذ محاولة الانقلاب في عام 2016.

وقالت الصحيفة إن الأساليب التي استخدمها أردوغان ضد السعوديين هي نفسها التي برع فيها ضد الخصوم السياسيين في الداخل، وهي التسريبات التي زُرعت من قبل مصادر حكومية وأبلغت عنها وكالات الأنباء الصديقة، التي يستشهد بها بعد ذلك لتدمير معارضيه. لقد أصبح هذا النهج عاملا رئيسا في ترسانة الرئيس لنشر الترهيب وقمع المعارضة. لقد تمكن من توظيفها بشكل فعال، بما في ذلك ضد السعوديين، ويرجع ذلك جزئياً، وفقا لتقديرات الصحيفة، إلى وسائل الإعلام الإخبارية الطيَعة التي صمَمها على مدى 16 عاماً في السلطة.

لكنَ المنافذ الإعلامية الموالية للحكومة، نفسها، التي كانت أداة مفيدة في قضية خاشقجي نشرت أيضًا محتوى قاسيا ضد العديد من المعتقلين في ظل حالة الطوارئ، ومن بينهم ناشط معروف في المجال الخيري والمجتمع المدني، هو عثمان كافالا، وصفه أردوغان بأنه "سوروس تركيا"، في إشارة إلى الملياردير جورج سوروس. وفي الآونة الأخيرة، وبعد أن أخفق "يافالا" في العملية القضائية في تركيا، أصدر بياناً عاماً من خلال محاميه للمرة الأولى منذ احتجازه في أكتوبر من العام الماضي. وأمضى عامًا في الحبس الانفرادي في سجن خاضع لإجراءات أمنية مشددة دون محاكمة. وكتب: "أرجو، فقط، أن يُسهم وضعي في فهم الضرر الذي يلحق بالمواطنين والسلطة القضائية في جمهورية تركيا من قبل نظام الاحتجاز المشؤوم".

مثل عثمان كافالا، سُجن أكثر من 100ألف شخص في خلال حالة الطوارئ التي استمرت لمدة عامين، بما في ذلك أكاديميين ومحامين وصحافيين ومعارضين سياسيين، الذين ليس لديهم صلة واضحة بالمحاولة الانقلابية. ولا يزال نحو 50 ألف شخص مسجونا بعد عامين ونصف من الانقلاب، وفقاً لأرقام نشرتها منظمة العفو الدولية، كما فُصل نحو 100 ألف شخص آخر من وظائفهم في القطاع العام.

وقالت منظمة العفو الدولية، مؤخرا، إن وضع حقوق الإنسان في تركيا "مُقفر"، وهو مشهد "يتسم بالاعتقالات الجماعية والمحاكمات والترهيب وإسكات المجتمع المدني المستقل". وهذا ينطبق بشكل خاص على الصحفيين. وأفادت منظمة العفو الدولية أن 180 منفذا إخباريا أُغلق منذ عام 2016، واحتُجز 120 صحفياً. وكتبت لجنة حماية الصحفيين في تقريرها السنوي في ديسمبر الماضي، قائلة: "تظل تركيا أسوأ سجان في العالم للعام الثاني على التوالي، حيث يوجد 73 صحفيا وراء القضبان مقارنة بـ81 سجينا في العام الماضي...وما زال العشرات يواجهون المحاكمة، والاعتقالات مستمرة". واستخدمت منظمات حرية الصحافة الدولية قضية خاشقجي لإبراز مخاوفها: "لا ينبغي أن تصرف الطبيعة المريعة لقتل خاشقجي الانتباه عن اضطهاد تركيا للصحافيين"، كما كتب المعهد الدولي للصحافة في فيينا.

لكن في تركيا، لا يزال الكثيرون يخشون من التعبير عن أي انتقاد لأردوغان علنا​​، وخاصة الصحافيين، الذين وضعتهم قضية خاشقجي في مأزق خاص، فلم تصدر أي من نقابات الصحفيين الأتراك بيانات دعم عندما اختفى خاشقجي، وهم غائبون بشكل ملحوظ عن الوقفات الاحتجاجية التي جرت خارج القنصلية السعودية في اسطنبول.

صحيفة "جمهوريت" هي واحدة من الأصوات المستقلة القليلة المتبقية في تركيا، حيث سيطرت الحكومة على الكثير من وسائل الإعلام الإخبارية. وقال مصطفى كوليلي، الأمين العام لاتحاد الصحفيين في تركيا: "لم تكن هناك حسابات سياسية في عدم الإدلاء بأي تصريح (في قضية خاشقجي)...ذلك أن منظمات الصحفيين في تركيا تحاول التعامل مع المشكلات الكبيرة بعدد قليل جدًا من المحترفين: الآلاف من المحاكمات ضد الأعضاء والمؤسسات الإخبارية، مع البطالة وسوء ظروف العمل". وأضاف: "كل يوم نحضر فيه للمحاكم لدعم صحافيينا...لهذا لا يمكن تخصيص وقت لقضية خاشقجي".

وقد اتَهم العديد من الصحفيين من الأكراد واليساريين بدعم المنظمات المحظورة أو حركة الداعية فتح الله غولن، الذي يشتبه في أنه حرض على محاولة الانقلاب. وقد وصفهم أردوغان بأنهم إرهابيون، بما في ذلك مراسل ألماني تركي لصحيفة "داي ويلت" وعضو مجلس إدارة صحيفة "جمهوريت"، وهي واحدة من أقدم الصحف التركية وأكثرها شهرة.

ولكن ياسين أكتاي، مستشار أردوغان وصديق مقرب من خاشقجي، فصل بين حبس الصحافيين الأتراك ومقتل الكاتب السعودي في صحيفة "واشنطن بوست"، وقال إن العديد من الصحفيين في السجون التركية مرتبطون أيديولوجياً أو استغلوا من قبل الجماعات الإرهابية، وخاصة الصحفيين الموالين للأكراد. وأضاف أن "هذه الأفكار الراديكالية تلقى رعاية"، مستدركا: "ليس لأنهم يعتقدون، ولكن لأنهم أدوات".

وهنا، قالت الصحيفة إن قضية "كافالا" هي واحدة من أكثر الصور توضحا للتسلط المتزايد لحكومة أردوغان. وقد احتُجز بتهم أولية لوجود صلات مع المحرضين على محاولة الانقلاب واستخدام القوة لإسقاط الحكومة من خلال دعم الاحتجاجات في ساحة "تقسيم" في العام 2013، وهي الاتهامات التي ينكرها. وبعد مرور عام على اعتقاله، لم يُوجه إليه الاتهام بعد. وهو رجل أعمال ثري قام بإدارة مبادرات فنية وثقافية للأقليات في تركيا، وغالباً في شراكة مع منظمات أوروبية، وشرع "كافالا" في خوض قضيته من خلال العملية القضائية.

وكتب "كافالا": "مع مرور كل يوم، أصبح الناس الذين يتهمونني بمحاولة إلغاء النظام الدستوري والحكومة يدركون أكثر فأكثر أنه ليس لدي أي علاقة بهذه الاتهامات". وقال محاموه إنه بعد عام من النضال من أجل قضيته ضمن معايير القانون، اضطروا إلى الإعلان عما وصفوه بالظلم في قضيته والانتهاكات الصارخة لحقوق "كافالا" الدستورية. وقال إلكان كويونكو، أحد محامييه، إن اعتقاله بتهمة إسقاط الدولة والنظام الدستوري بالقوة لم يستند إلى أي دليل. وقال المحامي: "قبل كل شيء، هو رجل حوار، رجل مصالحة، رجل توافق...ولم يرتبط في أي فترة من حياته بالإكراه والعنف".

تحدث ثلاثة محامين عن مجموعة من الانتهاكات القانونية، بما في ذلك الإكراه المستخدم في الاستجواب وعدم تقديم "كافالا" إلى القاضي الجنائي المناسب، وقالوا إنهم قدموا 20 عريضة شكوى. وأوضح "كيونكو" أن احتجاز "كافالا" من دون محاكمة يرقى إلى مستوى الاحتجاز التعسفي. وبالنسبة لكثيرين، بدا أن الاحتجاز كان أقرب إلى تحذير موجه للمجتمع المدني. وفي مسعاه نحو سلطات شبيهة بالسلطان في نظام رئاسي جديد تشكل هذا الصيف، كثيرا ما انتقد أردوغان الليبراليين واليساريين وأي شخص له علاقة بالغرب. وتعامل أردوغان مع المحتجزين كما لو أنهم أعداء شخصيون. وعندما اعتقل "كافالا"، شجبه الرئيس في خطاب أمام جماعته البرلمانية، وهم أنفسهم الذين تكلم أمامهم، مؤخرا، في قضية خاشقجي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر