آخر الأخبار

يبدو أن تركيا هي الرابح الأكبر: لماذا تتجه تركيا نحو إيران وروسيا؟

2018-11-3 | خدمة العصر يبدو أن تركيا هي الرابح الأكبر: لماذا تتجه تركيا نحو إيران وروسيا؟

بعد انتقادات طويلة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة، أوجز الرئيس دونالد ترامب الخطوط العريضة لنهج جديد في التعامل مع المنطقة. في الشهر الماضي، كشفت إدارته عن إستراتيجيتها الجديدة في سوريا، متجاوزة تركيزها على مواجهة تنظيم "داعش" إلى محاولة احتواء إيران. لكن هذه الخطط الجديدة لا تعتبر تحديا حاسما مقارنة بتحولات الاصطفاف في المنطقة، والتي اشتدت بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول.

على مدى عقود، تنافست القوى الإقليمية، ولا سيَما إيران والعراق وإسرائيل والسعودية وتركيا، لتحقيق أقصى قدر من السلطة على خلفية تدخلات روسيا والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة فيما بعد. حتى وقت قريب، كانت أمريكا وحلفاؤها الإقليميون -إسرائيل وأغلبية دول الخليج العربية وتركيا- قد انحازوا ضد إيران. وفي أعقاب الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، بدا من المؤكد أن هذه القوى الإقليمية، المدعومة من واشنطن، ستنجح في عزل الملالي.

لقد تنافسوا على تعظيم القوة على خلفية التدخلات التي قامت بها روسيا والمملكة المتحدة ، وفيما بعد الولايات المتحدة، لكن عوامل محلية وإقليمية ودولية تضافرت لتفادي هذا الوضع القائم منذ زمن طويل. وكانت النتيجة الأكثر أهمية لهذه التطورات هي انجراف تركيا بعيداً عن الولايات المتحدة وباتجاه إيران وروسيا.

هناك عدة أسباب لتوافق أنقرة الناشئ مع طهران وموسكو. أولاً، إن صعود رجب طيب أردوغان إلى الرئاسة التركية في عام 2014، وهي خطوة عززت سلطته بعد أكثر من عقد من الزمن رئيسا للوزراء، أحدث تحولا في سياسة البلاد.

قام أردوغان بتمكين التوجهات الدينية وحرك البلاد بعيداً عن العلمانية في أنقرة، والتي يعود تاريخها إلى مؤسسها، كمال أتاتورك، في أوائل القرن العشرين. تشترك رؤية أردوغان للعالم، في العديد من المبادئ، مع تلك الخاصة بإيران وروسيا. ومثل موسكو وطهران، أصبحت أنقرة الآن معادية للغرب أكثر من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة. وبهذا المعنى، فإن تركيا تنحرف عن منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) تجاه "القوى الرجعية".

تشكل قناعات أردوغان تصوره عن النظام الإقليمي. يبدو أن الرئيس التركي ينظر إلى نفسه على أنه سلطان العصر الحديث، الوريث الشرعي للقيادة السنية. لقد ذهب إلى حد الادعاء بأنه "هو البلد الوحيد القادر على قيادة العالم الإسلامي"، وهذا يجعل حكم آل سعود أقل رغبة في التحالف وأكثر منافسة.

والواقع أن جريمة خاشقجي ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة من التطورات التي فاقمت التوترات بين تركيا والسعودية. في الصدع المستمر في الخليج، حيث قطعت المملكة العربية السعودية وحلفاؤها علاقاتها مع قطر (ظاهرياً بسبب السياسة الخارجية الحازمة والمستقلة في قطر، ولكن في الواقع بسبب التوترات المتزايدة الناجمة عن النهج السعودي تجاه إيران والحرب في اليمن)، انضمت أنقرة إلى طهران في دعم الدوحة.

بالنسبة لتركيا، كانت الدولة الخليجية حليفاً هاماً تتوافق نظرتها الإقليمية مع نظرتها الخاصة، كما كانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين مهمة لأنقرة. وحتى قبل الأزمة، كانت تركيا قد وقعت على بروتوكول عسكري مع قطر وفتحت أول قاعدة عسكرية لها في المنطقة في عام 2015. وفي الآونة الأخيرة، وقعت تركيا صفقة لشراء أنظمة الصواريخ S-400 الروسية الصنع، مما دفع وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، إلى تحذير تركيا من أنه يجب إعادة النظر في هذه الخطوة، لأن حلف الناتو لن يكون قادراً على دمج هذه الأسلحة في منظومته.

لقد حدثت هذه التطورات على خلفية الصراع السوري، حيث ظلت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية متحدتين من خلال شراكة طويلة الأمد وعداوة كل منهما لإيران والحرب المستمرة في اليمن. بالنسبة لتركيا، يبدو الارتباط بين إيران وروسيا الآن أكثر ملاءمة من حلف الناتو. أنقرة مشغولة باستقرار سوريا، حتى لو كان ذلك يعني بقاء بشار الأسد في السلطة. هذا الهدف يتوافق مع الأهداف الإيرانية والروسية.

وعملت موسكو وطهران معًا في سوريا بشكل وثيق، حيث قدمت روسيا غطاءً جويًا للقوات البرية الإيرانية، لتأمين قبضة الأسد على السلطة ووضعهما الإقليمي. إن كلا منهما مع تركيا لهم مصلحة في الحفاظ على وحدة أراضي سوريا، الأمر الذي يمكن أن يساعدهم على تفادي التصدع الإقليمي المحتمل.

كما يبدو أن تركيا أكثر قلقا بشأن الأكراد من قلقها إزاء داعش، وهو عامل آخر يدفعها للاصطفاف أكثر مع إيران وروسيا أكثر من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. ربما تكون إيران في وضع أفضل من الولايات المتحدة وحلف الناتو للمساعدة في تهدئة المخاوف التركية بشأن مستقبل الأكراد. ويبدو أن إيران -مثل تركيا- تشعر بأنها مهددة بشكل كبير من قبل الأكراد المُمكَنين. وبالنسبة لكل من إيران وتركيا، فإن تقطيع أوصال سوريا والانفصال الكردي عن البلاد قد يؤديان إلى منحدر خطير يشجع سكانهما الأكراد بالانفصال ويهدد سلامة ووحدة أراضيهما وأمنهما القومي.

وفي الوقت نفسه، يوفر وجود داعش المتبقي الذريعة لرباعية أنقرة وطهران وموسكو ودمشق لإبقاء قواتها نشطة في المسرح. وهذا لا يعني أن هذه العواصم لا تعتبر مشروع "داعش" تهديدًا. بدلاً من ذلك، يرون فرصة في إضعاف تنظيم "داعش"، الذي تقلصت سيطرته وقدراته الإقليمية إلى حد كبير، مما يسمح لهم بتبرير جهودهم العسكرية المستمرة والعدوانية في بعض الأحيان.

في الواقع، يطور أردوغان علاقات أوثق مع "هيئة تحرير الشام"، ويعتقد أن هذه المجموعة يمكن أن توجه ضد وحدات حماية الشعب (YPG)، وهي قوة ميليشيا كردية يرى الأتراك أنها مدعومة من أمريكا والسعودية في سوريا.

من المؤكد أن إيران وروسيا وتركيا لا تزال تعاني من فقدان ثقة بعضها ببعض. وانعدام الثقة متأصل في تاريخ من التنافس. فبعد كل شيء، حاربت الدول الثلاث بعضها البعض في حروب مدمرة وتنافست على السلطة في المنطقة. في الوقت نفسه، لديهم حالياً عدد من الاهتمامات المشتركة وتجمعهم تصورات التهديد المشترك، مما يؤدي بهم إلى العمل معاً بشكل وثيق في العديد من المجالات، بما في ذلك في العسكرية والاقتصادية منها.

في مستنقع الساحة الجغرافية السياسية في المنطقة، يبدو أن تركيا هي الرابح الأكبر، وتستفيد من هذا التجميع لتحسين صورتها في العالم الإسلامي، على أن دولة قائدة مستعدة للوقوف في وجه المملكة العربية السعودية، التي ترتبط علاقتها الوثيقة مع إسرائيل وتورطت في حرب كارثية في اليمن شوهت سمعتها. ويبدو أن أنقرة تلعب على جانبي الصراع السوري، ربما في محاولة لتعظيم نفوذها في المفاوضات المستقبلية.

في الواقع، يعتمد نجاح سياسة الولايات المتحدة في سوريا جزئياً على تركيا. ونتيجة لذلك، يجب أن تفهم واشنطن الأهداف الإقليمية الرئيسة لتركيا وأن تُقيَم قدرة حلف الناتو على إحباط تحول غير مرغوب فيه في ميزان القوى الإقليمي.

من المرجح أن تؤثر عملية إعادة اصطفاف تركيا في الحملة الأمريكية الجديدة في سوريا واستمرار سياسة واشنطن في المنطقة برمتها. ورداً على هذا التطور، ينبغي على الولايات المتحدة أن تفكر في استخدام مقعدها على الطاولة لإظهار أن لديها الوسائل والإرادة السياسية، معا، للإسهام في استقرار سوريا. وبدلاً من التركيز على تنحية الأسد، يجب على إدارة ترامب النظر إلى الصورة الأكبر وتأمين المصالح الأمريكية في المنطقة. لا يمكن لسورية أن تبقى ملاذاً آمناً للجماعات الجهادية.

مع تزايد التقارير عن الأحداث المحيطة بوفاة خاشقجي، قدمت السعودية 100 مليون دولار إلى الولايات المتحدة للمساعدة في استقرار سوريا. لكن يبدو أن الرياض لن تكون قادرة على شق طريقها للخروج من هذا الوضع. قد يكون هذا المال كافياً لإطالة العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية، لكنه لن يفعل الكثير لإيقاف زخم المشهد الجغرافي السياسي المتحول بسرعة، حيث تظهر إيران وروسيا وتركيا كتلة متماسكة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر