آخر الأخبار

الوطنجيون.....عيال (الصحوة)

2018-10-31 | رياض المسيبلي الوطنجيون.....عيال (الصحوة)

بقلم: رياض المسيبلي/ كاتب يمني

أزعم أن ما من فكر يسود إلا كان أثره على معارضيه أشد وبالا من أثره على مناصريه؛ فالفكرة تحدد مسار من يتطرف ضدها ولكن باتجاه عكسي.

ولقد كانت الصحوة جنة قوم وجحيم آخرين؛ يذكرنا أصحابها دوما بفضلها علينا، وكيف أيقظتنا من سبات عميق. أما من اكتوى بنارها فقد اختار العويل وتلفّع بالمظلومية، وحمّل الصحوة كل شر رآه أو عانى منه. وحتى لا نفاجئ الوطنجيين (عيال الصحوة)، كما تصفعهم حكوماتهم، علينا تذكر بعض ملامح الصحوة:

-      كان الصحوي يرفع شعار الدين وحمايته والذود عن المقدسات؛ فيتبرع بتكفير كل من يقف في طريقه ولو عن طريق الخطأ.

-      غلب على الصحوة صوت الوعاظ، وحتى الذين أوتوا العلم من مشايخها اختاروا سبيل الوعظ والشعبوية.

-      بنى الصحوي مشروعه على أنقاض من حاربهم وحكم على فترتهم بموتة أهل الكهف، وجاء هو مخلّصا ومنقذا لنا من آثار فترة انحلال وفجور لا يوصف.

-      عرفت الصحوة في تاريخها كثيرا من محطات استعداء السلطة على مناوئيها، واستغلت السلطة واستعملتها الأخيرة عصا بيدها تكسر بها ظهر كل من يرفع رأسه أمام جبروت الدولة.

وبعد أعقاب ثورات الربيع العربي تفاجأ (عيال الصحوة)، من ليبراليين ويساريين ومطبلاتية، بهذه الأذرع التي ارتفعت تطالب بإسقاط الأنظمة في أرجاء العالم العربي، وكانت النتيجة التي أفزعتهم هي هذا الصعود غير المسبوق للإسلاميين. لم يستطع (عيال الصحوة) اللعب على أوتار الدين؛ فهم أولا يعجزون عن قراءة آية فضلا عن فهمها، ولأنهم، ثانيا، يعلمون أن الإسلاميين عباقرة في اللعب على أوتار الدين. وكانت الحكومات التي بدأت ترتعد خوفا من امتداد هذه الموجات الثورية العاتية تبحث عن خطاب يمكن به تسويق اغتيال ثورات الشباب العربي.

كانت تجربة الصحوة، التي لعبت بها حكومات عدة من قبل، خيارا مرفوضا تماما؛ فصعود الإسلاميين في الثورات كان أمرا يستحيل تكرار ما أدى إليه. لذلك كان الخطاب الوطني سبيلا تفر عبره الأنظمة الصنمية من آثار الثورات.

وهنا صعد الوطنجيون؛ فاستخدموا ذات الخطاب الصحوي، ولكن هذه المرة حلت كلمة (الوطن) محل (الدين)، والولاء الوطني محل الولاء والبراء الصحوي، والتخوين محل التكفير، والغذامي والحمد وأبو دهمان وبقية الشلة محل القرني والبريك والعريفي. ولكن انحدار الوطنجيين فاق ما يمكن للعقول أن تتصوره. لقد نشأ إثر انتشار الوطنجية هذه ما يمكن تسميته بـ(مثقف الكلوركس)؛ كائن ليس لديه من شغل سوى غسل قذارات السلطة. بل إن موجة الوطنجية لم تقتصر على فضح النخبة التي اكتفت بدور بساط تدوس عليه السلطة وترميه متى شاءت، بل كشفت كذلك طبيعة وتفكير هذه النخبة من (عيال الصحوة) الوطنجية.

 فالجدالات الثقافية تحدث في كل مكان، ولكن ما يبقي على أثرها حيا وفعّالا هو شرف الدفاع عن الفكرة وشرف الخصومة من أجلها. لكنّ الوطنجيين عندنا لا يحتملون هذا الشرف، فكان سقوطهم الفكري والأخلاقي مدويا. وقد اتضحت أخلاق الوطنجيين في قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي رحمه الله؛ إذ لم تشهد الساحة الثقافية سقوطا أخلاقيا من أسماء ملأت العالم عويلا عن مآسي المد الصحوي كما شهدته في الآونة الأخيرة.

هكذا اختزلت الأوطان؛ دفاعاً عن شخص أو نظام، وتبريرا لما لا يمكن أن يبرر، وكيلاً من التخوين لكل من أبى الوقوع في مخازي القوم. كتب القتل علينا في أوطاننا العربية باسم الدين حينا وتحت راية الوطن حينا آخر. وتملك الخوف والذل والخنوع أقلاما كان الظن بها أن تكون مأوى للعقل ونصرة الحرية. وما لا يدركه الوطنجيون أن التغيير هو الشيء الثابت اليوم، والدليل هو مسيرتهم القذرة هذه، ولكن الإنسان مجبول على تحطيم القيود مهما كانت أسماؤها، وسيأتي يوم تنتصر فيه الأوطان على كل هذا الزيف وأتباعه ومروجيه، وحينها هل سيكرر الوطنجيون (عيال الصحوة) ما فعله رموز الصحوة عندما رأوا البساط يسحب من تحتهم، فخرجوا علينا بمراجعاتهم المشهورة، فهل سيفعل الوطنجيون ذلك؟

كأسك يا وطن...


تم غلق التعليقات على هذا الخبر