آخر الأخبار

التلويح السعودي بالورقة الروسية

2018-10-27 | وائل عصام التلويح السعودي بالورقة الروسية

قد يكون من المبكر الحديث عن اتساع الخلاف بين واشنطن والرياض، على خلفية أزمة خاشقجي، فلا يبدو أن تهديدا جديا يحيق، حتى الآن، بقدرة ولي العهد السعودي بن سلمان على البقاء في موقعه، رغم ما ارتكبه ويرتكبه من ممارسات قمعية بحق المعارضين له، كان آخرها قتل خاشقجي، فالولايات المتحدة طالما دعمت أكثر الأنظمة استبدادا وقمعية في المنطقة، ما دامت خاضعة لسياساتها ومتوافقة مع مصالحها.

إلا أن إشارات عديدة، ظهرت بعيد أزمة خاشقجي توحي بأن السعوديين وبن سلمان خاصة، قد بدأ يبحث عن سلة أخرى يضع فيه بعض البيض، بدلا من وضعه كله في السلة الأمريكية، ولعل حديثه للوفد الروسي عن أنه بدأ يعرف الآن أصدقاءه الحقيقيين من أعدائه يصب في هذا الميل، كما إن هناك عبارة لافتة قالها بن سلمان لكوشنير، بأنه "لن ينسى انقلاب الغرب ضده"، وفقا لما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال"، وهي تعبر بلا شك عن الصدمة التي عاشها الأمير السعودي المتهور، عشية حملة الانتقادات الغربية العنيفة التي طالت بلاده، بعد أزمة مقتل الصحافي خاشقجي، لكنها تضيف إشارة جديدة إلى نية بن سلمان التلويح بورقة موسكو أمام ضغوط محتملة متزايدة من واشنطن بوجه الأمير الطامح لعرش المملكة، وهو ما هدد به صراحة الصحافي السعودي تركي الدخيل المقرب من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، وإن كان الكثير من المراقبين يعتقدون أن الرياض ما زالت تحتفظ بعلاقات وطيدة للآن مع واشنطن، وهي غير مضطرة الآن لهذا الخيار، لكن التلويح به يعني أنه وضع مستقبلا على الطاولة على الأقل، وهذا بالتأكيد سيقابل بحماس شديد من موسكو، التي تسعى لاغتنام أي فرصة ومجال لموطئ قدم لها في المياه "الساخنة" بالخليج بعد أن نجحت في ترسيخ وجودها في المياه الدافئة شرق البحر المتوسط.

ويبدو أن بن سلمان ومعه بن زايد، يتطلعان إلى روسيا الحليف القادر على حماية الدول المارقة بالمنطقة، خاصة أن موسكو نفذت قبل أشهر قليلة عملية لاغتيال احد معارضيها في لندن بمادة سامة، أثارت ضجة دولية وأزمة مع الحكومة البريطانية، بدون أي إجراءات جدية لمحاسبتها، ولعل لسان حال بن سلمان يقول (إذا نجح الروس بحماية الأسد بعد كل جرائمه، فلا بد أنهم قادرون على حماية طاغية أخر في الرياض أيضا).

التطور الأبرز في ملف التقارب مع موسكو، وإن كان محدودا وإعلاميا، حصل خلال المؤتمر الاقتصادي الأخير في الرياض، فرغم أن الوفد الروسي كان محدودا ولا يتجاوز الثلاثين شخصا، مقارنة بوفد صيني ضم نحو 400 شخص، كما ذكر الخبير الاقتصادي ناصر التميمي، إلا أن أثر الحضور الروسي السياسي كان لافتا، خصوصا مع إعلان رئيس شركة النفط السعودية أرامكو، عن وجود مفاوضات مع شركة نوفوتيك الروسية لاستثمارات الطاقة، في إنجاز مشروع للغاز المسال في السعودية، كما كان لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، حضور مميز في مؤتمر الاستثمار، ومدير هذا الصندوق كيريل ديميترييف لعب دورا مهما في إقامة علاقة قوية مع الرياض، وجلب الاستثمارات السعودية إلى روسيا، وكان هذا الصندوق قد حذا حذو القيادة الروسية في اتخاذ موقف مساير للرياض، في التصريحات الإعلامية بقضية خاشقجي، إذ أصدر بيانا يقول فيه إنه «يدعم الإصلاحات التي يقودها ولي العهد السعودي».

وتحدثت صحيفة "بلومبيرغ" الأمريكية الاقتصادية المتخصصة عن التلويح السعودي بالورقة الروسية، ونقلت عن مستشار مقرب من الكرملين، أن موسكو تراهن على الأمير محمد بن سلمان وتتوقع أنه سيخرج من هذه الأزمة أكثر قوة، وتقول "بلومبيرغ" إن موسكو تحاول أيضا مغازلة الأمير الشاب، لكن محاذير كثيرة تتعلق بملف التقارب مع الرياض هذا، أهمها وجود دولتين حليفتين لموسكو هما إيران وتركيا، لا تمتلكان هذا القدر من الحماس لتعزيز العلاقات مع الرياض، كما أن موسكو تخشى من أن تؤدي الأزمة الحالية لتقارب جديد بين أنقرة وواشنطن على حساب موسكو.

وعلى الرغم الحديث المتصاعد عن ضغوطات غربية لإبعاد أو تهميش بن سلمان، إلا أن موقف إدارة ترامب لا يعبر، حتى الآن، عن أي خطوات عملية لمعاقبة بن سلمان أو تهديد طموحاته، بل إن هناك من يرى أن التصريحات الأمريكية الصادرة عن الرئيس الأمريكي ومساعديه تدور في خانة إيجاد مخرج لابن سلمان، من خلال تكرار الحديث عن معاقبة مساعديه المسؤولين عن العملية، كما كرر فريق ترامب والمقربون منه في الحزب الجمهوري، التأكيد على المصالح الاقتصادية والسياسية التي تربط واشنطن بالرياض، وهو ما أشار إليه مستشار ترامب السابق وليد فارس، وعدد من أعضاء الحزب الجمهوري..

واقتصر حديث الإدارة الأمريكية عن عقوبات منع سفر، تطال عناصر الفريق الأمني تحديدا، بالرغم من أن الإدارة الأمريكية تدرك أن عملية كهذه لا يمكن أن تتم بدون موافقة بن سلمان شخصيا، وهو ما قاله الرئيس ترامب لأول مرة في تصريحاته الأخيرة، من دون ذكر لأي إجراء جدي يطال محمد بن سلمان تحديدا، بل إن هناك تخوفا من أن بن سلمان سيصبح أكثر عدوانية وتهورا وقمعا إن خرج من هذه الأزمة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر