آخر الأخبار

"ستيفن والت": عملاء أمريكا في المنطقة طغوا وأكثروا الفساد لأنهم ضمنوا دعم أمريكا مهما أجرموا

2018-10-16 | خدمة العصر

كتب "ستيفن والت"، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، أن دونالد ترامب لم يحافظ على التحالف مع السعودية، وفقط، وإنما فضلها واختارها من دون بقية العالم.

وخلافا لما يظنه البعض، فإن الولايات المتحدة لم تنسحب من الشرق الأوسط، والمنطقة لم تنزلق إلى حالة من الفوضى لأن واشنطن قد انسحبت. صحيح أن العدد الإجمالي للقوات الأمريكية أقل بكثير من ذروتها في حرب العراق، لكن المنطقة لم تكن مستقرة عندما كان هناك أكثر من 150 ألف جندي. على أية حال، كانت تلك الحادثة غير السعيدة (لحسن الحظ) انحرافًا غير اعتيادي وليس خط الأساس لا يزال لدى الولايات المتحدة ما يقرب من 25 ألف جندي عسكري في أماكن مختلفة في المنطقة، بما في ذلك عدة آلاف من القوات تحاول مواجهة النفوذ الإيراني، وأسطول بحري مقره في البحرين وقاعدة جوية كبيرة ونشطة في قطر، وعدد غير محدد من قوات القوات الخاصة وناشطين سريين في مجموعة متنوعة من البلدان الأخرى، ومعظمهم منخرطون في عمليات مكافحة الإرهاب من نوع أو آخر.

بعيداً عن الانسحاب من المنطقة، ضاعف الرئيس دونالد ترامب من دعم الولايات المتحدة لزبائن أمريكا التقليديين في الشرق الأوسط. وقد رحب بالرجل القوي المصري عبد الفتاح السيسي في البيت الأبيض واستمر في تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية المترفة للدكتاتورية العسكرية في مصر. ونقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس إرضاء لكبير المتبرعين للحزب الجمهوري، شيلدون أديلسون، وعين مدافعًا متحمسًا لحركة المستوطنين الإسرائيليين سفيرًا للولايات المتحدة، وله علاقة طيبة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كما احتضن ترامب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الزعيم الإصلاحي المفترض، إلى جانب حلفاء السعوديين الوثيقين في دولة الإمارات.

الأهم من ذلك، أن ترامب، ووزير الخارجية، مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، جميعهم مشتركون في الخط السعودي - الإسرائيلي - المصري – الخليجي حول الإيراني. أصرت إدارة أوباما مرارا وتكرارا على أن "كل الخيارات مطروحة على الطاولة"، لكن كان هدفها الأكبر هو الوصول إلى وضع تكون فيه الحرب مع إيران غير ضرورية. لقد عكس ترامب هذا النهج، ويخشى بعض المراقبين الآن أنه (أو كبار مستشاريه) يريد الذهاب إلى الحرب.

وهذه السياسة لم تنسحب من المنطقة. في الواقع، ما يلفت الانتباه حول قرار التضييق على التزام الولايات المتحدة تجاه عملائها التقليديين هو أنها تحدث خلال فترة يصبح فيها كل من هؤلاء الحلفاء أقل استحقاقًا للدعم الأمريكي غير المشروط. وإذا كان هناك وقت للولايات المتحدة للإشارة إلى رفضها لسلوك كل دولة، وإبعاد نفسها إلى حد ما، والبدء في استكشاف خيارات أخرى، فستكون الآن.

في مصر، سحق السيسي أي أمل في الديمقراطية، وقتل المتظاهرين وسجن مئات المعارضين، ومعظمهم على أسس مشكوك فيها. وعلى الرغم من تحسن الاقتصاد المصري، فلا يزال الفساد مستشريًا، وفرضت الحكومة في الآونة الأخيرة قيودًا جديدة على حرية التعبير، فهل هذا هو نوع الحكومة التي يجب على الولايات المتحدة أن تدعمها؟

في غضون ذلك، تواصل إسرائيل مسيرتها نحو اليمين بعيداً عن الديمقراطية ونحو نظام الفصل العنصري، مع استمرار نمو المستوطنات في الأراضي المحتلة ومقتل عشرات المدنيين الفلسطينيين على حدود غزة. وحتى مؤيدي إسرائيل، منذ فترة طويلة، يشعرون بقلق متزايد من مسارها الحاليَ، وبعضهم يقول ذلك علانيَة.

أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فقد أصبح من الواضح تماما أن محمد بن سلمان ليس مصلحا تقدميا، بل على العكس من ذلك، فقد كشف أنه قاتل وانتقامي وليس قائدًا كفئا. لقد أساء إدارة العلاقات مع لبنان وقطر وحطم الجيش السعودي في حرب وحشية في اليمن، مما شوه سمعة المملكة الدولية. علاوة على ذلك، فإن سلوكه المتقلب والعنيد يخيف المستثمرين الأجانب الذين يحتاجهم لتطوير الاقتصاد السعودي ويقلل في النهاية من اعتماده على صادرات النفط أضف إلى ذلك سجل الفشل في مقتل الصحفي الناقد جمال خاشقجي، الذي لم يشكل تهديدًا حقيقيًا للنظام، ومن الصعب تبرير دعم الولايات المتحدة غير المشروط للرياض أيضًا.

ومع ذلك، تبدو إدارة ترامب أكثر استعدادًا للنظر في الاتجاه الآخر. ويرجع ذلك جزئياً إلى الجشع، كما يتجلى في تصريح ترامب القائل بأن التشدد على المملكة العربية السعودية قد يعرض صفقات السلاح  للخطر، وهذا نتيجة، أيضاً، لشراء خط السعودية – مصر - إسرائيل - الخليج حول إيران.

وبالإضافة إلى الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، تقتضي هذه السياسة أيضا تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات ثانوية إذا ما حاولت الحفاظ على الاتفاق ومواصلة التجارة والاستثمار في إيران. ويشعر الحلفاء الأوروبيون لأمريكا بالاستياء الشديد من تسلط الولايات المتحدة، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن هذا سيكلفهم الحرمان من فرص تجارية مربحة، ولأنهم يدركون، أيضا، أن قرار ترامب التخلي عن الاتفاقية النووية كان خطأً إستراتيجيًا.

وهنا، كتب الباحث الأمريكي "والت"، قائلا: "أذكركم، أنا أؤيد الطلاق الودي بين الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تقوم واشنطن بتحويل قضايا الأمن الأوروبية تدريجياً إلى الأوروبيين أنفسهم في الوقت الذي يظلون مشاركين دبلوماسياً واقتصادياً. يجب أن تتم هذه الخطوة ليس في ظل الحزن أو الغضب، ولكن بدافع الرغبة في أن تصبح هذه الديمقراطيات الغنية أكثر اعتمادًا على نفسها". وهذا يعني أن الولايات المتحدة لن تكون، بعد اليوم، خط الدفاع الأول لأوروبا. ولكن لسوء الحظ، فإن سياسات ترامب تزيد من احتمال أن يكون الانقسام المستقبلي مع أوروبا مريرا ومثير للجدل، فالرجل خبير في حالات الطلاق البغيضة.

وأخيراً، فإن الزعم بأن الشرق الأوسط سيذهب إلى الجحيم إذا انفصلت عنه الولايات المتحدة، غير صحيح، بل سيكون الوضع مختلفا تماما، إذ لم يؤد تدخل الولايات المتحدة الواسع النطاق إلى تحقيق الكثير من الاستقرار في المنطقة في الماضي، حيث كان على الولايات المتحدة أن تتعلم من تجاربها غير السعيدة في العراق وليبيا واليمن وأماكن أخرى. والأهم من ذلك، فإن الاتجاهات السلبية التي نوقشت أعلاه هي نتيجة عدم فك الارتباط الأمريكي، وكذا الدعم المفرط وغير النقدي للولايات المتحدة.

فعملاء أمريكا في المنطقة لا يسيئون التصرف لأنهم يعتقدون أن أمريكا ستتخلى عنهم، إنهم يتصرفون بتهور لأنهم يعتقدون أن ترامب سيدعمهم بغض النظر عن مدى سوء تصرفهم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر