آخر الأخبار

حكم ابن سلمان لن يكون كما أراده: لماذا هذا الاهتمام بخاشقجي؟

2018-10-13 | خدمة العصر حكم ابن سلمان لن يكون كما أراده: لماذا هذا الاهتمام بخاشقجي؟

كتب أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، أسعد أبو خليل، أن "خطف" خاشقجي حظي بتغطية واسعة في الصحافة الغربية، وشارك فيها مراسلو الإعلام الغربي ومراسلاته بنشاط حثيث على وسائل التواصل الاجتماعي. مقتل المئات وجرح الآلاف من الفلسطينيين على مدى الأشهر الماضية لم يحظَ بتغطية مماثلة لتغطية قضية خاشقجي. لماذا هذا الاهتمام بخاشقجي، وهو معروف لدى معظم العاملين والعاملات في الإعلام الغربي؟

الرجل كان حتى أيامه الأخيرة يصر على أنه ليس منشقاً وليس معارضاً، وأنه ليس ضد العائلة المالكة، لكن الإعلام الغربي (بيساره ويمينه) جعله بالقوة رمزاً للمعارضة الشرسة ضد النظام (صحف غربية وصفته بـ"المعارض العريق" لآل سعود). وقد عمل خاشجقي في الكثير من وسائل الإعلام السعودية وتبوأ مناصب رسمية في الإعلام والدعاية.

ورأى الكاتب اللبناني الأمريكي أن "خاشقجي" لم يراهن على الديمقراطية بقدر ما راهن على أمراء آل سعود، لكن أمراءه سقطوا، أي إنه دفع ثمن رهان خطأ. كانت له نكبته مع آل سعود مثل ما كان للبرامكة نكبتهم في عصر الرشيد. هو ارتبط بداية بأولاد الملك فيصل: عمل في جريدة "الوطن" (لصاحبها خالد الفيصل)، وكان قريباً من شقيقه تركي عندما رأَسَ جهاز الاستخبارات. وكان عمله الصحافي (في بلد لا يُسمَح للإعلام فيه) أقرب إلى العمل الدعائي الصرف (خلافاً لتصوير كتاب الصحف الغربية الذين لا يقرأون العربية).

وقال الكاتب إن "خاشقجي" لم يكن داعية ديمقراطيا كما يصورونه في صحف الغرب،  وتعترف "واشنطن بوست" في مقالة، أمس، بأن خاشقجي عرض خدماته على بن سلمان (من موقعه في الغربة) مستشارا له. وصديقه شفيق غبرا كتب في "القدس العربي" أن خاشقجي أراد إقناع النظام بأن صوته "لا يهدده ولا يضره بل يساهم إيجابياً". لكن ارتباط خاشجقي بالوليد بن طلال، وفقا لتقديرات الكاتب، ضيَق عليه مساحة التعبير، لأن ابن سلمان لم يكن يحبذه. ولم يكن سببُ إقصاء خاشقجي نقدَ ترامب كما تظن الصحافة الغربية، فلا تزال بعض صحف آل سعود (مثل "الحياة") تنشر نقداً لترامب. الموضوع، كما يرى الكاتب، أنه محسوب على منافس لابن سلمان من قلب العائلة المالكة.

وقال الكاتب إن دور "خاشقجي" في المعارضة القصيرة مترددا وانفصاميا. لعب دورين بلغتين: كانت تغريداته ومقالاته في "واشنطن بوست" ليبرالية وعامة وتتحدث بلغة يستسيغها الإعلام الغربي (أي عشق الديمقراطية وعدم تحدي السياسات الغربية إلا بصورة طفيفة). أما في العربية، فكان نفسه أكثر إسلاميةً، وكان مناصراً للقضية الفلسطينية.

ربما أدرك خاشقجي أصول اللعبة، وفقا للكاتب: العربي يكون مقبولاً في الغرب، ما التزم حدود أدب الخطاب الغربي من دون تحديه أو تحدي الفرضيات الإعلامية الغربية عن العرب. هذا قربَ الغرب إليه. عرف كيف يكون عربياً مقبولاً أيضاً. ورد فعل الإعلام الغربي في مناصرته بقوة (في غيبته) يعود ليس فقط إلى معرفتهم الوثيقة به على مر سنوات، بل ربما تعبيراً عن خذلان ابن سلمان لهم. هذا الإعلام الغربي هو الذي روج لابن سلمان ولإصلاحاته التي وافق خاشقجي عليها. كان خاشقجي يقول بالإنكليزية: إن ما يفعله بن سلمان صحيح، لكن أسلوبه خطأ، وفقا لما أورده الكاتب.

وكتب "أسعد" أنه ليس صحيحاً ما يقوله الإعلام الأميركي أن إهمال ترامب حقوق الإنسان هو الذي أطلق يد محمد بن سلمان كي يرتكب من الجرائم والحماقات ما يشاء. لكن هناك ما هو جديد في حكم ترامب، أنه لا يكترث لما يقوم به الحلفاء والوكلاء ما داموا يدفعون له الجزية. وقال إن الإدارات الأميركية كانت تحمي حلفاءها من أسوأ غرائزهم وتحميهم من نفسهم. تنصحهم عندما تشعر بأن سياساتهم وأفعالهم يمكن أن تشكل أخطاراً على مصلحة النظام، ومصلحتها، وهذه الإدارة لا تفعل ذلك.

يشعر ابن سلمان، الحاكم الوحيد والأوحد، أن لا قيودَ على ما يفعله، خصوصاً أن الساحة العربية باتت خالية من المنافسة. الصراع مع قطر أبعدها عن المنافسة الإقليمية (خارج نطاق الحيز الإعلامي) والأنظمة العربية الباقية مطيعة أو منصرفة إلى همومها الداخلية.

وكتب أن حماقة ابن سلمان تكمن في تسرعه وتهوره. هو يدرك أن تسلق العرش في حياة أبيه محفوف بمخاطر داخل العائلة. والمعارضة الحقيقية التي يواجهها ابن سلمان ليست في الشارع أو الجامعات أو الإعلام أو حتى المنافي (مع تنامي الوجود المُعارِض في المنافي)، ولكن المعارضة الحقيقية التي يخشاها ابن سلمان هي داخل الأسرة الحاكمة، ذلك أن حملة "ريتز" كانت بدافع معاقبة أفراد في العائلة، خصوصاً من أولاد الملوك، أو الطامحين إلى العرش، مثل الأمير الوليد. في فندق "ريتز"، لم يستولِ ابن سلمان فقط على المقدرات المالية لإمبراطورية ابن لادن، بل هو استولى على ميراث الملك فهد (أو جزء منه) وعلى ميراث الملك عبد الله (أو جزء منه) وعلى جزء من ميراث أولاد سلطان، وهو استهدف هؤلاء الذين كانوا يعبرون علناً (مثل عبد العزيز بن فهد) أو سراً (مثل الأمير متعب بن عبد الله والوليد بن طلال) عن استيائهم من حكمه، والذين شكلوا لسنوات مواقع نفوذ. وقد تسرب في الإعلام الأميركي أن إدارة ترامب هي التي أمدت ابن سلمان بالمعلومات الاستِماعية عن نيات معارضيه في الأسرة وحقيقة مواقفهم، كما كتب "أسعد أبو خليل".

لكن لماذا الآن؟ يتساءل الكاتب، ولماذا شكل خاشجقي هذا الهاجس لحكم ابن سلمان؟ لم يكن خاشقجي أول منشق سعودي، وليس أول معارض، وهو حتماً ليس أصدح أو أقوى معارض. هذا رجل نفى عن نفسه تهمة المعارضة لآخر يوم وحافظ على التزامه نظام الحكم وحتى التراتبية الملكية لآخر لحظة، وكان على صلة بشقيق ابن سلمان في السفارة في واشنطن. لكن خاشقجي لم يكن مثل باقي الإعلاميين السعوديين. قد يكون الوحيد بينهم الذي نجح في اختراق جدار الإعلام الغربي، وعمله ناطقاً (رسمياً) باسم هذا الأمير أو ذاك عبر السنوات، خصوصاً في سفارة واشنطن في أيام تركي بن فيصل، أتاح له التعامل والتواصل مع نخبة الإعلام الأميركي في العاصمة وفي نيويورك. وهو قدَم خدمات إلى هؤلاء الإعلاميين (سفر وإجراء مقابلات مع الأمراء)ـ وكان محبوباً منهم، وكان خاشقجي شديد الاحترام للإعلام الغربي، وعندما كان المراسلون الغربيون يبحثون عن وجهة نظر تصلح لنقل موقف الحكومة الرسمي، لكن من دون ذكر مصدر، تطوع خاشقجي لذلك (وكشف هذا بعد اختفائه الصحافي توماس فريدمان).

وذكرت الصحافة الأميركية أنه تعرف في فترة إقامته القصيرة على النخبة السياسية والإعلامية، وكان قريباً من مسؤولين في إدارة ترامب. لم يُتح لناقد سعودي من قبل أن يصل إلى مركز الثقل الصحافي. لم تكن مقالات خاشقجي متطرفة في معارضتها ولا تشبه الخطاب السعودي المعارض الذي تمثله مضاوي الرشيد أو محمد المسعري أو سعد الفقيه.

وكتب "أسعد" أن الحكومة السعودية تنفق الكثير على شركات علاقات عامة ومجموعات ضغط في العاصمة واشنطن، لكن هذا الرجل باتَ يخاطب النخبة الحاكمة بلغتها. وأصبح خاشقجي بسرعة ضيفاً على كل مراكز الأبحاث في واشنطن وعلى الجامعات في أرجاء أميركا. تناقض دوره مع الدور الذي رسمه ابن سلمان لنفسه، خصوصاً أنه لم يصل إلى العرش (رسمياً) بعد.

وحسب ابن سلمان، كما رأى الكاتب، أن تهوره ومجازفاته تُحسب له وأن بطشه و"حزمه" يزيدان منعته في الحكم ويزيلان من دربه معارضيه. فقد تجاهلت كل حكومات الغرب ما كان أشنع من إخفاء خاشقجي (أو قتله)، لكن هذه الجريمة الجديدة لم تكن مثل سابقاتها. هذا ما عناه الصحافي الصهيوني توماس فريدمان (الذي أسال حبراً كثيراً في تلميع صورة الإصلاحي ابن سلمان في "نيويورك تايمز") عندما قال قبل أيام إن مقتل خاشقجي أهم من أرقام الضحايا في اليمن. هذا رجل بات على معرفة وثيقة بالنخبة، واقترب منهم وأصبح مشاركاً في الحياة السياسية في ولاية فرجينيا (حيث أقام)، وعدد المهاجرين والمنشقين عن السعودية ازداد في السنوات الأخيرة.

ورأى أن فضيحة "خاشجقي" ليس حتما أن تطيح بحكم محمد بن سلمان، لكن حكمه لن يكون كما أراده. باتت أبهى أيامه وراءه. بلغت سلطة محمد بن سلمان ذروتها قبل أن يصل إلى العرش. أصبح الآن عرضة لابتزاز كبير. ولن تثور أميركا على النظام السعودي كما يتوقع بعضهم. وتهديدات بعض أعضاء مجلس الشيوخ لن تنعكس في سياسات. أصبح ابن سلمان ــ ولو حكمَ ــ ضعيفاً في الحكم، وقد تؤدي الفضيحة إلى ترتيب في داخل عائلة يتنامى داخلها التململ، لا بل المعارضة.

ورأى أن ابن سلمان أخطأ الحساب، ولم يصدر نقد واحد له في أي من عواصم الغرب. ظن أن سلطته مطلقة، وأن أمر اغتيال صحافي سعودي سيمر كما تمر اغتيالات العدو الإسرائيلي في دول العالم. لم تصبح السعودية -ولن تصبح- في موقع القلب عند الإدارات الأميركية. ولأن الحكم في التاريخ السعودي كان قيادة جماعية (داخل نخبة العائلة الحاكمة)، فإن الحذر والسرية والخشية والمساومة (السطحية) طبعَت سياساتها. وعندما انتزع ابن سلمان الحكم بيديه، أزال موانع وروادع للمغامرات "غير المسؤولة" أو "المحسوبة".

وختم مقاله بالقول: "يمكن أن نسمع بسيناريو أن القنصل السعودي تصرف من عنده، وأن الهدف كان اعتقال خاشقجي لا قتله. التسريبات في الساعات الأخيرة توحي أن زمن اللفلفة لم يفت بعد. هناك مَن يعمل عليه بجد في العواصم الثلاث".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر