آخر الأخبار

لاجئو المخيمات في تركيا أمام محنة أخرى!

2018-10-1 | لاجئو المخيمات في تركيا أمام محنة أخرى!

بقلم: سهيل المصطفى / ناشط وإعلامي سوري من دير الزور

لا تحمل مخيمات اللجوء في تركيا جوانب مُظلمة فقط، ففيها من الجوانب المضيئة ما يُثلج الصدر، فهي المكان الوحيد الذي لم تتسلل إليه سياسة التتريك، وفيها تقوم المساجد والقائمون عليها بتحفيظ القرآن، والحفاظ على القيم الأخلاقية العربية المستوحاة من ديننا الحنيف، وفيها لا يَشعر اللاجئ بالغربة لأن كل من حوله يتحدثون العربية، بل إن تقارب المسافات بين الخيام، والتي لا تزيد عن متر واحد، أوجد نوعاً من الألفة والحميمية بين اللاجئين!!

لا نقول إن المخيمات والخيام جنات عدنٍ، بل نقول إنها حافظت على اللغة العربية خاصة بين من وُلدوا في هذه المخيمات ولم يحظوا بمدارس عربيةة.وسيخرج اللاجئون (شاءوا أم أبوا) ليندمجوا في المجتمع التركي، وستضمحل اللغة العربية رويداً رويداً كما يحدث الآن مع من لجأ إلى أوروبا .

استطاع اللاجئون استثمار مأساة اللجوء وتجميعهم كالقطيع في مخيمات أقرب لزرائب الدواب منها لتجمعات بشرية، استطاعوا استثمار هذه المأساة وتحويلها إلى عامل قوة في الحفاظ على اللغة، وتحفيظ القرآن وتعليم أطفالهم ما لا يُمكن تعليمه لهم في مؤسسات تعليمية حكومية غير عربية أو لا تنتهج نهجاً إسلامياً.

في مخيمات اللجوء، اجتمع الأقارب والأصحاب وأبناء القرية الواحدة والمدينة الواحدة، وعوائل الشهداء وأراملهم وأطفالهم، وجرحى الحرب ومعاقوها، يهتم الجميع بالجميع، وتقتسم العوائل طعامها مع فقراء المخيم، ومن لا معيل لهم، حتى إنهم كانوا يتبادلون كسوة الثياب!

استطاع اللاجئون بناء مجتمع متآلف ومتقارب، اجتمع أبناء المحافظات السورية الثائرة فيه، وتعارفوا وتقاربوا وتصادقوا وتصاهروا، وفعلوا ما لم يكن مُتاحاً لهم في سورية، جمعتهم ثورتهم على النظام وتضحياتهم وشهداؤهم ونزوحهم ولجوؤهمواشتركوا في قمع النظام الطائفي لهم في سورية، وفي ظُلم ذوي القربى لهم في العرق والدين، وهم الآن يشتركون في عملية تهجيرهم القسرية مرة أخرى!

ستُقدم الدولة التركية إعانة مالية (لمرة واحدة)، لكل عائلة تستأجر منزلاً، بشرط استصدار عقد إيجار وسند إقامة، وتتفاوت هذه الإعانة بحسب عدد أفراد العائلة. ولكن هذا لا ولن يكفي العائلات التي لا مُعيل لها، وسيُضطر أرامل الشهداء إلى العمل، وأطفالهم على ترك التعليم والانخراط في سوق العمل لإعالة أُسرهم، وربما يُضطر المعاقون والجرحى وكبارُ السن للتسول، كما ستُضطر عوائل المهاجرين للسكن لوحدهم دون رب الأسرة، بعيداً عن أقاربهم وجيرانهم الذين ألفوهم، وكذا أرباب الأُسر الذين تأخرت إجراءات لم شمل عوائلهم أو رُفضت، وبعضهم لا يستطيع العودة إلى تركيا لأسباب أمنية نتيجة وشايات كيدية أنتجتها صراعات الثورة!

ولا بُدّ من الإشارة إلى أن تركيا لم تُصدر قانوناً يُنظم العمالة الأجنبية في تركيا، ويُلزم العمال وأرباب العمل بالحقوق والواجبات، وهذا ما خَلّف مشاكل كثيرة وترك العمالة الأجنبية تحت رحمة وطمع وجشع أرباب العمل، ونتج عن ذلك مشاكل كثيرة لا تجد لها مكاناً في المؤسسة القضائية التركية لتحلها وتُنصف مظلوميها، ويستطيع رب العمل التركي أن يقول للعامل ببساطة: (هذا ما لدي، اذهب وبلط البحر!!)، وحدث هذا مع أقاربي ومعارفي. ورُبّما ستفكر بعض الأُسر في العودة إلى مناطق سيطرة النظام، وهناك مراقبون يعتقدون أن اللاجئين يُدفعون دفعاً لهذا الخيار في ظلّ التحالفات السياسية الجديدة في المنطقة!

في أوروبا حُلَت معظم هذه المشاكل، حيثُ مُنح اللاجئون منازل مجانية وإعانات مالية شهرية وتأميناً صحياً، وسُمح لهم بالانخراط في سوق العمل حتى دون إتقان اللغة، ويكفي تعلّم أساسياتها، وفتح الأوروبيون مؤسساتهم التعليمية للاجئين، وسمحوا لهم بالانخراط في مدارسهم المهنية مع دفع تعويضات مالية لهم، ليتعلموا مهناً جديدة يطلبها سوق العمل، وساوتهم بمواطنيها أمام القانون، ولا يمكن لأي ربّ عمل أو مؤسسة أو كيان ما أن ينتقص من حقوقهم !أما في موضوع اللغة وتغيير الثقافة، فتشترك كل دول اللجوء غير العربية في هذا الشأن.

ولهذا كله، ستطفو مشاكل اجتماعية كثيرة على السطح، فهل وضع الأتراك هذه الأمور في حسبانهم؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر