آخر الأخبار

النفوذ الفرنسي في الجزائر "ليس على ما يُرام"

2018-9-26 | خدمة العصر النفوذ الفرنسي في الجزائر

كتب "برنارد باجولي"، الذي سبق له أيضا أن تولى قيادة جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية إن تجربته الجزائرية كانت ثرية، وأنه عمل نهاية السبعينيات كدبلوماسي شاب في السفارة الفرنسية، ثم عاد سفيرا سنة 2006 بعد أن اختاره الرئيس الأسبق جاك شيراك ليكون سفيرا قبل أن يستدعيه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي ليعود إلى باريس ويكلفه بتولي منصب استحدث لأجله وهو منسق الأجهزة الأمنية الفرنسية على مستوى قصر الإليزيه، ليعينه بعد ذلك الرئيس السابق فرانسوا أولاند قائدا لجهاز الاستخبارات الخارجية.

وقال إن العلاقات السياسية والدبلوماسية الفرن في المقابل كانت معقدة وباردة، ففي عهد الرئيس هواري بومدين وبمناسبة ذكرى أول نوفمبر التي توافق ذكرى اندلاع الثورة، كان الرئيس بومدين يجلس إلى طاولته وهو يلبس برنوسه الأسود ويدعو إليه سفراء العديد من الدول، مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والدول العربية، إلا السفير الفرنسي لم يكن يدعوه، وحتى وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة لم يكن يستقبله، فيجد نفسه مجبرا للتعامل مع موظفي الوزارة.

وذكر أنه غادر الجزائر وفِي قلبه غصة، لأن السلطات الجزائرية رفضت الترخيص له بأخذ حصان اشتراه خلال فترة عمله الأولى، لأن الحصان كان من فصيلة محمية، وأنه رغم تلك الحادثة وافق بحماس لعودته إلى الجزائر سفيرا سنة 2006، ولكن الرئيس الأسبق شيراك ورغم علاقته الجيدة مع النظام الجزائري قال له إنه لا يوجد ما يمكن فعله لتطوير العلاقات مع البلدين.

واعتبر أن أحد الأسباب التي أدت إلى توتر العلاقات هو الدعم الفرنسي للمغرب في ملف الصحراء الغربية، وأنه لما سأل الرئيس شيراك حول الملف قال له إنه كان على وشك التوصل لاتفاق بخصوص ملف الصحراء، ولكن المغرب أفسد الأمر وتراجع في آخر لحظة، إلى درجة أن شيراك كان غاضبا كثيرا من وزير الخارجية المغربي، وأن قضية الصحراء من أولى القضايا التي ناقشها مع الرئيس بوتفليقة، والذي قال له إن باريس تدعم موقف الرباط في هذه القضية منذ عهد الرئيس الأسبق فاليري جيسكار ديستان، وأنه رد قائلا إن هذا الموقف ليس فيه انحياز للمغرب على حساب الجزائر، بل هو موقف متأثر بقناعة مفادها أن هذا الملف استراتيجي ومصيري بالنسبة للمغرب، وليس كذلك بالنسبة للجزائر.

ولما عاد إلى الجزائر وجد بلدا يحاول لملمة جراحه بعد سنوات الحرب الأهلية، الأمر الذي تسبب في تأخر كبير على كل المستويات، ولكن الإدارة الموجودة لم تكن قادرة على تدارك التأخر، فمعظم الوزارات أُفرغت من موظفيها المتمرسين، ولَم يكن هناك أي رجال مال حقيقيين قادرين وراغبين في الاستثمار، وأن بعض رجال الأعمال كانوا من صنع النظام نفسه، مشددا على أنه أصيب بالذهول من حجم الرشوة والفساد الموجودين والذي يصل إلى عائلة الرئيس.

وختم السفير السابق كلامه عن الجزائر بإعادة نشر ملاحظة أرسلها إلى وزارة الخارجية، كتب فيها أن الجزائر لديها كل مقومات النهوض، خاصة الثروات الباطنية، والتي يفتقد إليها جيرانها، لكنها لا تستفيد من هذه الثروات، لأن هذه الثروات إما بددت أو تم الاستيلاء عليها في ظل وجود نخبة حاكمة وضعت يدها على السلطة والثروة، وشعب لا ينتظر سوى الحصول على حصة من هذه الثروات.

وما يمكن قوله، الآن، وفقا لتقديرات محللين متابعين لهذا الملف، عن العلاقات بين البلدين أنها "ليست على ما يرام، لا على المستوى السياسي، مع ما يشبه الحرب الباردة المستدامة في أكثر من ملفٍّ أمني ودبلوماسي، ولا على المستوى الاقتصادي حتى بعد خسارة فرنسا لموقع الشريك الاقتصادي الأول، ولا على المستوى الثقافي حتى مع حرص الإدارات ومنظومة التعليم على تمويل فرْنَسة الألسن والعقول لأجيال ما بعد الاستقلال، وباستثناء عقدين من غزل المراهقين بعد رحيل بومدين، وهيمنة نخبٍ محسوبة على "دفعة لاكوست"، فإن العلاقات كانت وما زالت رهينة لمخلفات الحقبة الاستعمارية، وفشل النخب الفرنسية في التحرر من عقدة الفردوس المفقود".

وما لم يرِد على لسان باجولي، كما كتب أحد الصحافيين الجزائريين، أن هذا الجيل (الثوري) المتهم عنده، لم ينس كيف جازفت فرنسا بتمديد عمر المواجهة الدامية بست سنوات بعد اكتشاف النفط والغاز سنة 1956، وكانت عند تحرير اتفاقية ايفيان أحرص ما تكون على ضمان الهيمنة على قطاع النفط، والاستفادة عسكريا من الصحراء الكبرى لمواصلة تجاربها النووية حتى 1966، ولم تلتفت كثيرا لا إلى مستقبل أبنائها من مجتمع الأقدام السوداء، ولا إلى عملائها من مجتمع الحركى (عملاء فرنسا من الجزائريين في حرب الاستقلال)، اللذين تساوم بهما اليوم في السر والعلانية للتملص من استحقاقات الاعتراف بجرائم الحقبة الاستعمارية".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر