توقعات "ستراتفور" للأشهر القادمة: الحرب التجارية ونفوذ روسيا وتضرر إيران

2018-9-25 | خدمة العصر 	توقعات

ربما ثمة ما يستحق الاهتمام في ما رصده مركز "ستراتفور" من توقعات لتطورات الأحداث واتجاهاتها في خلال الأشهر القادمة، ومركز التنبؤات الإستراتيجية، والمعروف أكثر باسم "ستراتفور" STRATFOR، هو مركز دراسات إستراتيجي وأمني أميركي، تطلق عليه الصحافة الأميركية اسم "وكالة المخابرات المركزية في الظل" أو الوجه المخصخص للسي آي إيه، ومعظم خبراء مؤسسة "ستراتفور" ضباط وموظفون سابقون في الاستخبارات الأميركية:

- سوف يواصل الاقتصاد الإيراني الترنح من وطأة العقوبات، بينما تمضي الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وإسرائيل قدماً في تطبيق إستراتيجية ترمي إلى إضعاف إيران إقليمياً. وسيظل بإمكان إيران أن تتعامل مع الاضطرابات الداخلية الناجمة عن الضغط الاقتصادي، وسوف تتوخى الحذر لتجنب تصعيد عسكري مع الولايات المتحدة في الخليج. وسوف يحتدم صراع السلطة بين مختلف أجنحكم الحكم.

- سوف تتكشف حدود نفوذ الكرملين في سورية في تحاول فيه موسكو الدفع بمقترح لإنهاء الحرب واحتواء إيران وتخفيف مخاطرة روسيا الخاصة في منطقة الصراع. وبينما تسعى موسكو لجر واشنطن إلى مفاوضات أوسع نطاقاً، فإن العقوبات الأميركية المتزايدة على روسيا في هذا الربع سوف تعكر المناخ التفاوضي، ولو أن إحراز بعض التقدم على جبهة الحد من التسلح سيكون ممكنا.

- سوف تكون تركيا حالة دراسة مقنعة في هذا الربع من العام في الاتجاه الأوسع للدفع ضد أحادية الولايات المتحدة في مجال السياسة التجارية والعقوبات. وبينما تجد نفسها عالقة في تنافس القوى العظمى بين الولايات المتحدة والمحور الأوراسي للصين وروسيا، سوف تبقي تركيا إحدى قدميها في حلف الناتو، بينما تقوم أيضا ببناء وتعزيز علاقاتها الإستراتيجية مع الشرق. لكن أنقرة ستجنح أكثر نحو القوى غير الغربية في وقت حاجتها. وأما الضغوط الأمريكية الاقتصادية على البلد، فقد تجعل الوضع أسوأ. وبالمثل، ربما تتحول باكستان إلى الصين بدلا من صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 10 مليارات دولار من أجل التخفيف من ضائقتها المالية.

- في الوقت نفسه، سوف تقود فرنسا وألمانيا الطريق من أجل استعادة السيادة الأوروبية من الولايات المتحدة. وسوف تكون لدى القوى الأوروبية خيارات محدودة في المدى القصير لحماية مصارفها وشركاتها من العقوبات الأميركية الثانوية على إيران. ومع ذلك، وعلى المدى البعيد، يمكن أن تؤدي المناقشات حول تأسيس نظام مستقل للدفعات والتسويات –ردا على تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على "سويفت"، شبكة الاتصالات على مستوى العالم التي تدعم التحويلات المالية الدولية- إلى تغيير النظام المالي العالمي. وإذا ضمت أوروبا في مسعاها الصين وروسيا لبناء نظام للدفعات والتسويات المالية قائم على أساس سلاسل الكتلة، على سبيل المثال، فإنه ذلك يمكن أن يمحو النفوذ المالي للولايات المتحدة.

- سوف تواصل الولايات المتحدة تحويل بصمتها العسكرية تدريجيا للتأقلم مع منافسة القوى العظمى الناشئة مع كل من الصين وروسيا.

** منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا:

تشكل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مفترق طرق العالم. وهي تشمل شبه الجزيرة العربية، وجبال إيران، وسهول تركيا، وصحارى بلاد الشام، والأراضي الواقعة شمال الصحراء الأفريقية، وجميع السواحل بينها. وقصة المنطقة، كما هو الحال في كثير من الأحيان في الأماكن العالقة بين مصالح اللاعبين الأجانب، هي قصة تجارة وجدل وصراع. القوى التقليدية في المنطقة هي تركيا وإيران -بينما المملكة العربية السعودية ومصر هما القوتان العربيتان الأبرز حالياً- ويجعل تنافس هذه القوى من أجل كسب النفوذ على الدول الضعيفة في المنطقة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ساحة للعنف وعدم الاستقرار الدائمين.

الاتجاهات الرئيسة للربع القادم:

- سوف تواصل الولايات المتحدة تطبيق إستراتيجيتها المتشددة لمعاقبة إيران، وهو مسار يهدف في جزء منه إلى زعزعة الاستقرار المحلي في البلد. وسوف تنتشر الاحتجاجات المدفوعة اقتصادياً، لكن إيران ستتمكن في الوقت الحالي من التعامل معها. وسوف يقوم المحافظون في الحكومة الإيرانية بتصعيد هجماتهم السياسية ضد حلفاء الرئيس حسن روحاني المعتدلين، لكن الحماية من المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، سوف تضمن بقاء روحاني السياسي. ويرجح أن تمتثل الشركات الأجنبية، باستثناء تلك في الصين وروسيا، إلى العقوبات الأميركية وأن تقلص معاملاتها مع إيران بدلاً من الاحتفاظ بعقودها معها.

- سوف تكون خطط الاتحاد الأوروبي لمنح الأموال للشركات في الكتلة التي قد تواجه خطر التعرض للعقوبات الأميركية بسبب الاتجار مع إيران، بمثابة إشارة سياسية للدعم، والتي لن تساعد إيران كثيراً من الناحية الاقتصادية. كما إنها ستوفر أيضاً الإمكانية لحدوث احتكاك بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إذا حاولت واشنطن فصل البنوك الإيرانية عن شبكة "سويفت"، وهي الشبكة الرئيسية للمعاملات والتحويلات النقدية الدولية.

- ستتمسك إيران أيضاً بنشاطها المتشدد بالوكالة في الخارج؛ وسوف تنخرط في هجمات سيبرانية، وستتحرش بسفن الولايات المتحدة وحلفائها والبنية التحتية النفطية في الخليج، وستهدد بإغلاق مضيق هرمز، وهي كلها وسائل الضغط ضد الولايات المتحدة، حتى بينما تسعى إلى تجنب اندلاع صراع أكبر.

- سوف تتحدى الحرب السورية الروس بطرق جديدة، خاصة في آخر معاقل الثوار الرئيسة في محافظة إدلب، وسوف تحاول روسيا الموازنة بين إيران وتركيا في إدلب، وسوف تتمسك تركيا بمواقعها. وسوف تواصل إسرائيل ضرب إيران داخل سورية، حتى مع محاولة روسيا ضمان أن لا تنزلق هذه الصراعات إلى حرب إقليمية.  ولن تنسحب الولايات المتحدة من سورية، لكَن حلفاءها في "قوات سورية الديمقراطية" سيستعدون للمستقبل عن طريق بناء روابط خفية مع دمشق.

- بسبب الضغوط الأمريكية، سوف يفضل الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، المخاطرة بتضخيم أزمة تركيا الاقتصادية على تطبيق سياسات مالية ونقدية أكثر تقييداً. وحتى مع إعلان الحكومة التركية عن خطط لتقليص الإنفاق الوطني ووقف التضخم، فإن قبضة إردوغان المحكمة داخل الحكومة ستحد من قدرة المؤسسات الاقتصادية في البلد على إحداث التغييرات المرغوبة. ولتجنب التعرض للضغط من الاتحاد الأوروبي الذي يطالب بإجراء تغييرات جوهرية في السياسات لمعالجة أوضاع حقوق الإنسان، سوف يتطلع إردوغان إلى المساعدة، بشكل أساس من الحلفاء الأجانب الودوين، مثل قطر وروسيا والصين أكثر من الاتجاه إلى صندوق النقد الدولي.

لكن مثل هذا الدعم، خاصة إذا هبطت قيمة الليرة التركية مرة أخرى، ستكون محدودة على الأرجح. وفي هذا الربع من العام، سوف يستخدم إردوغان الأزمة الاقتصادية والاحتكاكات المتصاعدة مع الولايات المتحدة لتعبئة الدعم القومي.

- سوف تبطئ المملكة العربية السعودية وتيرة كل من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في الربع المقبل، مدفوعة بزيادة في العوائد النفطية التي ستستخدمها لصياغة ميزانية توسعية أخرى في ديسمبر القادم. ويبقى صندوق "استثمار الرياض العام" هو المصدر الرئيس للأموال لخطط التحديث في المملكة. ولكن، بدلاً من استخدام الاكتتاب العام الأولي، الذي لا يزال معلقاً، لأسهم "أرامكو" لتوليد رأس المال، تسعى الحكومة السعودية إلى استخدام وسائل أقل إثارة للجدل السياسي. ويمكن أن يشمل ذلك السماح لأرامكو بإصدار سندات دَين لشراء حصة صندوق التمويل العام البالغة 70 في المائة في مؤسسة "سابيك" للبتروكيماويات، وهو ما سيعادل نحو 70 مليار دولار تقريباً.

- على الرغم من الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لبناء تحالف إستراتيجي مع حلفائها العرب، فإن الواقع هو أن شركاءها الشرق أوسطيين منقسمون بين أنفسهم، وهم غير قادرين ولا مهتمين بتحمل عبء واشنطن الإقليمي. وسوف يتقدم التحالف الإسرائيلي- السعودي- الإماراتي مع الولايات المتحدة في أماكن معينة –مثلاً: في سورية مع إسرائيل، وفي اليمن مع السعوديين والإماراتيين، وفي العراق مع السعوديين، حيث تستطيع أميركا تطبيق إستراتيجيتها لإضعاف إيران من خلال حلفائها. ولكن، لن تلتزم أي من هذه القوى بنوع التحالف الرسمي الذي يشمل المنطقة كلها الذي تريده الولايات المتحدة. وفي هذه الأثناء، سوف يجد اللاعبون المحايدون، مثل الكويت وعُمان، أنفسهم تحت الضغط لمواءمة سياساتهم مع سياسات المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

** أوراسيا:

- تعتبر "أوراسيا" المنطقة الأكثر توسعية في العالم. وهي تصل ما بين الشرق والغرب، وتشكل جسراً برياً يجاور كلاً من أوروبا، وآسيا-المحيط الهادي، والشرق الأوسط وجنوب آسيا. وتتكون حدود هذه المساحة الشاسعة من الأرض السهل الأوروبي الشمالي، وجبال الكاربات، وجبال القوقاز الجنوبية، وجبال تيان شان وسيبيريا. وفي قلب أوراسيا تقع روسيا، وهي بلد حاول على مدار التاريخ –بدرجات متفاوتة من النجاح- توسيع نفوذه وبسطه على أقصى تخوم أوراسيا –في إستراتيجية هدفت إلى عزل روسيا عن القوى الخارجية. لكن هذه الإستراتيجية تخلق الصراعات بالضرورة في كل أنحاء الأراضي الواقعة على تخوم الحدود الروسية، وتضع أوراسيا في حالة شبه دائما من عدم الاستقرار.

- مع اقتراب الولايات المتحدة الأميركية من إجراء انتخابات التجديد النصفية، وبينما تتصاعد الضغوط السياسية بسبب النشاط الروسي –التدخل المزعوم في الانتخابات الأميركية، والاتهامات بالتسميم، والصراع في أوكرانيا- يبدو من شبه المؤكد أن تعمد واشنطن إلى توسيع العقوبات ضد موسكو. ومع ذلك، سوف يكون المدى الذي يمكنها فيه تطبيق ذلك نتاجاً للمداولات والتوافق بين الكونغرس الأميركي والبيت الأبيض.

ومن غير المرجح أن تسعى الولايات المتحدة إلى تبني الخيار المتطرف المتمثل في فرض عقوبات على دَين روسيا السيادي أو قطع صلة بنوكها بتسويات الدولار، لكن الحكومة الأميركية سوف تلجأ أكثر إلى استهداف المسؤولين الروس والأوليغاركيين والمؤسسات التي تديرها الدولة.

- وردا على العقوبات الأميركية المتزايدة، يمكن أن تحد روسيا من صادراتها الخاصة إلى الولايات المتحدة، وتواصل بناء قدراتها العسكرية وتقويض المصالح الأميركية في أوكرانيا. وفي هذه الأثناء، سوف تؤدي جهود موسكو لتقوية استقرارها المالي وتنويع روابطها الاقتصادية -جزءا من إستراتيجيتها بعيدة المدى لإجهاض العقوبات- إلى تمكين القادة الروس من تجنب أي اضطرابات اقتصادية كبيرة في هذا الربع من العام. وسوف تتخذ روسيا إجراءات لتقليل التعرض للدولار عن طريق التخلص من سندات الخزينة الأميركية وشراء الذهب، بينما ستساعد الاحتياطيات الوفيرة وأسعار الطاقة القوية الكرملين على التخفيف من أثر التحديات المالية التي يواجهها في المدى القصير.

- بغض النظر عن العقوبات المتوقعة، سوف تواصل الولايات المتحدة التفاوض مع روسيا ضمن مسعى لمعالجة نقاط الخلاف الثنائية العالقة. وتعرض المفاوضات على الحد من التسلح أفضل الفرص لإحراز التقدم، ولو أن التوصل إلى اتفاق شامل حول تجديد المعاهدة الإستراتيجية الجديدة للحد من الأسلحة النووية، أو معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، سيكون غير مرجح في هذا الربع. وفي هذه الأثناء، سوف تحاول روسيا تقويض الوحدة عبر الأطلسي باستغلال الانقسامات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول سياسة العقوبات ومشاريع الطاقة، مثل "نورد ستريم 2".

- وفي الصعوبات التي تصادفها مع الغرب، سوف تواصل موسكو تعزيز العلاقات مع الشرق وتحسين موقفها السياسي والإستراتيجي الأوسع. وسوف تكافح روسيا من أجل تقوية علاقاتها الاقتصادية مع الصين واليابان والدول الآسيوية الأخرى.

- في الشرق الأوسط، سوف تستخدم روسيا موقفها في سورية لتعظيم دورها كمحاور إقليمي. وسوف تعمل موسكو على الحد من وجود إيران بالقرب من مرتفعات الجولان، وهو ترتيب يمكن أن تقبله طهران على المدى القصير. ومع ذلك، فإن روسيا غير قادرة ولا راغبة في قبول المطالب الأميركية بطرد إيران من سورية. وسوف تحاول روسيا التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول إعادة الإعمار واللاجئين في سورية، والذي سيضفي الشرعية على النظام السوري ويؤمن موقف موسكو في البلد، لكن مثل هذا الموقف سيواجه على الأرجح مقاومة في الولايات المتحدة، خاصة بين المتشككين في الكونغرس.

** الحرب التجارية:

-سوف تراكم الولايات المتحدة المزيد من التعريفات الجمركية على الصين، مستهدفة ما يعادل 200 مليار دولار من الواردات، وربما تزيد الضغط أكثر بعد انتخابات التجديد النصفية في نوفمبر مع توقف المفاوضات التجارية.

-بينما ستخفف المفاوضات الناجحة على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية تهديد الإدارة الأميركية بفرض تعريفات على السيارات وقطعها في شمال أميركا، فإن الاتحاد الأوروبي ربما يفشل في تجنب التعرض لهذه التدابير.

- سوف يؤدي انخفاض حاد في صادرات النفط الإيرانية، إلى جانب اضطرابات الإنتاج التي تلوح في الأفق في بلدان مثل ليبيا ونيجيريا وفنزويلا والعراق، إلى تراجع إمدادات النفط العالمية، وهو ما سيدفع البيت الأبيض إلى محاولة إجبار السعودية على الحفر بعمق خطر في قدراتها الاحتياطية.

- سوف تؤدي النزعة الأحادية الأميركية في سياسة التعريفات الجمركية والعقوبات، إلى دفع قوى إقليمية، مثل تركيا، نحو السعي إلى إقامة روابط مع دول غير غربية، وستدفع القوى العالمية، مثل أوروبا، إلى استعادة سيادتها الاقتصادية.

-بينما يقترب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من نقطة المنتصف في رئاسته، فإنه سيأخذ سياسته التجارية المثيرة للجدل إلى منطقة أكثر تطرفاً في الربع الأخير من هذا العام. وتستعد الصين مسبقاً للمزيد من الضغط الاقتصادي الأميركي بينما تتوقف المحادثات التجارية بين العملاقَين. ومع ذلك، سوف تبقي بكين باب الحوار مفتوحاً، وتتمسك بعرضها شراء المزيد من البضائع الأميركية لتحرير قطاعات مختارة، لكنها لن تخضع لمطالب الولايات المتحدة بإجراء إصلاح هيكلي أعمق. ويعني ذلك أن هناك المزيد من التعريفات الجمركية القادمة على الطريق.

- بعد استكمال المرحلة الأولى من هجوم تعرِيفاته الجمركية، والتي تستهدف حملة بكين "صُنع في الصين 2025"، سوف يتابع البيت الأبيض تهديده بفرض تعريِفات بنسبة 25% على ما تبلغ قيمته 200 مليار دولار من البضائع الصينية.

- ومع أن الإدارة الأميركية يمكن أن تقوم بتعديل لائحة التعرِيفات لمحاولة تخفيف الأثر على المستهلكين الأميركيين، فإنها أظهرت تسامحاً تجاه تكبُّد الكُلف الصناعية والاستهلاكية في سعيها إلى تطبيع سياسة تعريِفاتها. وقد استجابت بكين حتى الآن للتعريفات بالطريقة نفسها، ولكن سيترتب عليها في المرحلة التالية من الحرب التجارية أن تلجأ إلى تدابير تنظيمية غير مباشرة أيضاً، بما فيها تمرير لوائح تفرض حظراً على شركات وسلع أميركية. وبسبب إحباطه من حقيقة أن دولاراً أقوى ويواناً أضعف ستجهض التعرِفات -وأن الاستراتيجية كلها لم ترغم الصين حتى الآن على إبرام اتفاقية حسب شروط واشنطن- يمكن أن يرفع البيت الأبيض من وتيره تهديده ليغطي كل البضائع الصينية. (ومع ذلك، ونتيجة إدراكه للتأثير على المستهلك، ربما ينتظر البيت الأبيض إلى ما بعد الانتخابات النصفية وينفذ التهديد قرب نهاية العام، عندما يكون من المرجح أنه سيواجه طريقاً مسدوداً آخر في المفاوضات مع بكين).

- ستكون مخاطرة الولايات المتحدة بنشوب حرب تجارية أعلى ما يكون مع الصين لسببين. أولاً، تنسجم الهجمات التجارية -وكذلك مراجعات الاستثمار ومناقشات السيطرة على الصادرات التي سيناقشها الكونغرس في هذا الربع- مع إستراتيجية البيت الأبيض الأوسع لإضعاف قوة عظمى منافسة صاعدة. ثانياً، تتمتع واشنطن بقدر كبير من الحرية في استخدام التحقيقات في الانتهاكات التجارية بموجب المادة 301 من قانون التجارة للعام 1974 -وهو أداة قانونية قوية بشكل خاص- لضرب بكين بعدة جولات من فرض التعريِفات.

- أما خارج الصين، فإن تفاني البيت الأبيض الصارم في خفض عجزه التجاري العالمي من خلال فرض التعرِيفات على شركائه التجاريين، والتهديد بجولات غير محددة المدة من الردود الانتقامية، سوف يصطدم بقيود جدية. سوف يستأثر تهديد البيت الأبيض بتطبيق رسوم جمركية تصل إلى 25 % على السيارات الجاهزة وقطع غيار السيارات لأسباب تتعلق بالأمن القومي في إطار تحقيق آخر بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة للعام 1962، سوف يستأثر بالأضواء في هذا الربع من العام، مما يثير قلق كل من المكسيك وكندا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية -ولأسباب وجيهة.

- فيما يتعلق بتعرِيفات الولايات المتحدة على واردات الصلب والألمنيوم، والتي بررتها إدارة ترامب أيضاً على أساس الأمن القومي، سيكون للتعريِفات الجمركية المستشرَفة على السيارات أثر أكبر بكثير، والذي سيؤثر على أكثر من 200 مليار دولار من الواردات. ويقدر مركز أبحاث السيارات أن هذه الإجراءات ستضع 750.000 وظيفة على الأقل تحت الخطر وستكلف الولايات المتحدة ما يصل إلى 42.2 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي المفقود، هذا من دون احتساب عواقب الانتقام المحتمل.

- وانطلاقا من الضربة الاقتصادية التي ستتلقاها الولايات المتحدة جراء توسيع التعرِيفات على الصين، ربما سيضطر البيت الأبيض إلى التراجع عن تهديداته (ولو أنه لن يلغيها بالكامل) برفع رسوم السيارات في هذا الربع من العام. وربما توصي وزارة التجارة الأميركية في نهاية المطاف بخفض الرسوم الجمركية على السيارات أو استثناء قطع السيارات منها عندما تُصدر مراجعتها لما إذا كانت واردات السيارات تشكل تهديداً للأمن القومي حقاً. كما إن احتمال فرض تعرِيفات جمارك السيارات يمكن أن يحفز الكونغرس أيضاً على ضبط سلطات الرئيس على قضايا القسم 232 من القانون، ومنح وزير الدفاع مزيداً من السلطة على مسائل الأمن القومي المتصلة بالتجارة.

- ولمحاولة تهدئة المواجهة التجارية الحتمية مع الولايات المتحدة، سوف يعمل الاتحاد الأوروبي على الترويج لمقترحه لإصلاح منظمة التجارة العالمية في هذا الربع من العام. وتركز الكتلة القارية على معالجة المخاوف المتبادلة حول الانتهاكات التجارية الصينية وشكاوى الولايات المتحدة من "هيئة الاستئناف" في المنظمة، بما أن الولايات المتحدة تحركت مسبقاً نحو تقليل عدد القضاة في المحكمة إلى ثلاثة، وهو الحد الأدنى المقبول. ومع أن الاقتراح ربما يقلل من حدة مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع البيت الأبيض، فإنه لن يكون كافياً لنزع فتيل تهديد التعريفات الجمركية على السيارات.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر