آخر الأخبار

نزع أسلحة الجماعات "الجهادية" المهمة الأصعب أمام تركيا

2018-9-23 | رائد الحامد نزع أسلحة الجماعات

بقلم: رائد الحامد / كاتب ومحلل سياسي

تُعد إدلب الملاذ الأخير لفصائل المعارضة المسلحة في سوريا بعد استعادة قوات النظام، بدعم روسي وإيراني، مناطق خفض التصعيد في ثلاثة قطاعات شملت العاصمة وريفها وحمص ودرعا، ما أدى إلى تجمع أكبر عدد من المقاتلين المحليين والأجانب في محافظة إدلب بعد معارك انتهت بالمصالحات أو اتفاقيات تسليم المناطق والسلاح مقابل خروج المقاتلين.

ثمة من يشير إلى أن ما لا يقل عن 70 ألف مقاتل من المعارضة المسلحة، بينهم نحو 10 آلاف من المقاتلين "الجهاديين"، ينتشرون في محافظة إدلب يتوزعون على عشرات الفصائل الموصوفة بالتشدد أو المصنفة على لوائح الإرهاب، والأخرى المعروفة باسم الفصائل المعتدلة، وتضم هذه فصائل الجيش السوري الحر وفصائل إسلامية معتدلة.

وتشدد القيادات العسكرية الروسية على ضرورة استسلام الجماعات "الإرهابية"، كما تصفهم، باعتباره هذا هو الخيار الأفضل لتجنب معركة مقبلة في إدلب قبل انتهاء المهلة المحددة منتصف ديسمبر 2018. وإذا لم يتحقق هذا، تصرَ القيادة الروسية على استخدام القوة العسكرية لإنهاء وجود الجماعات "الجهادية" والمعتدلة في ما لو فشلت المساعي التركية بإقناع هيئة تحرير الشام حل نفسها وتسليم أسلحتها، وكذلك المجموعات الأخرى القريبة من تنظيم القاعدة.

وتتفق تركيا وروسيا على ضرورة مكافحة الإرهاب في سوريا بكل أشكاله ومظاهره، ومنذ 29 أغسطس الماضي أدرجت تركيا "هيئة تحرير الشام" على لائحة التنظيمات والمنظمات الإرهابية، وشملت أيضا التنظيمات المرتبطة بالقاعدة.

من أجل تنفيذ بنود تفاهمات سوتشي العشرة، سيكون على الطرف الضامن لالتزام الفصائل المسلحة باتفاقيات أستانة، أي تركيا، إلزام الفصائل المتمركزة في منطقة خفض التصعيد بمحافظة إدلب تسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة والانسحاب من المناطق المشمولة بتوصيف المنطقة منزوعة السلاح بين الفصائل وقوات النظام.

تفاهم سوتشي في حقيقته لا يعني إلغاء العملية العسكرية ضد المعارضة المسلحة بشقيها المتشدد والمعتدل؛ إنما هو تأجيل للعملية لإعطاء بعض الوقت لتركيا في المساعدة على فصل الجماعات المتشددة عن المعتدلة واتخاذ ما يلزم من خطوات لإنهاء أي تواجد للجماعات المتشددة قبل نهاية العام.

وبحلول 10 أكتوبر 2018، سيكون من المفترض أن تركيا أنجزت مهمة سحب الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من الجماعات المسلحة وإبعادها عن المنطقة منزوعة السلاح بحلول 15 منه لإحلال قوة تابعة للشرطة العسكرية التركية بدلا منها في مقابل إبعاد قوات النظام بمسافة مماثلة لإحلال قوة تابعة للشرطة العسكرية الروسية بدلا منها. وتتفق تركيا وروسيا على وجوب أن تسلم التنظيمات الموصوفة بالإرهاب أسلحتها إلى الجانب التركي.

سيكون على كل من تركيا وروسيا مهمة إقناع، أو إرغام، الجميع على الامتثال لمضمون تفاهم سوتشي والانسحاب من مناطق محددة لإنشاء المنطقة منزوعة السلاح بعمق يتراوح بين 15 إلى 20 كيلومترا مناصفة بين طرفي الحرب، قوات النظام والمعارضة المسلحة.

تجد تركيا نفسها في مواجهة تحدي نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من جميع التشكيلات المسلحة في محافظة إدلب، المعتدلة و"المتشددة"، وتحدي لا يقل تعقيدا في إقناع الفصائل المتشددة بالانسحاب من المناطق المحددة كمناطق منزوعة السلاح.

وعلى الرغم من أن فصائل الجيش السوري الحر تعلن بشكل صريح أن تركيا لم تتقدم إليها بطلب تسليم أسلحتها الثقيلة أو المتوسطة، وان قيادات الفصائل ترفض تسليم تلك الأسلحة، إلا أن المتوقع هو استجابة قيادات المعارضة المسلحة لتفاهمات سوتشي وتُقدِم على تسليم أسلحتها إلى الجانب التركي.

وترفض معظم الفصائل المتشددة الاتفاق الروسي التركي في 17 سبتمبر 2018 والانسحاب من خطوط التماس مع قوات النظام التي بموجب الاتفاق ستكون ضمن المنطقة منزوعة السلاح في المناطق الممتدة من جسر الشغور إلى ريف إدلب الشرقي مروراً بريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي الشرقي.

لم تصدر بيانات رسمية، إلا أن ناشطين ومقربين من بعض الفصائل المتشددة يعلنون صراحة رفضهم الانسحاب من المناطق المشمولة بالمنطقة منزوعة السلاح أو تسليم أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة، ومنها أنصار الله وأنصار التوحيد وجند القوقاز والحزب التركستاني الإسلامي، وهيئة تحرير الشام التي تعد الفصيل الأكبر الذي يسيطر على أكثر من نصف مساحة المناطق المحررة في محافظة إدلب، ولها نفوذ واسع على الفصائل "الجهادية" الأخرى.

ويمكن الاستنتاج من خلال الفهم الدقيق لمنهجية الفصائل "الجهادية"، وخاصة التي تضم مقاتلين أجانب، استحالة القبول بتفاهمات سوتشي بخصوص إنشاء المنطقة معزولة السلاح على طول خطوط التماس، وسحب الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من جميع تشكيلات المعارضة المسلحة.

ويمكن لهذه الفصائل مواجهة أي قوة تحاول إرغامها على ترك مواقعها المشمولة بالمنطقة منزوعة السلاح أو إرغامها على تسليم أسلحتها؛ وهما مسؤولية تركيا في المقام الأول.

وبصفتها الدولة الضامنة لفصائل المعارضة المسلحة في اتفاقيات أستانة، أقامت تركيا اثنتا عشر نقطة مراقبة على خطوط التماس بين فصائل المعارضة وقوات النظام في المناطق المحررة من محافظة إدلب المشمولة بالقطاع الجغرافي الرابع من تلك الاتفاقيات في ريف حلب الغربي جنوب إدلب وإلى ريف حماة الشمالي ومن ثم إلى ريف اللاذقية بمحاذاة حدود محافظة إدلب الإدارية.

وعززت تركيا بشكل غير مسبوق قدرات الفصائل الحليفة لها بالمزيد من الأسلحة والمعدات القتالية بدءا من 10 سبتمبر مثل درع الفرات والجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير التي تشكلت في الأول من أغسطس من خمسة فصائل معتدلة. وتتحدث بعض وسائل الإعلام عن دخول شحنات أسلحة تركية إلى محافظة إدلب محملة على متن أكثر من 180 شاحنة في خلال الفترة بين 10 و13 سبتمبر دون معرفة وجهتها.

من المتوقع أن يتم توزيع جزء من هذه الأسلحة لتعزيز قدرات نقاط المراقبة التركية والجزء الثاني للفصائل "المعتدلة" التي تدعمها تركيا، مثل درع الفرات والجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير التي تتقاسم النفوذ في محافظة إدلب مع هيئة تحرير الشام. ويمكن لهذه الفصائل في مرحلة لاحقة فرض إنفاذ تفاهمات سوتشي على الفصائل المتشددة باستخدام القوة العسكرية.

ويُعتقد على نطاق واسع أن شحنات الأسلحة التركية التي سُلمت إلى بعض الفصائل الحليفة لها، يمكن أن تستخدم مستقبلا في قتال هيئة تحرير الشام في ما لو رفضت الاستجابة لدعوات حل نفسها وإدماج مقاتليها في الجيش الوطني الذي يراد له أن يكون نواة لجيش المعارضة المسلحة الذي يمكن أن يكون جزءا من الجيش السوري بعد التسوية الأممية.

وتخشى تركيا انهيار الهدنة المؤقتة واستئناف معركة إدلب المؤجلة، وبُعد ذلك تهديدا جديا للمصالح التركية التي تريد تجنب المعركة لمنع أزمة إنسانية جديدة تؤدي إلى تدفق كبير للنازحين إلى حدودها الجنوبية.

ولا تبدو ثمة خيارات متعددة أمام تركيا لتجنب معركة إدلب إذا رفضت "هيئة تحرير الشام" والجماعات "الجهادية" الأخرى تسليم أسلحتها والانسحاب من المنطقة منزوعة السلاح في خطوة أولية تليها خطوة حل الهيئة لنفسها والجماعات المثيلة لقطع الطريق أمام الإصرار الروسي على إنهاء الهيئة والجماعات "المتشددة" بحلول نهاية العام 2018.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر