آخر الأخبار

يطاردها "الهاجس" الأفغاني: روسيا أجلت معركة إدلب وتريد من تركيا مواجهة "الجهاديين"

2018-9-11 | خالد حسن يطاردها

لماذا يبدو بوتين ملتزما بإظهار التباين، في قمة طهران، مع أردوغان في وقت تستفيد فيه روسيا من خلاف تركيا مع أمريكا؟ كما تساءلت كاتبة تركية في موقع "المونيتور"، ربما استنتج أن الفجوة بين تركيا والغرب اتسعت كثيرا وأنه يمكن تجاهل رغباتها في إدلب، إذ يرى أن تركيا ليس لديها مكان تذهب إليه إلى جانب اعتمادها  أكثر على روسيا وإيران في الطاقة.

ما قدمته تركيا للخطة الروسية منذ حلب ومرورا بأستانة وإلى ما قبل قمة طهران لم يقنع به بوتين وطالب بالمزيد، والمزيد يعني القضاء على ما تبقى من ثورة ومربعها الأخير، فهذا درس لتركيا ولمن ربط مصيره بالداعم، أن المتربصين والوحوش لا يُردعهم عند التفاوض إلا ما تملكه من أوراق القوة.

وبوتين ضيَق على أردوغان وحشره في الزاوية في قمة طهران، وهو يعلم أن لا ملجأ له إلا موسكو بعد قطيعة واشنطن، وأمريكا تمد يدها لتركيا من طرف خفي تريد استعادتها، فتاهت أنقرة في منتصف الطريق.

نعم، لا إشكال، سياسيا وإستراتيجيا، في علاقات المصالح المشتركة والاعتماد المتبادل، لكن مع الاحتفاظ بأوراق القوة، أما أن تحرق أوراقك هذه أو تخرقها وتجعلها تابعا ذليلا بلا رأس قوي وبأس شديد، معنى هذا أنك أضعفت موقفك التفاوضي. أن تخسر أوراق القوة في التفاوض أن تحرقها وتضعفها معناها تحولت إلى ظاهرة صوتية لا يُؤبه لك كثيرا إلا في حدود الاستخدام والتوظيف. ولننظر إلى صنيع إيران مع الحشد العراقي والسوري، بمختلف توجهاته وأطيافه، صنعت بهم كيانات قوية بل دولة داخل دولة، فتقووا وتقوت بهم لأعدائها وخصومها.

روسيا اختارت تأجيل الهجوم، هي مرتبكة، لأن إدلب تختلف عن غيرها من المناطق، وكثير من ثوارها اختار التصدي والصمود، وهي تدرك أن قوات النظام مع من حشدتهم في مناطق المصالحات لا يقوون على الصمود وليس بإمكانهم إحداث اختراقات بلا قصفها وخسفها. إذ من دون الطيران الروسي، لا يجرُؤ النظام ومعه إيران، بل لا يفكر، ابتداء، في أي هجوم على إدلب، هو أحقر وأوهن وأضعف من أن يواجه ثوار إدلب، لذا فقرار الهجوم والمعركة بيد الروس لا بيد غيرهم.

وظني، أن الروس يريدون الزج بالأتراك في مواجهة "الجهاديين"، لهذا قبلوا بالتأجيل، فالروس لا يثقون في قدرات النظام ولا الميلشيات، وسترتكب تركيا خطيئة كبرى إن هي تورطت، بشكل أ بآخر، في عملية التخلص منهم، فلا هذه معركتها ولا هم يشكلون خطرا عليها ولا أضروها بشيء، وتعاملت مع قسم منهم في "هيئة تحرير الشام"، مع بعض قيادتهم تحديدا ورأت منهم ما بدد كثيرا من مخاوفها.

والروس مرعوبون، تطاردهم هواجس التجربة الأفغانية المستنزفة، وقد وصلوا إلى المربع الذي يذكرهم بالوحل الأفغاني، لهذا اضطروا للتأجيل والمناورة ويدفعون الأتراك من الخلف دفعا للتورط نيابة عنه.

باختصار: معركة إدلب معركة روسية أولا وأخيرا، (حاليَا وأمريكا لاحقا)، لا هي معركة الأتراك ولا من مصلحتها التورط في أي خطة روسية للهجوم، لأنها بذلك تكون قد خدمت الروس في محاولة تصفية المربع الأخير للثورة وخاضت حربا بالوكالة عنهم. والثوار في إدلب بإمكانهم التصدي والهجوم لكن دخول تركيا على الخط أربك حساباتهم وفتنهم.

وأيَ ضربة أمريكية قادمة ضد مواقع النظام (كما هددت واشنطن إن استخدم الأسد الكيماوي في هجومه على إدلب) ستخدم الموقف التفاوضي التركي، وستجد فيها أنقرة متنفسا، وواشنطن لا تمانع، على الأقل الآن، ولا تعترض على النفوذ التركي في إدلب ولا في مناطق تأثيره في الشمال، وهي لا تمانع ابتداء في تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ.

أفضل خدمة تقدمها تركيا لإدلب في هذا الوقت العصيب أن لا تتورط في قتال أي من التنظيمات الثائرة في إدلب نيابة عن الروس، لأن هذا التورط سيشعل فتنة حارقة وتخسر به الثورة أو ما تبقى منها خسارة كبيرة. فروسيا داست على اتفاق استانة ورمت به بعيدا، فليس ثمة ما يسوغ لتركيا أي تورط بدعوى تطبيق تفاهمات أستانة، ما عاد ثمة استانة وإنما اندفاع النظام بغطاء روسي نحو السيطرة المطبقة، وفي هذا دفن للثورة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر