آخر الأخبار

تطبيع العلاقة مع رؤوس الدمار تحت راية "الاستقرار": سوريا.. مقبرة الآمال الإصلاحية العربية

2018-9-2 | خدمة العصر تطبيع العلاقة مع رؤوس الدمار تحت راية

كتب الباحث السياسي السوري، سلام كواكبي، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات السياسية (باريس)، أنه منذ استقلال سوريا، لا تزال الاتجاهات السياسية المختلفة تدعي أنها تجسد آمال جميع السكان. ومع ذلك، فإن العقد الاجتماعي الذي طال انتظاره من قبل هذه النخب لم يكن ممكنا. بالنسبة للبعض، فقد قاد إلى الفشل منذ بدايته الجنينية، وبالنسبة للآخرين، بما في ذلك أصحاب العقائد الشمولية، فإن هذا العقد يتجسد في أيديولوجياتهم الراديكالية التي تستثني خصومهم.

وهكذا، لم تسمح سلسلة الانقلابات بين عامي 1949 و1963 لهذا البلد الصغير، ذي التاريخ الثري والمعقد، بتكوين طبقة سياسية على النحو المناسب. وعلى الرغم من المحاولات العديدة لإعادة إحياء التفكير السياسي وتحرير المجال العام، فإن انقلاب حافظ الأسد عام 1970 كان قد تسبب في تدمير وتحطيم، بطرقه الأمنية الموغلة في الوحشية، على جميع آمال جيل ما بعد الاستقلال. لقد تم إنشاء دولة الأمن منذ ذلك الحين وعلى جميع المستويات وفي جميع المجالات.

وكان أحد العوامل الأساسية في تطوير هذا النظام الأمني ​​هو التلاعب بورقة الطائفية. طريقة ناجحة نسبياً في ظل الانتداب الفرنسي، لكن المجتمع قاومها. من ناحية أخرى، يبدو أن الاستبداد المحلي أثبت أنه أكثر فعالية في تطبيق القانون الاستعماري: فرق تسد. من ناحية، ادعى أنه يجسد الوحدة الوطنية، ومن ناحية أخرى، فعل كل شيء لتثبيت حكمه وبقائه من خلال تعليق المواطنة وتحويل السوريين إلى رهائن تعتمد على نعمته ومكرمته.

الأقلية الحقيقية في سوريا هي غالبية الناس في جميع تنوعهم العرقي والمجتمعي. هم أولئك الذين يتم استبعادهم من الفضاء العام وحرمانهم من حقوقهم.

على عكس الفاشية والنازية -الإيديولوجيات التي بلورت هوية وطنية متطرفة-، قادت السلطوية السورية المجتمع إلى أصوله البدائية. علاوة على ذلك، ومع الفساد المنهجي والإدارة الاقتصادية الفوضوية، أصبح التفاوت الاجتماعي عاملا إضافياً أسهم في تقسيم المجتمع. لقد تم تطوير إستراتيجية "شبه كاملة"، بحيث يتم تعزيز المشاعر الطائفية والعرقية والدينية.

في الأجواء الكئيبة، حيث يصبح الحكم الاستبدادي بالنسبة للغربيين أقل شراً مع الصعود الخطير للشعبوية والميل إلى تكريس المنظور السياسي القائم على الانتصار الانتخابي المحلي وفرض الأمن والازدهار الاقتصادي، فإن الخطاب المسيطر يميل إلى دعم الدكتاتوريين ضد الإرادات الشعبية. إذا نجحت ليبيا في ظل سيطرة حفتر، ومصر السيسي، أو سوريا الأسد، في الاحتفاظ باللاجئين وقتال "الإرهاب"، فلا يهم إذا كانوا يحترمون حقوق الإنسان.

علاوة على ذلك، إذا كان الدكتاتوريون يشترون "أسلحتنا"، فهي مكافأة جذابة. في بداية الصراع في سوريا، أدى مجرد استحضار حلَ الطائف (اتفاقية الطائف بين المكونات اللبنانية) إلى إثارة السخرية والرفض. وبعد سنوات عديدة وفي ضوء اليأس، تصبح، حاليَا، هذه الصيغة ممكنة بالنسبة للبعض. ويتحدث آخرون عن "ديتون" سوري. ومع ذلك، فإن كل هذه "الحلول" ستعتمد على الطريقة التي سيتوقف بها هذا النزيف الأخلاقي للبشرية.

في الوضع الحالي، ومع السيطرة الروسية والإيرانية على مصير البلاد، تزداد الاتجاهات في المنتديات الدولية لتسريع تطبيع العلاقات مع الطغاة تحت راية الاستقرار والأمن. وقد طُرحت عدة مشاريع لتطبيقها على أرض الواقع، دون أي تناغم أخلاقي، من أجل السيطرة على الوضع أو الاستفادة من سوق إعادة الإعمار المغرية.

من ناحية أخرى، ومن أجل استرداد ضميره، يشعر الغربيون بقلق دائم بشأن الأقليات ومستقبلهم دون التفكير في ما يمثله هذا المفهوم من خلال تهميش الأغلبية السياسية المستبعدة والمقموعة. وهذا يعني أن السلطات، التي تدّعي أنها حماة الأقليات الدينية، لم تتمكن من استغلالها واحتجازها كما لو أنها رهائن فحسب، بل أيضاً التلاعب بصناع القرار الغربيين.

من المرجح أن تصبح سوريا مقبرة للعدالة الانتقالية، لأن الحل السياسي الذي يسعى الروس إلى فرضه، بالتواطؤ الضمني مع الغربيين، سوف يتخلص من كل العدالة بغض النظر عن اسمها. ولذلك، فإنهم يستعدون لطيَ الصفحة وتجاهل القيم المذكورة حتى يتسنى تحقيق الاستقرار في المنطقة وتجنب موجات اللاجئين على أراضيهم مع تفهم "المجتمع الدولي". لكن ما هو المجتمع الدولي الذي نتحدث عنه بالضبط؟  الذي يمثله الأمين العام للأمم المتحدة الذي يواصل القلق مثل سلفه؟ أو الاتحاد الأوروبي مع 28 سياسة خارجية؟ أو جامعة الدول العربية المشلولة هيكليا؟

من ناحية أخرى، وفقا لما كتبه الباحث السياسي السوري، بما أنه لا يوجد سلام من دون عدالة، فإن التهدئة، إذا حدث ذلك في يوم من الأيام، ستبقى محفوفة بالمخاطر ما دامت عملية العدالة الانتقالية لم تتحقق. حقوق الأقليات في دولة صحية ومزدهرة لا يمكن فصلها عن حقوق المواطنين ككل.

في السنوات الأخيرة، اختبر السوريون عملية شائكة أخذتهم على طريق وعرة، بدءاً بإدارة الأمل في بداية الثورة السلمية، وإدارة الألم باستخدام العنف الهائل ضد الثوار، ليؤدي بالتالي إلى إدارة هزيمة كل السوريين في مواجهة الدمار البشري والمادي.

بعد سبع سنوات من القتل وملايين اللاجئين والنازحين ومئات الآلاف من القتلى والدمار الهائل للمباني والعقول، فإن القضية السورية على وشك أن تُغلق بطريقة أكثر تشاؤما: طيَ الصفحة. سوريا، في معاناتها المتعثرة مع اللامبالاة الدولية، هي مقبرة القيم التي أعلنها المنافقون من جميع الأنواع. إنها مقبرة الأخلاق في السياسة لأنها ذروة السياسة الواقعية في أكثر صيغها سخرية. إنها مقبرة الآمال لعدة أجيال، لكن المقابر تعيد الظهور بالذاكرة أو الانتقام.

** رابط المقال الأصلي: https://www.lorientlejour.com/article/1132204/la-syrie-cimetiere-des-espoirs-reformistes-arabes-.html

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر