آخر الأخبار

تنحية الأنظمة لا إصلاحها من الداخل

2018-8-27 | المحرر السياسي تنحية الأنظمة لا إصلاحها من الداخل

من القناعات التي ازدادت رسوخا أن إصلاح الأنظمة من الداخل وهم تعلقنا به طويلا، لا الوقائي ولا الدستوري ولا السياسي والاقتصادي ولا أي نوع من هذه الأنواع أو غيرها، وإنما يُفرض التغيير فرضا.

وقد أضعنا وقتا ثمينا في استهلاك أفكار ومطالب وأمانيَ فارغة لا معنى لها، لن يُقدم النظام على التغيير حتى لو أفلست البلاد وأفرغت الخزائن وعمَ الخراب والدمار، وإنما يُنحى تنحية.

وربما قتلنا قضايا الحريات والدستور والانتخاب الحر بحثا وتأصيلا وتنظيرا، لكن، إلى الآن، لم نخط، إجمالا، ولو خطوات أولية في ممارسة ما نطالب به في بلداننا، فزاد الطغيان وعم الخراب والتحطيم. فلا بديل عن الميدان لمن هو مهموم بقضية التغيير، التضحيات وحملات الضغط الشعبي المؤثر تقربنا نحو قضيتنا المصيرية: استقلال الإرادة والقرار ورفع الوصاية عن الشعب.

إذ الحريات والاختيار الحر مما لا تُمنح ولا توهب وإنما تُنتزع انتزاعا، يبقى السؤال الشائك والقديم المتجدد: كيف؟ حسمنا الجدل حول: لماذا؟ يبقى الإشكال الطويل العريض: كيف؟ الجميع فشل، نعم، لكن لا يلزم من هذا أن الطريق مُغلق على الدوام.

وما ينبغي أن ينتبه إليه هنا، غياب العقول القيادية الميدانية المخططة الواعية أثر في حركة السير نحو انتزاع الحقوق انتزاعا، ربما كثر صناع الكلام وقل المحركون المخططون المؤثرون من أصحاب الشأن في الضغط الشعبي.

نعم، الحرب شرسة والكهنة متغلبون وحراس المعبد مستميتون والصهاينة والصليبيون يرمون من قوس واحدة والأحرار مغيبون، لكن الخروج من أسر التجارب الفاشلة والتمرد على الأفكار المريضة وتجاوز التركة الموجعة كل هذا وغيره مما يعين على الطريق الطويل الوعر.

وقد كان المفكر الملهم مالك بن نبي كثيرا ما يسأل: ما العمل؟ ملأ عليه هذا السؤال حياته وعقله وتوفي مهموما به. وقد أثبتت الثورة السورية، مرة أخرى كما أثبتتها تجارب سابقة، أن حجم التحطيم الذاتي الهائل من داخل التجربة الثورية لا يقل خطورة وضررا عن قصف الأعداء وحربهم الشرسة، وهذه معضلة أخرى تجاهلناها وهوَنا من أمرها حتى طغت على كل محاولة للنهوض.

تنحية الأنظمة عملية معقدة وطويلة، جربنا فيها كل أشكال وأنماط التغيير، تقريبا، وفشلنا في معظمها أو كلها، لكن ما نحتاجه اليوم هو العقل المتجاوز، عقل قيادي ناقد عملي بصير جديد يتجاوز الإرث والتركة ولا يتضخم عنده التأمل والتجريد والنظر عن بعد والغوص في الأفكار والغرق في تشعباتها. العقل القديم مريض ومثقل ومنهك وحائر، حبيس أفكار وقراءات، قد لا يُرجى منه التجاوز المطلوب، ربما جيل الثورة وما بعدها قد يكون أكثر جرأة وانفتاحا وانعتاقا من أغلال وقيود إرث وتركة الزمن القديم. البحث عن حلول عملية ممكنة بعيدا عن تجارب مستنزفة بائسة وتأويلات التنظيمات المتضاربة واختياراتها، هذا الذي قد يملأ العقول النهوض المتجاوزة في الزمن الثوري القادم.

والتنحية لا تعني عملا إجرائيا خاطفا ونزوة عابرة وثورة جامحة، وإنما هي إعادة بناء وإنهاء العبث بالسياسات واستنزاف الخيرات والثروات وتمكين الشعب من الاختيار الحر وحسن تدبير شؤون البلاد والعباد.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر