آخر الأخبار

إدلب في طريقها للنظام سلما أو حربا

2018-8-11 | وائل عصام إدلب في طريقها للنظام سلما أو حربا

عندما يبدأ هجوم النظام على إدلب، فإن نقاط المراقبة التركية الـ12 ستكتفي بالمراقبة، أي أنها بلا قيمة تذكر، وهكذا سيكون حال كل تقديرات المعارضة التي اعتمدت وتأملت في دور تركي يمنع النظام من استعادة أدلب، فكما في معركة الغوطة وبعدها درعا، يتم التعويل على قوى داعمة للثورة، بدلا من الاعتماد على قوى الثورة نفسها! مشفوعة بعبارات أصبحت من متلازمات خطاب المعارضة، تتكرر وتملأ الإعلام ضجيجا، مثل "التوازنات الدولية" و"التفاهمات العالمية"، دون استيعاب أن الحرب في سوريا تحسم منذ سنوات بالقوة العسكرية، وأن العامل الأول في هذا النزاع الأهلي، هو قوة الأطراف المحلية المقاتلة وداعميهم المستعدين للقتال، وليس أي قوة دولية.

فلا يمكن لأي قوة دولية، مهما بلغت قوتها، تغيير واقع دون الاعتماد على حلفاء محليين وازنين، وضمن ظروف محلية مهيأة، لذلك لم تتمكن الولايات المتحدة من دعم فصائل معارضة أكثرية لكنها مفككة، بينما نجحت إيران في دعم نظام أقلية لكنه متماسك.

والأكثر من ذلك، أنه حتى الأكراد الذين واصلت الولايات المتحدة دعمهم شمال سوريا، ستضطر لتركهم أمام النظام بعد انسحابها العام المقبل، لأن القوة الإقليمية للنظام وإيران وروسيا، لم تعد تسمح بمجال لمنافس آخر داخل سوريا وإن كان قوة عظمى كالولايات المتحدة، بمعنى أن الذين اعتمدوا على الأمريكان و"القوى الدولية" دون توافر دعائم وارتكازات ذاتية متينة، لم يكن فهمهم لطبيعة النزاع صحيحا.

وبعد اتضاح التوازنات داخل سوريا، فإن مصير أدلب، لن يختلف عن الغوطة ودرعا والرقة ودير الزور، وإن تمكن الجهاديون من إطالة المعركة وإلحاق خسائر كبيرة بالنظام، وحتى لو أنجزت تسوية معينة بانسحاب الفصائل ونزع سلاحها، فإن الطرف الضامن وهو غالبا تركيا، سيضع نفسه في موقف محرج، إذ إنه سيعود لتسليم أدلب للنظام بعد إخلائها من المسلحين، لذلك فإن تركيا في ورطة في إدلب، فإن هاجم النظام سيكون موقف أنقرة ونقاطها المراقبة محرجا، وإن منحت تركيا فرصة للتسوية ونزع السلاح، ودخول إدلب، فإنها ستتحول إلى مجرد عراب لتسليم مناطق المعارضة للنظام بعد استلامها من المعارضة.

منذ أن زجت تركيا بقواتها داخل الأراضي السورية، لم تنفذ قواتها أو الفصائل الموالية لها في سوريا، أي عملية واحدة ضد النظام السوري، بل إن وزير الخارجية التركي ومسؤولين أتراك صرحوا مرتين، بأنهم يرحبون بسيطرة الجيش السوري الحكومي على أراضيه، لذلك فإن أهداف تركيا في سوريا انحصرت منذ سنوات، بمحاولة التصدي للنفوذ الكردي.

أما النظام السوري، فقد أصبح أهون الشرين بالنسبة لتركيا، وهنا افترقت أولويات أنقرة عن أولويات المعارضة السورية، وحتى أولويات تركيا نفسها في مواجهة الأكراد استغلها الأمريكيون في الحرب على تنظيم "الدولة" لتدخل تركيا مناطق درع الفرات، من دون محاربة الأكراد أنفسهم، ودون القدرة حتى الآن على دخول أبرز وأكبر المدن هناك، وهي منبج وتل رفعت، ورغم كثرة الحديث الإعلامي عن اتفاق مع الأمريكيين بدخولهما، كان من الواضح منذ البداية أنه سيبقى مجرد حديث إعلامي يمنح أنقرة مجرد طمأنة شكلية ودوريات روتينية لقواتها خارج منبج، من دون أي تغيير للقوة المسيطرة في منبج، وهي المجلس العسكري الموالي لقسد.

أما في عفرين، فقد حققت تركيا هدفا ضمن أولوياتها المباشرة، وهو ضرب الكانتون الكردي هناك، وهذا الهجوم توافق مع أهداف روسيا بضرب الكيان الكردي المقرب من منافسيهم الأمريكيين شمالا، والأهم أنه توافق مع رغبة ملحة لدى الإيرانيين والنظام بمنع تشكيل إقليم كردي خارج عن سيطرتهم شمال سوريا، حتى لا تتكرر مواجهة كركوك مع الإقليم الكردي في شمال العراق.

وتبدو المباحثات الجارية بين النظام والإدارة الذاتية الكردية في طريقها إلى عودة النظام لمعظم مفاصل المناطق التي سيطر عليها الأكراد شمال سوريا، ومنها الرقة وحقول النفط في دير الزور، خصوصا أن الأكراد سيجدون أنفسهم بلا غطاء أو حماية أمريكية في نهاية هذا العام، أو بداية العام المقبل بعد تنفيذ الأمريكيين لانسحابهم المتوقع من شمال سوريا.

لكن قد تكتمل الورطة التركية، عندما تكتشف أن باقي المناطق الكردية والمعابر الحدودية المحاذية لحدود تركيا، ستعود لسلطة النظام من دون رصاصة واحدة، وأنه كان من الممكن أن تعود عفرين لسلطة الأسد، من دون خسارة جندي تركي واحد في تلك الحرب، التي لا داعي إستراتيجي لها سوى الإسراع في إعادة تشكيل الخريطة السورية شمالا تحت هيمنة الأسد، فدرع الفرات وعفرين، دخلتهما تركيا من خلال استانة، وفي ضوء استمرار الوقائع الحالية، ستنسحب منهما تركيا أيضا من خلال اتفاق استانة، بعد إكمال النظام سيطرته على مناطق المعارضة المتوقع بحلول العام المقبل.

وهكذا، تبدو تركيا مكبلة تماما في سوريا، بقيود روسية وأمريكية، لا تستطيع الإفلات منها، إلا لتحقيق هدف لأحد هذين الطرفين، ولعل هذا يرجع لعدم قدرة انقرة على نسج تحالفات متينة داخل سوريا، وعدم رغبتها في ذلك أصلا، إضافة إلى تفكك وضعف الفصائل والقوى السنية المعارضة المرشحة للتحالف مع تركيا، وإن كانت تمثل أغلبية السكان، بينما تمكنت الدولة الإقليمية المناظرة لتركيا إقليميا، إيران، من نسج روابط ووشائج متينة مع أقلية دعمتها في الحفاظ على السلطة بالدم والقمع، رغم أنها لا تتجاوز نسبتها الـ10% من السكان، بل إنها فعلت أيضا ما خشيت منه القوى المعارضة السنية، وهو الخطاب الإسلامي الجهادي، فواصلت إيران التمسك بخطاب معاد للغرب، ودعمت النظام بكل الفصائل الشيعية من طهران حتى بيروت حتى صنعاء، وفرضت أمرا واقعا دفع الولايات المتحدة وروسيا للتعامل معها قوة إقليمية مهيمنة، رغم نظامها وخطابها الإسلامي الفاقع، الذي ظلت المعارضة السورية تحرص على إخفائه، خشية من فقدان دعم الغرب لها، فإذا بالغرب يدعم إيران القوية، وإن اكتست برداء إسلامي داكن السواد.

وحتى اليوم، لا تسأل بعض قوى المعارضة نفسها سؤالا بسيطا، وهو لماذا الحرص على تفريق وقياس أنفسهم بناء على درجة لونهم الإسلامي، والاصطفاف مع رؤية قوى داعمة غربية، وكأنها هي القوة الأساسية التي تمارس الحرب في سوريا، بينما الفاعل العسكري الأساس في سوريا الذي يهاجم ويدمر مناطق المعارضة هو النظام وحلفاؤه الإيرانيىن والروس، الذين لا يفرقون بين كل من يخرج عن سلطة الأسد إن كان شيخا داعشيا أو زعيما يساريا، أو علويا متمردا كصلاح جديد.

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر